فشل خلط تطبيق الشريعة بالديمقراطية

جورج كتن – ايار 2014

إذا كان هناك من عنوان يلخص المتغيرات السياسية العالمية للثلاث عقود المنصرمة بشكل خاص، ولما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بشكل عام، فهو: “أولوية الديمقراطية على أي شيء آخر”. فقد شهدنا انتقال الدول الفاشية في أوروبا واليابان لنظام ديمقراطي في الاربعينات ودول أخرى عديدة بعدها، حتى بداية التسعينات التي شهدت أيضا انتقال معظم دول المعسكر الشرقي من حكم الحزب الواحد إلى الديمقراطية. ولم يبق في العالم سوى قلة من الدول الاستبدادية أهمها دول في الشرق الأوسط وشمال افريقيا التي باشرت ثوراتها الديمقراطية منذ أربع سنوات.

التعقيد الذي يؤخر الانتقال أن الصراع لا تتجاذبه قوتان رئيسيتان، الأنظمة الاستبدادية من جهة والقوى الديمقراطية الليبرالية من جهة أخرى، إذ أن هناك قوة ثالثة تطرح نفسها بديلا عن الأنظمة الاستبدادية وهي الإسلام السياسي بتنوعاته وفروعه. وصولها للسلطة لم يعد مسالة نظرية، فقد وصلت اليها في عدة بلدان بدءاً من إيران ثم تركيا وأفغانستان الطالبان ومؤخرا تونس ومصر. فأصبح ممكناً تقييم أدائها في السلطة وليس منطلقاتها النظرية فقط.

تجارب الإسلام السياسي في السلطة

في أفغانستان وصل الإسلاميون المتطرفون الذين يكفرون العالم كله ويعتبرون معركتهم ضده، وبذلك لم يستمروا في الحكم طويلا إذ انهاروا تحت ضربات القوى الكبرى التي من مصلحتها القضاء على خطر الإرهاب الاصولي الذي شن حربه ضد ما يسميه “معسكر الكفر” بغزوة نيويورك دون تقدير للنتائج التي ترتب عليها تدمير امارته الإسلامية السابحة في أوهام عهد “الفتح” وإمكان إعادة عقارب الزمن للوراء بشطب 14 قرنا من التطور العالمي.

في إيران اقام الإسلام السياسي سلطة رجال الدين وعلى رأسها الولي الفقيه المتحكم بسلطات واسعة فوق جميع السلطات الأخرى الرئاسية والتشريعية والقضائية، فشل خلال ثلاثة عقود في مزج سلطة رجال الدين مع ديمقراطية انتخابية أتت برؤساء لم تتعد صلاحياتهم تنفيذ تعليمات المرشد دون امكانية رفضها او تعديلها. كما فشلت جميع محاولات الإصلاح التي حاولها الرئيسان المنتخبان رفسنجاني وخاتمي لتوسيع اطر الديمقراطية للشعب المتذمر من سلطات رجال الدين المطلقة، إلى ان اضطرت أجهزة المرشد الأمنية لتزوير الانتخابات لإنجاح مرشحها “نجاد” للرئاسة قطعا للطريق على وصول رئيس يتحدى سلطته، مما نتج عنه انهيار الحاضنة الشعبية للطبقة الدينية الحاكمة وثورة خضراء مليونية عام 2009، ان لم تنجح في اسقاط النظام الديني فقد افتتحت مرحلة جديدة لثورات قادمة اكثر اتقانا للخلاص منه، بعد أن كانت قد أسقطت نظام الشاه بثورتها التي جيرها رجال الدين لمصلحتهم.

التجربة في تركيا مختلفة، إذ بعد فشل تنظيمات إسلامية في لعب أي دور رئيسي من خلال الديمقراطية التركية، اتى حزب العدالة والتنمية للسلطة بأغلبية شعبية انتخبته لبرنامجه الذي لا يدعو لتطبيق اية شريعة إسلامية ويقبل العلمانية كفصل للدين عن السياسة وكمنهج أساسي في النظام الديمقراطي، ليميز بين المؤسسات الدينية من جهة، وبين الدولة والحزب كمؤسسات سياسية. أعضاؤه إسلاميون متدينون كأفراد وليس كتنظيم، دعوته الإسلامية تقتصر على حرية أداء الشعائر وإزالة القيود عن ارتداء الحجاب، وحرية التعليم الديني الخاص. قدم الحزب تجربة جديدة لا تمزج بين الشريعة والديمقراطية، خارجة عن نهج الإسلام السياسي التقليدي للإمام البنا وسيد قطب في تطبيق شريعة تتناقض عملياً مع الديمقراطية والحداثة.

