Turkey and the Kurds: From Predicament to Opportunity

ÖmerTaşpinar and GönülTol

تركيا والكرد : من المأزق إلى الفرصة

عمر تاشبيناروغنل تول

US – EUROPE ANALYSIS SERIES NUMBER 54, January 22, 2014

The Brookings Institution

Center on the United States and Europe

مركز الولايات المتحدة وأروبا[ في معهد بروكنغز] CUSE يرعى المستوى العالي من الحوار بين أوربا والولايات المتحدة حول التغيرات في أوربا والتحديات التي تؤثر على العلاقات عبر الاطلسي. ويقدم المركز أبحاث ومقترحات مستقلة للمسؤولين وصناع السياسة في الولايات المتحدة وأوروبا, ويعقد المؤتمرات والمنتديات العامة حول القضايا المتعلقة بالسياسة.

 

ترجمة: د. مسلم عبد طالاس

                            الحلقة الثانية

 

تقرب تركيا من حكومة اقليم كردستان العراق KRG

بعد حرب الخليج 1990-1991, تجنبت تركيا الاتصال المباشر مع حكومة اقليم كردستان العراق KRG, خشية من أن ذلك سيعزز حوافز KRG نحو الاستقلال وهو ما سيقود لمطالب مماثلة نحو حكم ذاتي واستقلال من جانب أكراد تركيا. وعارضت المؤسسة العسكرية التركية بقوة الاتصال الرسمي مع KRG, والقيادة العامة للجيش لم تميز بين PKK وKRG إلا بمقدار ضئيل, وهو موقف شاركته فيه كبار المسؤولين[1].

       بدأت السياسة التركية بالتحول أواخر عام 2008. في أوكتوبر من ذلك العام, التقى المبعوث الرسمي لتركيا إلى العراق مراد أوزجلك ومستشار أردوغان الرئيسي للسياسة الخارجية أحمد داوود أوغلو مع مسعود البرزاني في بغداد. كان هذا أول اتصال رسمي على مستوى عال بين المسؤولين الترك والبرزاني منذ أربع سنوات. وقد كان زيارة أوزجلك وداوود أوغلو بداية لسلسلة من الاتصالات الرسمية مع KRG أدت إلى تحسن كبير في العلاقات بين أنقرة وأربيل, وبشكل خاص في حقل الطاقة. بالإضافة للنمو في شراكة الطاقة, التي تبقى هي الأهم بسبب اعتماد تركيا على روسيا وإيران. هناك الآن علاقات متعددة الأبعاد بين تركيا وKRG على المستوى الديبلوماسي والاقتصادي والثقافي. فتحت تركيا قنصلية في أربيل عام 2011 وازدهرت تجارة تركيا مع الاقليم. وزيارة البرزاني نهاية عام 2013 لولاية ديار بكر ذات الغالبية الكردية في الجنوب الشرقي تعكس تحولا في العلاقات الثنائية بين تركيا و KRG. إقامة روابط طاقة أقوى مع KRG أصبح أحد المكونات الأكثر أهمية في محاولات تركيا معالجة المسألة الكردية في الداخل.

      في مايو 2012  توصلت تركيا وKRG لاتفاق لبناء خط لنقل الغاز وخطين لنقل النفط مباشرة من منطقة شمال العراق التي يسيطر عليها الكرد إلى تركيا بدون موافقة بغداد, مما نقل التقارب الذي بدأ عام 2008 خطوة أخرى للأمام. وستتيح هذه الأنابيب للكرد للمرة الأولى الوصول مباشرة للسوق الدولية, متجاوزين خط كركوك-جيهان الذي تسيطر عليه بغداد. وقعت أنقرة وأربيل اتفاقية أخرى متعدد المليارات حول الطاقة أواخر عام 2013 وبدأ النفط الخام من كردستان العراق يتدفق في الانبوب أواخر ديسمبر. لكن عملية التصدير الفعلي لهذا النفط مازالت تنتظر موافقة بغداد[2].

