شهداء وطنيون وخونة

الأبعاد الداخلية للقضية الكردية

شـــــــــــــــــــــيري لايــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــزر

الترجممة عن الإنكليزية: راج آل محمد

“في الشرق الأوسط، الماضي ليس مجرد ماض فقط. إنه يشكل حافزاً وتسويغاً للحاضر وهو معلق كحجر الرحى في عنق كل واحد.”

                                                                       كنعان مكية (سمير الخيل)

“عندما يكون هناك الكثير من الديكة الصغيرة في القرية، يستيقظ القرويون متأخرين “

                                                                        مثل كردي (في إشارة إلى القادة الكرد)

الانتفاضة الكردية

مياه آسنة وروائح نتنة تفوح من شوارع ديار بكر (آمد) ،العاصمة الفعلية لشمالي كردستان، والقمامة تغطي شوارعها وحركة المرور في فوضى عارمة وجموع تمشي متثاقلة. الحي المجاور للمطار واحدة من أفقر الأحياء حيث الأغنام تُرعى بالقرب من محطة الطيران النهائية، والحمير وعربات الباعة المتجولين تسابق سيارات الأجرة من أجل أفضلية المرور على طول الطرق  المتهالكة وباعة الفاكهة يكوّمون البرتقال والبطيخ بالقرب من حاجز الطريق الحجري ليبيعوا بضاعتهم. يقصد معظم الصحفيين الأجانب ذلك المكان في طريقهم إلى كردستان الجنوبية (كردستان العراق)، وهو الميناء الجوي الأخير في رحلة طويلة عبر الطريق البري والنهري.  لقد تم إغلاق الحدود مع شمالي العراق منذ أن هاجمت قوات التحالف قوات صدام حسين في شهر كانون الثاني (يناير) 1991.

   أبحث عن قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني (ح.د.ك) في مخيمات اللاجئين، الموجودين  هناك منذ الهجمات الكيميائية على الكرد في شمالي العراق في الفترة الممتدة بين 1987 و 1989 والتي شكلت مرحلة جديدة في حملات الأنفال[1]. كانت الشرطة السرية التركية (ميت)، التي يمكن تمييزها  بسهولة عن السكان الكرد الذين لا يزالون يرتدون ملابسهم القومية، تتعقبني عبر شوارع ديار بكر الخلفية الخطيرة، ولكن ثمة القليل منهم الآن هناك.

   بدءاً من الرابع من آذار 1991، ومنذ بداية الانتفاضة الكردية، توجه معظم الأكراد من العراق عبر الحدود للمشاركة في الدفاع عن كردستان العراق ضد ما تبقى من جيش صدام المنهار معنوياً. وما تبقى منهم مدنيون يأملون في الحصول على ضمانات دائمة من الأمان في وطنهم الذي دُمّر أثناء حملات الأنفال، قبل أن يهجروها إلى ديار بكر حيث الخيام والخراب مرة أخرى.