أي المسارين سلك الإسلام السياسي في تونس ومصر؟

حزب النهضة التونسي الحاصل على أكبر عدد من الأصوات في اول انتخابات إثر الثورة الشعبية التي أطاحت ببن علي، رغم انه لم يلعب دوراً رئيسياً في انتصارها، توهم انه يمكن ان ينفرد بالسلطة ويبدأ اسلمة البلاد حسب نهج تطبيق الشريعة الاخواني، مما اصطدم مع غالبية شعبية تونسية عايشت علمانية أرساها الحبيب بورقيبة اول رئيس تونسي عقب الاستقلال، تمثلها كتلة ديمقراطية علمانية، فرضت في النهاية بعد احتجاجات شعبية واسعة تراجع حزب النهضة ليقبل بوزارة جديدة لا يهيمن عليها، وبدستور جديد لا يشرعن  لتطبيق الشريعة بل لإقامة نظام مدني ديمقراطي علماني، السيادة فيه للشعب وليس كما يدعي مفسري النصوص “الحاكمية لله”. وبذلك قبل النهضة بنهج مقارب لحزب العدالة والتنمية التركي، ونأمل ألا يكون ذلك انحناء مؤقتا امام العاصفة الشعبية.

أما في مصر فالإخوان الذين لم يلعبوا دورا رئيسيا في الثورة ضد مبارك بل شاركوا فيها بعد اندلاعها كأحد قواها، استفادوا من كونهم الأكثر تنظيماً وخبرة، للحصول على اغلبية في اول انتخابات رئاسية أتت بمرسي ليس فقط بقوة الإخوان ولكن بدعم كتل شعبية واسعة خشيت من نجاح أحمد شفيق المحسوب على نظام مبارك. وبدل ان يقيموا حكما يضم ائتلافا لكافة القوى المدنية المشاركة بالثورة، تفردوا بالسلطة وبدأوا عملية الأسلمة وتطبيق الشريعة من خلال دستور لا يراعي قطاعات الشعب الرافضة لمثل هذا التوجه. ليواجهوا كما في تونس بهبة شعبية مليونية ترفض هيمنتهم وتطبيقاتهم المنافية للديمقراطية والحداثة. وبدل القبول بالطريق التونسي في التصالح مع القوى الديمقراطية، أصروا على مواجهة التغيير بالقوة، مما مكن لتدخل الجيش المصري لإطاحة مرسي.

وإذا كانت معارضتهم للنظام الجديد تأخذ حتى الآن شكل احتجاجات في الشارع، فذلك لا يعني انهم لم يرحبوا بعمليات إرهابية يقوم بها متشددون إسلاميون يهتدون بالبرنامج الاخواني. ولا يستبعد ان ينزلق التنظيم الاخواني للإرهاب بعد فشله في مواجهات الشوارع، وموقفه المتردد الذي يراوح بين الديمقراطية والإرهاب، إذ سبق لإخوان مصر ان افرزوا “التنظيم الخاص” الإرهابي في عهد عبد الناصر، مثلما أنتجوا أيضا تنظيم “الطليعة المسلحة” الإرهابي في سوريا الذي مكن النظام الاستبدادي السوري من تبرير قمعه ليس فقط للإخوان بل لكل القوى الديمقراطية.

وإذا كانت هناك إمكانية لعودة حكم العسكر لمصر من خلال انتخاب السيسي فإخوان مصر يتحملون المسؤولية الأولى في التمكين له لتمسكهم ببرامجهم لتطبيق الشريعة المرفوضة من قطاعات شعبية واسعة، ولرفضهم الائتلاف مع القوى المدنية الديمقراطية والعلمانية التي من الصعب على العسكر مواجهتها عندما تكون موحدة. فائتلاف جميع القوى المدنية الشعبية الديمقراطية والإسلامية أسقط حكم مبارك المستقوي بالعسكر، وائتلاف جديد لهذه القوى بعد قبول الإخوان بالتراجع عن برنامجهم لتطبيق الشريعة، سيمكن من منع عودة العسكر للسلطة من جديد.

الحل الوسط في خلط تطبيق الشريعة مع الديمقراطية انهار في تونس طوعا وفي مصر قسراً وفي طريقه للانهيار في إيران وليس له مستقبل في سوريا. التحاق الإخوان بالديمقراطية يفترض الإقرار بالعلمانية كفصل للدين عن السياسة، والائتلاف مع القوى المدنية الديمقراطية الأخرى في مواجهة حكم العسكر، او في مواجهة منظمات متطرفة إسلاموية تمارس الإرهاب وتسعى لنظام يعيد الاستبداد متسترا بالنصوص الدينية.