       اسست تركيا مؤخراً شركة برعاية حكومية لاستكشاف النفط والغاز في شمال العراق, هي Genel energy, وهي شركة تركية بريطانية للاستكشاف والانتاج, ومنحت حق شحن النفط مباشرة من المنطقة. ومنذ ذلك الحين تصدر الشركة النفط الخام بالشاحنات من حقول طق طق في كردستان العراق إلى مرفأ جيهان التركي. وسينمو التصدير من حقل طق طق بشكل كبير مع خطوط النقل الجديدة بالإضافة للتعاون بين تركيا وKRG في مجال الطاقة. هناك حوالي دزينة من الشركات التركية التي قدمت لجهات الرقابة على الطاقة في تركيا طلبات من أجل الحصول على ترخيص استيراد الغاز من الانابيب التي تم بناؤها في KRG, ومنحت KRG مؤخراً ستة شركات تركية تراخيص استكشاف النفط. وفي أواخر عام 2013 منحت شركة تركية ترخيص استيراد الغاز الطبيعي مباشرة من KRG. وقد بدأت شركة BOTAŞ التركية أيضاً بناء خط أنابيب غاز من KRG إلى مدينة ماردين في الجنوب الشرقي من تركيا[3].

        تشير كل هذه التحركات أن مستقبل اقتصاد KRG  سيعتمد بشكل كثيف على علاقاته مع تركيا. وKRG غنية بالنفط والغاز الطبيعي, الذي يجب أن يستخرج وينقل إلى الأسواق الغربية.  وتشكل أنابيب النفط من شمال العراق إلى الموانئ التركية على البحر المتوسط الأدوات الأكثر كفاءة والأقل كلفة لنقل النفط العراقي إلى أوربا. إن عوامل أخرى مثل: الطموحات الاقليمية لإيران التي يمكن أن تصبح قوة نووية, وتصاعد قوة الحكومة المركزية التي يسيطر عليها الشيعة في بغداد, وتراجع نفوذ الولايات المتحدة مع سحب قواتها من العراق, تشكل حوافز إضافية لكردستان العراق من أجل التوجه نحو خيار ترسيخ العلاقات مع تركيا.

       باختصار فإن صفقات الطاقة تشير لتحول كبير في سياسة تركيا تجاه KRG. لقد ولت الأيام التي كان ينظر فيها لكرد العراق كجزء من المشكلة, الآن ينظر لهم كجزء من الحل. هناك الآن إشارات واضحة بأن تركيا ستدعم  KRG  في شمال العراق باعتبار أن انقرة تحقق فائدة ضخمة من مصادر الطاقة في الاقليم. وأحدث زيارة للبرزاني لديار بكر هي إشارة لمدى النمو الذي وصلته علاقات تركيا مع اقليم كردستان العراق. ارتدى البرزاني في زيارته الرسمية الأولى لديار بكر الملابس التقليدية الكردية, والقى كلمة بالكردية والتقى مع أردوغان التركي الذي لفظ كلمة كردستان على الملأ للمرة الأولى[4]. وناقش الزعيمان بشكل خاص قضايا مثل عملية السلام بين تركيا وPKK. وأكدت الزيارة الاندفاعة الجديدة لسياسة AKP نحو تعميق العلاقات مع KRG بشكل أكبر[5].

       بالإضافة للمنافع الاقتصادية هناك انعكاسات جيوبوليتيكية للتقارب بين تركيا وKRG. لا تضمن تركيا, من خلال شراكة الطاقة هذه, فقط إمدادات طاقة رخيصة بل أيضا أوجدت مستوى غير مسبوق من التعاون ضد PKK  من خلال الاعتماد الاقتصادي المتبادل. وليس مفاجئاً أن حكومة اقليم كردستان, تنظر بشكل متزايد خلال السنوات الأخيرة, لهجمات PKK ضد تركيا على أنها عقبة للتقارب مع أنقرة.

       لكن تتحدى هذه العلاقات المزدهرة مع KRG عوامل مثل الحرب الأهلية في سوريا وظهور المناطق التي يسيطر عليها الكرد هناك على طول الحدود مع تركيا.