   الأنفال عملية خاصة للإبادة الجماعية تم التخطيط لها سراً من 1987 إلى 1989 من قبل حزب البعث ضد الأكراد في شمال العراق حيث تم تحديد مناطق الحكم الذاتي كأهداف للأنفال. تلك المناطق الواسعة تشمل القرى والبلدات الكردية التي يبلغ تعداد البلدة الواحدة منها  نحو 70 ألفا والتي دُمّرت من قبل الجيش باستخدام أساليب مثل الحرق والتسوية بالأرض والقصف بالقنابل. وتعرض القاطنون فيها إلى إخلاء قسري وتهجير جماعي والسجن والإعدام (الاختفاء) و،في بعض الحالات، الإبادة باستخدام الحرب التقليدية والكيميائية. خلال الأنفال قُتل نحو 182 ألف كردي على يد القوات المنضوية تحت لواء حزب البعث بما في ذلك قوات الأمن، فروع المخابرات والوحدات الخاصة ، والجيش والشرطة ووحدات السلاح الكيميائي. منح صدام حسين ابن عمه علي حسن المجيد (الذي أطلق عليه الأكراد لقب “علي الكيماوي” ) سلطات استثنائية لإدارة العمليات في الشمال. بموجب المرسوم رقم 160 الذي تمت الموافقة عليه من قبل مجلس قيادة الثورة (برئاسة صدام) في 29 آذار 1987 مُنِح المجيد ،بصفته السكرتير العام لفرع حزب البعث في الشمال، سلطة مطلقة على كافة القوات الأخرى وقائداً أعلى [لعمليات] الأنفال. كل أجهزة حزب البعث من جيش وجحوش وأمن ووحدات خاصة ذهبت للعمل تحت قيادة المجيد بطريقة منظمة تماماً لتنفيذ حملة مسلحة للقضاء على “المخربين” في إشارة إلى المعارضين الأكراد. كانت عمليات الأنفال ضد أكراد العراق شاملة وفعالة في طريقة تنفيذها مثلما كان الهلوكوست النازي ضد اليهود.

 

 

 

أيام الانتفاضة المفرحة

“كردستان المحررة”

تم تفجير جسر الخابور، على طريق النقل الدولي التجاري بين تركيا والعراق وليس هناك طريق إلى كردستان المحررة باستثناء الجبال التركية غير السالكة بسبب الثلوج أو بالقارب أو عوامة عبر نهر دجلة من سورية. أنا والمصور مارك ستاك اخترنا طريق النهر.

   كانت أمطار الربيع قد حولت نهر دجلة إلى سيل جارف من الطين وكان على طاقمنا من أخبار التلفاز المكون من شخصين الانتظار في القامشلي ريثما تهدأ الأحوال الجوية. وكان الصحفيون الأجانب الآخرون المتشوقون لرؤية كردستان العراق في أيدي أكرادها يراقبون النهر وينتظرون الفرصة السانحة للعبور.

   بعد يومين من المحاولات العقيمة، وصل الخبر أخيراً بأن العبور قد يكون ممكناً اليوم وذلك عبر اتصالات أكراد العراق مع الجانب السوري  وبمساعدة من أكراد سورية الذين ساعدوا المسافرين في  الوصول إلى نقطة عبور النهر. لقد جهزوا سيارات اللاندروفر والجرارات لحملنا عبر الحقول الطينية الفاصلة بين القرى والسيل الطيني. وكان جلال الطالباني، زعيم حزب الاتحاد الوطني (أ.و.ك) في القامشلي أيضاً يعقد مؤتمرات صحفية في انتظار العودة إلى كردستان برفقة حاشيته من حراسه الشخصيين. غادرنا قبله بوقت قصير في 26 آذار1991 بعد حصولنا على سيارة ودليل من البيشمركه من الحزب الديمقراطي الكردستاني (ح.د.ك) الذي لديه أيضاً قاعدة عمليات في قلب المدينة. القامشلي مدينة حدودية نفطية يسكنها خليط من العرب والكرد حيث نصفهم يبدو وكأنهم يرتدون ملابس عسكرية وحتى أطفال المدارس يرتدون ملابس تشبه ملابس الجنود (الفتوة).

   بعد عبورنا لأراض غير محروثة ومراع موحلة، نتوقف في منتصف الطريق مع اقتراب سيارة. إنها سيارة تُستخدم مؤقتا كسيارة إسعاف وتحمل بعض البيشمركه الجرحى في ساحة المعركة في شمالي العراق من أجل تلقي العلاج في القامشلي بينما  ينقل الأكراد المنتشون أنباءً عن قتال ضار أثناء الليل.

   بعد إيجاز صحفي قصير تابعنا طريقنا عبر الوحل بالقرب من ضفة النهر. قوارب صغيرة من الزجاج الليفي (فيبر) مزوّدة بمحرك خارجي تنقل شحنات من البنادق والطعام والمغتربين الكرد والمراسلين الأجانب إلى كردستان. هناك الكثير من الأكراد المسلحين على ضفة النهر من الجانب السوري ينتظرون العبور فننضم إليهم في مجموعة غير متجانسة بينما هم يحمّلون البنادق والأمتعة. ثمة قاربان فقط يعملان لذلك فإن الرحلة ستكون بطيئة.