أي طريق سيسلك إخوان سوريا؟

أي طريق سيسلك اخوان سوريا بعد اسقاط النظام السوري الاستبدادي؟ طريق حزب النهضة التونسي ونموذجه حزب العدالة والتنمية التركي الذي قبل بالعلمانية كأحد أوجه الديمقراطية، أم طريق جماعة الإخوان المصرية المتبع للنموذج الإيراني في تطبق الشريعة التي فشل خلطها بالديمقراطية في أكثر من مكان؟ لمحاولة معرفة جواب هذا السؤال لا بد من العودة لمواقف ووثائق الإخوان الأخيرة وخاصة “مشروع رؤية سياسية لسوريا” لعام 2004 ووثيقة “عهد وميثاق” لعام 2012.

مشروع “الرؤية” اعترف بالتعددية الحضارية والاستفادة من تجارب الشعوب ومعطيات الحضارة الإنسانية في مجال النظم السياسية والاقتصادية، وليس في مجال التكنولوجيا والعلوم فقط. الا انه حصر ذلك فيما تقره الشريعة الإسلامية. ف”الرؤية” مع إسلام متجدد، ولكن في “إطار مقاصد الشريعة العامة”، التي هي “المصدر الأساسي للتشريع والحقوق”. وهي نقلة من: “دستورنا القرآن”، الشعار الرئيسي المناقض لها حسب الامام حسن البنا مؤسس الجماعة، الذي ما زالت أفكاره متبناه من المتشددين الإسلاميين باعتبار ان الشريعة “المصدر الوحيد للتشريع والحقوق”.

أما في الوثيقة الاحدث “عهد وميثاق” فقد طور اخوان سوريا موقفهم ليصبح “الالتزام بحقوق الانسان كما اقرتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية”، وهو موقف متقدم من حيث استبدال الشريعة الإسلامية بالشرائع السماوية، لكنه لا يذكر أي من المواثيق الدولية يلتزم، وخاصة الإعلان العالمي لحقوق الانسان والعهود الدولية المتممة له، كما أنه تعبير فضفاض لا يحدد أي من المرجعين يتوجب اعتماده فيما إذا تناقضت نصوص الشرائع السماوية مع المواثيق الدولية، وهي تتناقض كما هو معروف في عدد من المواضيع وخاصة حقوق المرأة وحق تغيير الدين والعقوبات الجسدية وغيرها ..

اعتبرت وثيقة “عهد وميثاق” أساسا لعقد اجتماعي جديد لمكونات المجتمع السوري بكافة اطيافه، لبناء دولة مواطنة متساوية لجميع الأعراق والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية، وهنا لا تذكر “لجميع الاجناس” المضمنة في الإعلان العالمي لحقوق الانسان، والتي تعني ان المساواة تشمل جنسي الرجل والمرأة. فالوثيقة تقبل بمساواة الرجال والنساء في “الكرامة والأهلية” فقط ولكن ليس في الحقوق، فتقر “بتمتع المرأة بكافة حقوقها”، مما لا يعني ان “كافة حقوقها” هذه مساوية لحقوق الرجل. ورغم هذا القصور فهو خطوة أخرى متقدمة على مفهوم مشروع الامام البنا للمرأة المسلمة الذي الزمها بيتها ورأى عدم حاجتها للتعلم سوى القراءة والحساب!!. كما أنه ربما متقدم على ما جاء في “الرؤية” التي دافعت عما تفترضه نصوص الشريعة من أن النساء “ناقصات عقل ودين” وأن شهادتهن وحصتهن في الإرث نصف شهادة وحصة الرجل، مما يتناقض مع المواثيق الدولية التي تقر بمساواة الجنسين التامة في كافة الحقوق.

كما يقر “العهد” و”الرؤية” بحرية الانسان في “اختيار” عقيدته وليس في “تغييرها” التي يقرها الإعلان العالمي لحقوق الانسان كما يقر بحرية الانسان بعدم اتباع أي دين، والحالتين حسب الشريعة تعتبران ارتدادا يستوجب العقاب الذي قد يصل لقتل المرتد. كما يشير “العهد” إلى حق أي مواطن في الوصول لأعلى مناصب الدولة دون تحديد إن كان ذلك يشمل رئيس الجمهورية حيث تشترط الدساتير التي يقترحها الاخوان عادة ان يكون رئيس الجمهورية مسلما، يضاف له “سنيا” كما يفضل البعض، أو شيعيا جعفريا كما في دستور الدولة الدينية الإيرانية، بناء على ان دين الدولة الإسلام، فيما الدول الديمقراطية تعتبر الدين خاصا بالأفراد وليس الدول.