التعامل مع أكراد سوريا:

اتبعت تركيا, في مواجهة الأزمة الخطيرة في سوريا على حدودها الجنوبية, منهجية حذرة نحو الثورة السورية. في البداية طالبت أنقرة الرئيس بشار الأسد ببعض الاصلاحات. لكن أصابها خيبة الأمل مع تزايد الدماء المسفوكة, وانضمت في النهاية للمعسكر المعادي للأسد في خريف عام [6]2011. وإلى جانب جهود إيواء اللاجئين وزيادة الضغوط الديبلوماسية على النظام السوري, بادرت تركيا لاحتضان المعارضة السورية بشكل منتظم. وانتقاما من ذلك منح الأسد العديد من التنازلات للكرد ولـPKK على نحو خاص. حيث سمح لصالح مسلم, رئيس PYD  الذي بقي لعدة سنوات في جبال قنديل, بالعودة إلى سوريا , وسمح لـPYD  بحرية العمل في شمال البلاد.

      وفي مواجهة التحديات التي فرضتها الأزمة السورية, سعت تركيا لاستخدام علاقاتها مع البرزاني والمجلس الوطني السوري المعارض SNC من أجل تهميش PYD ضمن المعارضة السورية وبين كرد سوريا. وكجزء من تلك الاستراتيجية, شجعت تركيا المجلس الوطني الكردي KNC, وهو المجموعة الكردية التي يرعاها البرزاني, ودعمت انضمامه للمعارضة السورية. وغضت تركيا النظر عن الأسلحة التي عبرت أراضيها إلى جبهة النصرة, المجموعة الاسلامية المتطرفة, على أمل دعم المعارضة السورية ضد الأسد وإبقاء PYD تحت السيطرة[7].

        لكن الحرب الأهلية في سوريا أثبتت أن للبرزاني نفوذ قليل على كرد سوريا. وفي نفس الوقت هناك عدة عوامل قادت تركيا لتحويل دعمها عن الجماعات الراديكالية الاسلامية المعادية للكرد. منها ضغط الولايات المتحدة والتوصل لقناعة بأن PYD أقوى من أن يهمش, ومحاولات استمالة قادة PYD بدعوتهم لتركيا من أجل محادثات خلال صيف عام [8]2013. والتحولات والتعديلات في سياسة تركيا تجاه سوريا تعكس دأب تركيا من أجل التعامل مع النزاع الذي يعرقل جهودها لتحقيق السلام مع أكرادها. وفي محاولة للتعامل مع المشكلات التي وضعت أمام بابها بسبب النزاع السوري, سعت تركيا لمحاولة تحقيق تغيير سلس للنظام في سوريا. لكن الطبيعة الطائفية للنزاع والقتال بين مختلف مجموعات المعارضة تشير إلى حقيقة مزعجة: إن سقوط الاسد لن يكون نهاية شلال الدم, وستمر سنوات قبل  يكون هناك استقرار وسلام في سوريا. بدون معالجة مشكلة أكراد ستبقى تركيا تعرض نفسها لتقلبات الأحوال السياسية لجيرانها من الكرد.

الآثار على العلاقات التركية الأمريكية:

تقليديا كانت المسألة الكردية, وتحديات PKK بشكل خاص, أحد المحركات الرئيسية لمعاداة أمريكا في تركيا. منذ الغزو الأمريكي للعراق تعزز هذا التوجه, حيث بينت العديد من استطلاعات الرأي بأن قطاعاً واسعاً من المجتمع التركي يرى الولايات المتحد تهديداُ للأمن الوطني. في عام 2008 كانت هذه النسبة حوالي 70% , وكانت قريبة من ذلك عام 2013 ووفقاً لـ Pew Global Attitudes Surveyحوالي 50% من الترك وصفوا الولايات المتحدة بالعدو[9].

      نتيجة توقيف القوات الأمريكية لقوات كوماندوس تركية خاصة في يوليو 2003 في السليمانية في شمال العراق, تدهورت العلاقات الأمنية بين حليفي الناتو[10]. وقد زاد اعتماد تركيا على القوات الأمريكية لمواجهة PKK في جبال قنديل فقط من حرارة التوتر.  وقد عبر المسؤولين الأتراك مراراً لواشنطن عن خيبة أملهم بسبب قلة دعم القوات الأمريكية لقتالها ضد PKK.