   وأخيراً يُسمح لستة أشخاص،بما فيهم نحن، بالركوب على متن أحد هذه “العبّارات” وبينما ننظر إلى أثر السفينة في الماء والرذاذ المتطاير من القارب ذو الضجيج الكثير، يتلاشى العلم السوري على ضفة النهر خلف دوامة التيارات المائية التي تحملنا باتجاه العراق. على الجانب المقابل حيث النهر يرتطم بالضفة الحصوية لكردستان العراق، نستطيع أن نرى السحب العنقودية المتصاعدة من القنابل العراقية فوق تلال الخابور الخضراء الهادئة.

“أهلاً بكم في كردستان” يقول قائد العبّارة التي تصدر صريراً نتيجة احتكاكها بالشاطئ الحصوي. كان هناك شعور من الغبطة بين الوافدين الجدد الذين كان الكثير منهم من المنفيين العائدين إلى “كردستان الحرة” بعد عقود من الإبعاد. الكثير من البيشمركه يحمّلون المؤن من القوارب إلى سيارات لاندكروزر ويحشرون الركاب المتجهين نحو زاخو إلى جانب أكياس من البنادق والطحين.

   طريق زاخو يلتف حول التلال الخضراء بعيداً عن النهر عبر إبراهيم الخليل، حيث مباني الجمارك والحجر الصحي وضبط الحدود العراقية القديمة توفر السكن المؤقت للعائلات الكردية المعدمة. مجموعات من الألغام المضادة للأفراد والمدرعات، بعضها اُبطِل مفعولها وبعضها الآخر لا تزال فعّالة تملأ الحقول وجوانب الطرقات.

   المزاج في شوارع زاخو يشي بالابتهاج حيث القصائد القومية تُبث عبر مكبرات الصوت من عدة مبان في وقت واحد في تنافر أصوات يشبه أصوات مؤذني عدة مساجد وهم يدعون إلى الصلاة بأصوات تخلو من الانسجام.

   كانت زاخو قد وقعت بأيدي الكرد في الخامس عشر من آذار وهناك التقينا بموظفي الحزب الديمقراطي الكردستاني (ح.د.ك) في مقرهم بزاخو،- عبارة عن مدرسة ابتدائية قديمة- الذين يعتقدون أنه بداية عهد جديد من الحرية في كردستان. إنهم يتكلمون بخطاب حماسي عن “رابرين “أو الانتفاضة.. الأكراد هنا ذاقوا طعم الحرية لمدة أسبوعين تقريباً. تقريباً كل الرجال والشباب وحتى الفتيان يحملون البنادق ويلوحون بأسلحتهم في الهواء ويتكلمون عن تحرير كامل كردستان العراق بحلول نهاية الأسبوع. القوات الكردية غير النظامية تواجه الجيش العراقي على طول الخط الأمامي لمنطقة كردستان العراق وقد باتت واثقة من النصر. كانت القوات العراقية قد أبدت القليل من المقاومة حيث لجأ أكثر من 60 ألفاً من الجنود العراقيين إلى الأكراد أو تم أسرهم دون أن يلاقوا الكثير من الأعمال الانتقامية.