كما ان وثيقة العهد تنبذ العنف وتدعو لمحاربة الإرهاب في عمومية لا تحدد أي إرهاب تقصد فيما ان الإرهاب حاليا تمارسه منظمات إسلام سياسي تكفر جميع من لا يوافقها بتطبيق الشريعة حسب تفسيرها لها. محاربة هذا النوع السائد من الإرهاب مهمة خاصة بالإسلام السياسي المعتدل إن كان فعلا يتبنى الوسائل الديمقراطية للوصول الى السلطة، ويريد ان يميز نفسه عن التكفيريين بانتقاد مواقفهم المتشددة بجرأة باعتبارها خارجة عن الإسلام العصري المتجدد الذي تدعو له وثائق الإخوان. حتى الآن لم يقدموا ما يكفي لمواجهة الهجمة الأصولية الإرهابية في المنطقة، ويخشى انهم يغضون الطرف عنها حيث يمكنهم الاستفادة من اعمالها بشكل غير مباشر، كما يفعل إخوان مصر بخصوص الأعمال الإرهابية للمنظمات التكفيرية التي انطلقت من سينا ونقلت نشاطها للمدن المصرية.

نتائج

نتيجة العموميات التي تطبع وثائق الإخوان السوريين التي ذكرنا بعضها يخشى ان يكون التزامهم بالديمقراطية معاقا بأفكار مسبقة ما زالت تجرجر نفسها في وثائقهم المتتالية، دون ان يحسموا امرهم في قبول فصل الدين عن الدولة كما قبل به الإسلام السياسي التركي، والاعتراف بفشل خلط الديمقراطية مع تطبيق الشريعة بعد اعترافهم بفشل تطبيقها كدستور للبلاد حسب الشعار القديم “القرآن دستورنا”. وربما يجتازون هذا القاطع بنبذ العودة لمرحلة الثمانينيات عندما انجر الإخوان وراء طليعتهم المسلحة التي مارست الإرهاب، وبالاعتماد على تجربة الخمسينيات الديمقراطية عندما طور مؤسس الجماعة مصطفى السباعي فكرها، فقبل بالاشتراكية، وكان يمكن ان ينتقل بالجماعة إلى إسلام سياسي ليبرالي. وقد شارك الإخوان في مؤسسات الديمقراطية السورية إلى ان قضت عليها الانقلابات العسكرية وآخرها الانقلاب البعثي المتحول في المرحلة الاسدية لديكتاتورية مطلقة.

الإخوان السوريون أحد القوى الأساسية في الثورة السورية، لعبوا دورا رئيسيا في المجلس الوطني اول تجمع للمعارضة السورية الساعية لإسقاط النظام الاستبدادي، فأقصوا قوى اخرى عن المشاركة في المجلس، لكنهم تعلموا من تجربتهم أن مواجهة النظام الذي ما زال متماسكا تفترض قبول التشارك مع جميع القوى الأخرى المعارضة مما جعلهم يقبلون دخول الائتلاف الوطني الجديد متنازلين عن اشتراطاتهم للهيمنة عليه. التطوير الذي حدث في برامجهم لسوريا القادمة ذو أهمية لطرحه موقفا إسلاميا معتدلا يقبل بالديمقراطية التي قامت الثورة من أجلها وتحاول قوى مسلحة إسلاموية في الداخل خطفها لأهدافها الخاصة التي من بينها ما أعلنه البعض عن “خلافة إسلامية” تكفر الديمقراطية.

التحالف مع الإخوان من اجل سوريا ديمقراطية لا يمنع نقدهم لتصحيح مواقفهم، فالتطوير الذي احدثوه في برامجهم من خلال “عهد وميثاق” غير كاف، ولكن يجب عدم تجاهله بل الدفع لتطويره للأفضل نحو التخلي الواضح والصريح وبلا مواربة عن النية لتطبيق اية شريعة ثبت تعارضها مع الديمقراطية، واعتبار الدين شأن فردي بين الانسان وربه لا يتدخل في شؤون الدولة وبحرية الانسان كما يقررها التوافق الانساني في كل مرحلة. فالشرائع السماوية يمكن قبول “مقاصدها” الخيرة التي لا تتناقض مع الحداثة الانسانية المعاصرة، فيما البعض من بنود الشرائع وان كانت صالحة في وقت النزول، لم تعد صالحة الآن.

ان إسلام سياسي سوري معتدل يقبل بعدم خلط الديمقراطية مع تطبيق الشريعة، يقطع الطريق على ما تحاول تعميمه قوى سلفية تكفيرية تحمل السلاح من أهداف تتعارض مع اهداف الثورة السورية مما قدم ذرائع للنظام فيما ادعاه من محاربته للإرهاب الاصولي. كما أن إسلام سياسي سوري يقبل بالعلمانية، ينزع ذرائع القوى الدولية التي لا تتدخل بفعالية في الصراع السوري لترحيل النظام بحجة الخشية من البديل التكفيري القادم كما تتصور.

*  ahmarw6@gmail.com