       في أواخر عام 2007 , عندما قررت الولايات المتحدة زيادة تعاونها المخابراتي والعسكري مع تركيا ضد قوات PKK في كردستان العراق, بدأت العلاقات بالتحسن. وكان قرار الرئيس جورج بوش في نوفمبر 2007 بتقديم الدعم العسكري, وخصوصا المخابراتي, لمساعدة تركيا في محاربة الهجمات الارهابية لـPKK في كردستان العراق, نقطة تحول حاسمة في العلاقات. سياسياً أزال  القرار عقبة هامة في العلاقات التركية الأمريكية وبين أن الولايات المتحدة ملتزمة بدعم صراع تركيا ضد PKK, وهي رغبة تركية منذ زمن بعيد.  عسكريا مكن القرار الترك من إجراء ضربات دقيقة لتدمير خطوط اتصال PKK ومنع عملياته.

        إن تحسن العلاقات التركية مع اقليم كردستان خلال السنوات القليلة الماضية له أيضا بعد أمريكي حاسم. ليس سرا ان قيادة اقليم كردستان, ونتيجة التوتر في علاقاته مع إيران وتركيا وسوريا وبغداد, طلبت إقامة قاعدة عسكرية أمريكية دائمة في المنطقة.  وخلال الانتخابات الرئاسية لعام 2008 , احتلت مسألة العراق مساحة واسعة من النقاشات حول السياسة الخارجية بين المرشح الجمهوري جون ماكين والمرشح الديمقراطي باراك أوباما. حيث بين أوباما أنه يريد أن تغادر القوات الأمريكية العراق في أقرب فرصة ممكنة, وقف ماكين على النقيض ورأى أن على القوات الأمريكية البقاء في العراق بقاعدة عسكرية دائمة كما هو الحال في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية[11]. إن فوز أوباما في الانتخابات ومغادرة القوت الأمريكية للعراق ترك الكرد في وضع صعب. وبدا واضحاُ أنه من أجل أمن الاقليم وسلامته وازدهاره على المدى الطويل, فإن عليهم التخفيف من طموحاتهم الاقليمية وأن يجدوا طريقاُ لتعاون براغماتي مع تركيا. وفي هذا السياق بدأت KRG التعاون بنشاط أكبر مع أنقرة ضد PKK. هذه التطورات, وبشكل خاص قرار الولايات المتحدة بمغادرة العراق, عززت موقف تركيا تجاه أربيل ومكن أنقرة من التفاوض مع كردستان العراق من موقف أقوى.  باختصار كانت انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2008 نقطة تحول في علاقات تركيا وKRG.

       انتخاب أوباما ورغبته في تحسين العلاقات مع تركيا أكثر قاد إلى مناخ إيجابي متزايد للعلاقات الأمريكية التركية. لكن لم يدم الأمر طويلا حتى ظهرت مشاكل جديدة. استعداد أنقرة للتعامل مع إيران بدلا من عزلها ترافق مع تدهور العلاقات مع اسرائيل أحدث توترا جديا في العلاقات التركية الأمريكية خلال عام 2010. لكن في أعين القيادة التركية فإن الثورة السورية ومعارضة الولايات المتحدة للتدخل العسكري فيها هو الذي تسبب في الصدع الأكبر. في 5 سبتمبر 2012 صرح رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان لمراسل تلفزيون CNN كريستين أمانبور أن الولايات المتحدة : ” تفقد ….المبادرة” في التعامل مع الأزمة في سوريا. وقال : “هناك أمور محددة كانت متوقعة من الولايات المتحدة. وأوباما لم يعد يهتم لتلك التوقعات”[12] .

        عمقت التقارير التي ذكرت بأن تركيا سمحت ضمناً بعبور الأسلحة من أراضيها إلى جبهة النصرة من الصدع بين الحليفين. ونتيجة الخوف من أن يؤدي سيناريو عراقي آخر إلى تفكك مؤسسات الدولة بما يقود لعدم الاستقرار والفوضى, شجعت الولايات المتحدة عملية انتقال مسيطر عليها للحفاظ على أجهزة الدولة واقترحت محادثات جنيف2 لتطبيق خطط لحكومة انتقالية. وكانت تركيا أقل حماساُ لجنيف2 بسبب مخاوفها من أن العملية ستجلب نوعا من الشرعية الدولية غير المرغوبة للمجموعات المؤيدة للأسد.