   ما أن تم الإعلان رسمياً عن وقف إطلاق النار في حرب الخليج في 27 شباط  1991 والتوقف التام للأعمال العدائية مع  بزوغ الفجر تقريباً حتى تحول الغضب من صدام حسين إلى تمرد شعبي في البصرة بجنوبي العراق. وكانت الحكاية التي تم تداولها على نطاق واسع تقول أنها بدأت عندما وجه أحد قادة رتل من الدبابات العائد من الكويت إلى ساحة سعد في مدينة البصرة سبطانة دبابته نحو صورة كبيرة لصدام حسين بالزي العسكري قرب مقر قيادة حزب البعث. احتشد الناس ولعنوا صدام على الإهانة والمعاناة التي لحقت بهم بسبب صدام وما أن أطلق قائد الدبابة أول طلقة على صورة الرئيس حتى اندلعت شرارة الانتفاضة[2]. بعد أربعة أيام وفي الرابع من آذار تحديداً، ثار أكراد رانية ضد الحكومة مشعلين بذلك شرارة الانتفاضة التي سرت كالهشيم في المنطقة الكردية كلها. في السابع من آذار انتفضت مدينة السليمانية الكبيرة استجابة لنداء حماسي  تم بثه من محطة إذاعة صوت شعب كردستان  (Denge Gele Kurdistan) التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني (أ.و.ك) من أجل انتزاع حريتهم.

  وخلال أسبوع كان فعلياً 95 % من إقليم كردستان بيد القوة المشتركة بين البيشمركة والجماهير الكردية المسلحة التي كانت أسلحتها مستولى عليها من المقرات العراقية. هؤلاء كانوا أفراد يتفاخرون بكونهم من الجحش[3] (الجيش الشعبي الكردي الذي يقاتل مع صدام) مع الكثير من ضباط الجيش المتمرسين والذين غيّروا انتماءهم وانضموا إلى الكرد. في الثاني عشر من آذار بدأ الكرد هجومهم على مدينة كركوك النفطية حيث موقع المطار العسكري العراقي الثاني وقد وقع بيد الأكراد بين 19-21 آذار.  وعندما وصلتُ إلى كردستان كانت أربيل ودهوك قد وقعتا بيد الأكراد أيضاً[4].

   كان جو الخوف والقمع قد تلاشى تماماً على عكس ما كان عليه لدى زيارتي السابقة إلى كردستان في أيلول 1980 حيث كنت محاطة بمرافقين من وزارة الإعلام التابعة لحزب البعث. كانت مدافع الجيش التي تسيطر على الطرق الرئيسية ونقاط التفتيش البعثية وظلال الخوف التي تطبق على وجوه العامة لدى رؤية الأجانب قد رحلت من غير رجعة. وكانت قد زالت أيضاً طريقة المشي المتثاقلة كما لو أن الناس يسعون إلى إخفاء سر داخلي من عين حاقدة تبقى متربصة عليهم.

   بدلاً من وطأة الاضطهاد والإكراه كان يمكن للمرء أن يلاحظ تبرعم الثقة بالأمة الكردية وابتهاجاً بهذه الانتفاضة. ولكن رغم الحماسة الشعبية والانتصارات الكردية المبكرة، لم أستطع تجنب التفكير في كيف ستتمكن القوات الكردية غير المنظمة من مكافحة وطأة هجوم القوات العراقية إذا ما حصل أخيراً. يبدو من التقارير الإذاعية بدءاً من 27 آذار أن قوات النخبة ممثلة بالحرس الجمهوري كانت قد تمكنت من الهروب من منطقة الحرب في الكويت والعودة إلى بغداد لحماية النظام قبل أن تسنح فرصة الهجوم للحلفاء. كان جيش الرئيس وهي قوة تقدر بنحو 100 ألف جندي، قد بقيت سليمة ومتاحة للهجوم على الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب متى ما رأى صدام ذلك مناسباً.

   بعد الليلة الأولى في زاخو المحررة في ظل تعتيم كامل، بدأنا بالتصوير صباحاً حول المدينة: كان يتم تقديم العون للعربات المحملة بالجنود المنشقين لمغادرة الريف (البعض منهم كانوا سجناء ولكن آخرون يلّوحون بأيديهم ويرسمون شارة النصر  V لكردستان)؛ بعض النساء الكرديات المرتديات ألبسة زاهية يغسلن الصحون في النهر لأن أنابيب المياه قد دُمِرت وأعمال الصيانة قد توقفت والحراس من البيشمركه على السطوح مع رشاشات مضادة للطيران مما يوحي بأن الحياة اليومية مستمرة.