      إن علاقات الطاقة النامية بين KRG هي عامل آخر يغذي التوتر بين واشنطن وأنقرة. تخشى الولايات من أن السياسات التركية ستدفع الحكومة الشيعية في بغداد نحو طهران بشكل أكبر وتهدد وحدة العراق. بالمقارنة مع الوضع عام 2009 , يبدو أو الولايات المتحدة وأنقرة قد تبادلتا المواقع. الأن وبينما تركيا مشغولة بتحقيق مجال اقتصادي مربح ونفوذ سياسي مع كردستان العراق, واشنطن هي التي تحتاج لتذكير أنقرة بأهمية وحدة التراب العراقي. وكما هو الحال أواخر عام 2008, حيث كانت تركيا هي التي تشدد في محادثاتها على التوجه لبغداد بدلا من أربيل من أجل تهميش الشمال. في مواجهة بغداد المرعوبة أنقرة وأربيل مشغولتان بتعميق علاقاتهما. من الصعب على الأمريكيين الشكوى باعتبارهم هم من شجع أنقرة على التعامل مع أربيل. في المقابل تركيا كانت في الماضي شديدة الحساسية حول وحدة العراق وضرورة احترام السلطة المركزية في بغداد[13].

      تصاعدت الخلافات بين تركيا والولايات المتحدة حول العراق بسبب مواقفهما المتعارضة حول رئيس الوزراء نوري المالكي. في منظور تركيا المالكي دكتاتور طائفي مسؤول عن الفوضى في العراق والسقوط المتدرج للبلد إلى الحرب الأهلية. وبشكل خاص لا تستطيع تركيا التوقف عن لوم واشنطن لدعمها للمالكي وتحويل العراق لحديقة خلفية لإيران. ترى واشنطن الوضع بشكل مختلف. يعتقد البيت الأبيض أنه باتباع سياسات صحيحة يمكن استمالة المالكي. من جانبه لدى المالكي قناعة بأن سنة العراق الراديكاليين يريدون إلغاءه  وأن نفس تلك الجماعات التي تقاتل ضد الأسد في سوريا. وأنه حالما يتم التغلب على دمشق ستكون بغداد التالية على اللائحة, وهي الجائزة الحقيقية. في مثل هذه الظروف يرى المالكي أن الشراكة مع إيران هو خياره الوحيد. وهذا هو ما يجعل واشنطن تعتقد أن علاقات المالكي مع إيران يمكن أن تتغير إذا احتضنته بلد مثل تركيا, بدلا من دفعه للمدار الفارسي.

       إذا كان العراق هو المشكلة الأكبر في العلاقات التركية الأمريكية فإن سوريا تبقى الأكثر إلحاحاً. ويبدو أنه في سوريا أيضاً تبادلت أنقرا وواشنطن المواقع, وبشكل خاص فيما يتعلق بمسألة كيفية تحويل نظام ديكتاتوري بشكل قسري. قبل عشر سنين, عندما طلبت إدارة بوش من تركيا المساعدة في القضاء على صدام حسين, كان لدى تركيا سؤال أساسي: ما الذي سيأتي بعده؟  وكانت الإجابة المثالية لأمريكا هي “الديمقراطية”. لم تقتنع أنقرة. وكانت هناك مخاوف جدية لأنقرة حول أن الوضع يمكن أن يسوء أكثر في العراق بعد صدام. ولعبت مثل هذه الاعتبارات دوراُ رئيسيا في معارضة تركيا مساعدة الولايات المتحدة عام 2003, وفي عدة جوانب ثبت صحة موقف أنقرة حول الفوضى بعد صدام[14]. ومن المثير للسخرية أن تركيا تقدم نفس المبرر لواشنطن من أجل تغيير قسري للنظام في سوريا باسم الديمقراطية بينما أوباما وإدارته قلقون بوضوح حول ما سيأتي بعد الأسد.

       مع ذلك هناك علامات إيجابية مؤخراً بأن تركيا تريد التعامل مع بغداد. بعد زيارة وزير الخارجية العراقي لتركيا في أكتوبر, ذهب داوود أوغلو إلى بغداد لمناقشة بداية جديدة للعلاقات. وخلال زيارته عقد داوود أوغلو محادثات مع قادة الشيعة وزار الأماكن المقدسة في محاولة تغيير صورة تركيا كقوة سنية تتبع أجندة طائفية, وبشكل خاص في سوريا[15]. مثل هذه الزيارات ذات المستوى العالي تشير لجهد واضح لفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية. ومازالت إيران وتركيا على طرفي نقيض حول الطريقة التي عالج بها أوباما استخدام نظام الاسد للأسلحة الكيماوية, ببدء عملية دبلوماسية تشرعن الأسد كطرف اساسي بمساعدة روسيا. مع ذلك تدرك أنقرة أيضاً أنها لها القليل من التأثير على واشنطن وخففت من معارضتها بشكل كبير لجنيف 2.