   محطتنا التالية كانت المستشفى حيث أجنحتها تغص بنساء يمسكن بأطفال يعانون من سوء التغذية و الشحوب والذبول والمرض الشديد. كان هناك نقص في الحليب وأطفال الفقراء أول من يعانون من ذلك حيث لا يعيش الكثير منهم أكثر من يوم. كانت المستشفى تعاني من نقص في الأدوية والكادر الطبي حيث معظم الأطباء يحاولون أن يعالجوا المرضى بالقليل من التجهيزات المتبقية بعد الغزو. من هناك عقدنا العزم على مواصلة رحلتنا جنوبا باتجاه مدينة دهوك بالقرب من جبهة فيضا الإستراتيجية. الطريق إلى دهوك مغطى بآثار المعارك الأخيرة: دبابات عراقية مهجورة ومحروقة ومركبات عسكرية محطمة معطلة من قبل الجيش المتقهقر.  بينما كان نغادر زاخو رأينا بعض الناس يحاولون إصلاح عدة دبابات بينما تُجر بعضها الأخرى إلى البلدة.

   كان الدمار هو سمة المكان حيث كل بناية يشغلها سابقاً حزب البعث المكروه إما كانت منهوبة أو أُشعلت فيها النيران. ورغم أن الجيش المتقهقر والموظفون كانوا قد باشروا بإتلاف أي شيء قد يستفيد منه الأكراد، فإن عامة الشعب استمروا في تمزيق وتحطيم وتشويه أي شيء من بقايا [عهد] صدام ونهب ما تبقى منه. فيما يشبه جولةً موجهةً من قبل البيشمركه، توقفنا عند عدة مبان وشقينا طريقنا عبر أنقاض مكاتب الأمن ومقرات حزب البعث. صور صدام بالحجم الطبيعي كانت إما مُزِقت أو أُتلِفت. الملفات والوثائق التي توّثق التحقيقات مع عوائل “المخربين” وسيرهم الذاتية والتحقيقات مع السجناء الأكراد وقوائم طويلة ومتعددة توثق تفاصيل وأساليب التعذيب والإعدامات منثورة في كل مكان.

مدينة دهوك الكردية

وديان دهوك الخضراء مفروشة بأزهار بيضاء وقرنفلية وجداول صغيرة من الثلج الذائب تتدفق عبر الهضاب الصغيرة. إنها جميلة ومنعشة وحديثة. فكرت في نفسي أن هذا نوروز (رأس السنة الكردية الجديدة) مشرق ومفعم بالأمل لكردستان. منذ أن غادرنا سوريا والطقس لطيف ويبدو أن الأمطار قد توقفت. الأكراد  خارج منازلهم في الحدائق أو يزورون الأقارب والجيران ويرتدون ملابس نوروز الجديدة كما تقتضي العادات.  وسط الحشود في مركز المدينة التقيت صدفة بعائلة كنت قد التقيت بها قبل سنتين في مخيم للاجئين في ديار بكر ولكنهم الآن مبتهجون ومرتاحون بالعودة إلى مسقط رأسهم. قبلت دعوتهم إلى البيت وغادرنا سوق خضرة المدينة المفقرة لنتناول وجبة الغداء المكونة من الرز والخيار والبندورة ويدور حوله حديث مفعم بالحيوية يبعث على التفاؤل.