خاتمة:

قاد الربيع العربي لشكل من اليقظة الكردية في المنطقة. وقد أدركت تركيا , انه في الجوهر,  الربيع العربي هو حركة من أجل ديمقراطية  تقرير المصير. مثل هذا التغير الحاد في المنطقة كان لا بد أن يكون له أثر كبير على المطالب الكردية من أجل تقرير المصير. إن تحقيق كردستان الكبرى هو حلم ملايين القوميين الكرد. ويحتمل جداً أنه في مرحلة ما بعد الأسد أن تتخذ حكومة المنطقة الكردية شبه المستقلة في المناطق الشمالية شكلا رسميا. ومع وجود الحكومة الاقليمية الكردية في شمال العراق , لن يكون لتركيا على حدودها الجنوبية سوى الكيانات الكردية.

       مع هذا الحراك الاقليمي والضغط الداخلي من أجل الاصلاح, تشعر الحكومة التركية بشكل متزايد بالحاجة لتغيير سياستها التقليدية في مواجهة الكرد. وفي الوقت الذي تعيش المنطقة حالة من الاضطراب, فإن تلبية الطموحات الثقافية والسياسية للكرد تبدو السياسة الأفضل. مثل هذه السياسة يمكن أن تكون الجسر لبلد طالما خشي من تقطيع الأوصال بسبب ذاكرته الحية حول تفكك الدولة العثمانية. تخلت تركيا من قبل عن سياسة الصهر الصارمة للكرد. لكن مازال عليها أن تختار التعددية الثقافية. مع الاخذ في الاعتبار التطلعات المتصاعدة ليس هناك حل سوى خطوات نحو الدمقرطة والتعددية الثقافية واللامركزية من أجل المساعدة في وقف المطالب القومية المتطرفة للقوميين الكرد ووضع نهاية للعنف.

       تعلم أنقرة جيداً أن التسوية مع الكرد في الداخل وفي المنطقة سيكون لها آثار اقليمية أيضاً. كانت سياسة أنقرة الشرق أوسطية خلال العقود الماضية رهينة للمشكلة الكردية. وحل هذه المشكلة سيزيل عقبة كبيرة أمام طموحات تركيا في أن تكون قوة اقليمية. وبعد 30 سنة من الصراع الذي كلف حياة 40000 شخص, يبدو السلام الكردي التركي اخيراً في متناول اليد. مع الأخذ في الاعتبار مستوى عدم الثقة نحو الولايات المتحدة  لدى الرأي العام التركي , فإن على واشنطن اختيار سياسة الدعم الصامت بروحية عدم الاضرار. وفيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية والسياسة النامية مع KRG, فإن على واشنطن بدلا من الخوف من الانفصال الكردي, كما فعلت تركيا ذات يوم, أن تلعب دورا أكثر نشاطاً وبناءا أكثر وأن تدفع بغداد لقبول الصفقات التي تفاوضت عليها تركيا وKRG. بالتأكيد إذا ساعدت الاعتبارات الاقتصادية في تحسين العلاقات بين تركيا وKRG فإنها يمكن أن تمارس أثرا مماثلا على العلاقات التركية العراقية وعلاقات اربيل –بغداد.

      يعلم الترك قوة القومية. تفتتت الامبراطورية العثمانية عندما لم تستطع مقاومة قوميات قررت إقامة دولها القومية.  المطالب القومية بحق تقرير المصير اصبحت كابوسا في مركز الامبراطورية العثمانية المنهارة. لذلك من غير المفاجئ أنه اليوم يحذر العديد من الترك من آفاق القومية الكردية وإمكانية ظهور كردستان الكبرى. بالنظر لهذه المعطيات, لدى تركيا خياران. الأول, هو خيار الرعب واختيار المواجهة بكل الوسائل الديبلوماسية والاقتصادية وحتى العسكرية. والثاني, هو خيار استراتيجية الاستمالة في كل من الداخل والمنطقة من خلال القيام بالتعامل مع مختلف الجماعات الكردية على المستويات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية. يبدو أن تركيا اختارت الخيار الثاني ويمكن أن تحول مشكلتها الكردية من مأزق إلى فرصة كبيرة للدمقرطة والازدهار والاستقرار في المنطقة.



[1]– خلال رئاسته لتركيا, رفض الكمالي المخلص, احمد نجدت سيزر, أن يستقبل رسميا نظيره العراقي جلال الطالباني, الذي هو أحد القادة الأساسيين لكردستان العراق. وسمى المسؤولون الترك مسعود البرزاني رئيس اقليم كردستان العراق  باستخفاف بـ”زعيم قبيلة”, مما يعني رفض الحوار معه من قبل كبار المسؤولين الترك. انظر:

GonulTol, F. Stephen Larrabee, “Turkey’s Kurdish Challenge”, Survival, August-September 2011, vol. 53, pp. 143-152

[2]– See Reuters “Kurdish oil flow to Turkey begins, exports await Iraqi consent,” January 2, 2014, http://www.reuters.com/article/2014/01/02/turkey-iraq-idUSL6N0KC0M220140102

[3]-Tol, Gonul, “Has energy-hungry Turkey finally solved ‘the Kurdish problem’? cnn.com, November 1, 2013

[4]– Hussein, Ahmed, “Turkish Prime Minister uses word Kurdistan for the first time in history,” Iraqi News, November 16, 2013, http://www.iraqinews.com/baghdad-politics/erdogan-salutes-kurds-in-kurdistan-region/#ixzz2piCVfJ7a

[5]– Tol, Gonul, “Turkey’s KRG Energy Partnership,” Foreign Policy, January 29,

2013, http://mideastafrica.foreignpolicy.com/posts/2013/01/29/turkey_s_krg_energy_partnership

[6]-Tol, Gonul, “Ankara Is Trying to Have It Both Ways,” New York Times, November 16, 2011,

http://www.nytimes.com/roomfordebate/2011/11/15/why-turkey-turned-away-from-syria/turkey-is-trying-to-have-it-both-ways

[7]– Balci, Bayram, “Turkey’s Flirtation with Syrian Jihadism,” Carnegie Middle East Center, November 7, 2013, http://m.ceip.org/beirut/syriaincrisis/?fa=53532&lang=en

[8]– See “PYD leader arrives in Turkey for two-day talks” Hurriyet Daily News, July 25, 2013

[9]– See http://www.pewglobal.org/database/indicator/55/country/224/response/Enemy/ . See also “Why Turks feel threatened by the United States” in World Public Opinion, September 5, 2007

http://www.worldpublicopinion.org/pipa/articles/brmiddleeastnafricara/393.php

[10]– Howard, Michael and Goldenberg, Suzanne, “US arrest of soldiers infuriates Turkey,” The Guardian, July 7, 2003, http://www.theguardian.com/world/2003/jul/08/turkey.michaelhoward

[11]– McCain in NH: Would Be “Fine” To Keep Troops in Iraq for “A Hundred Years,” Mother Jones, January 3, 2008, http://www.motherjones.com/mojo/2008/01/mccain-nh-would-be-fine-keep-troops-iraq-hundred-years

[12]– Amanpour, Christiane, “Exclusive Interview With RecepTayyipErdogan,” CNN, September 7, 2012, http://transcripts.cnn.com/TRANSCRIPTS/1209/07/ampr.01.html

[13]– Barkey, Henri J., Turkey’s New Engagement in Iraq Embracing Iraqi Kurdistan, Special Report: 237, USIP, Washignton DC, May 2010.

[14]– “Turkey upsets US military plans,” BBC News, March 1, 2003, http://news.bbc.co.uk/2/hi/europe/2810133.stm. See also CengizCandar, “Regime Change in Iraq: Repercussions for Turkey,” Wilson Center, June/July 2002, http://www.wilsoncenter.org/publication/regime-change-iraq-repercussions-for-turkey

[15]-“Turkish FM Davutoğlu in Iraq to push fresh start,” Agence France Presse, November 10, 2013, http://www.hurriyetdailynews.com/turkish-fm-davutoglu-in-iraq-to-push-fresh-start.aspx?pageID=238&nID=57664&NewsCatID=338