   أخبرني بهجت أنه ليس كل العوائل في دهوك محظوظين مثلهم منذ أن هاجم الحلفاء على العراق إذ أن بعض المناطق السكنية في حيّهم ، الجامع القديم، قد أصيبت بقنابل الحلفاء عن طريق الخطأ، لم تكن هناك أهداف عسكرية في المنطقة  ومع ذلك  جُرح 63 شخصاً وقتل 7 أشخاص في التاسع من شباط 1991. وقد شملت الإصابات عائلة مصطفى رشيد وهو مدرس يتكلم اللغة الإنكليزية قمت بزيارته فيما بعد مع بهجت. وكان مصطفى رشيد قد فقد زوجته وابنته البكر إثر الهجوم. بينما ابنه وابنته شيرين وشفان، وكلاهما في سن المراهقة، قد فقد كل منهما أحد عينيهما بينما تُرِك ابناه الصغيران مرعوبين من الشظايا المتطايرة –كل هذا بسبب قنبلة أمريكية سقطت على ثلاث منازل تمت تسويتها بالأرض.

   كان قد انقضى شهر على نهاية الحرب والمؤن في المدينة كانت قد قاربت على النفاذ. كان الأكراد يعيشون على مخلفات الجيش العراقي في المخازن. بالكاد هناك أية طحين والقليل من الرز وتقريباً لا لحم أبداً ولا وجود لكهرباء البلدية وهناك شح في المياه النظيفة والاتصالات مقطوعة فلا وجود للهواتف والنفط قد نفذ تقريباً. كان مقاتلو الجبهة الكردستانية قد سيطروا على مخزون النفط ولكن حتى بالنسبة لهم كان النقل قد أصبح مشكلة حقيقية.

   مع ذلك فإن المعنويات عالية فالآلاف من الرجال الكرد يهتفون ويصفقون عندما يقوم كل من جلال الطالباني (زعيم أ.و.ك) وسامي عبدالرحمن زعيم حزب الشعب الديمقراطي الكردستاني بزيارات النصر إلى دهوك في السابع والعشرين من آذار من أجل منح الطمأنينة للشعب الكردي بأن بلدهم قد أصبح في يدهم وأن كل كردستان العراق سوف يصبح في الحال حراً حيث بقيت فيضا وشيخان ضواحي موصل لم تكن قد تحررت.

   غروب الشمس يغطي جبال دهوك الرمادية الجرداء فتعطي لوناً كهرمانياً رائعاً. ونقيق الضفاضع تُسمع عبر الوديان المظلمة. المصدر الوحيد للكهرباء هو الذي توفره المولدات في منازل الأثرياء أو مقرات الأحزاب. هذا يعني أنه ينبغي علينا أن ننزل عن الطريق مع حلول الظلام لنجد مكاناً نقيم به حيث كنا قد نٌصحنا بألا نبقى في الخارج بعد حلول الظلام. عملاء حزب البعث والمستشار، قائد القوات الكردية لوحدات الجحوش، وأفراد من الجحوش ما يزالون مخلصين لصدام ولم تكن قد تخلت عن السلطة هنا، لذلك فإن البيشمركه أخذونا إلى بيوتهم لنشاركهم في طعامهم بل وتخلوا عن أسرّتهم من أجلنا! هذه هي كرم الضيافة الحقيقية. مع سكون الليل وعندما يتوقف الكلام فإن عدد أصوات القنابل تبدو قريبة أكثر مما كانت في النهار وينتاب المرء شعور بدنو حقيقي للعدو.

   كان مستضيفنا في تلك الليلة هو محمد رجب ويبلغ الآن من العمر 82 عاماً، وهو أحد رفاق الملا مصطفى البرزاني في رحلته التاريخية المضنية جنوباً من كردستان عبر المثلث الحدودي بين العراق وإيران وتركيا وشمالاً على طول الحدود التركية-الأرمنية إلى الاتحاد السوفييتي حيث بقي في المنفى 16 عاماً إثر انهيار جمهورية مهاباد الكردية في عام 1946.

   يجرب محمد طلاقته في اللغة الروسية ثم العربية والكردية والتركية معي إلا أنني لست ضليعة في اللغات مثله. زوجته عائشة ترتدي فستاناً كردياً فضفاضاً أخضر تراقبنا باستمتاع جالسة بجانب ابنها وزوجته مع ثلاث من أبنائهم  الأربعة. صور مؤطرة بالأبيض والأسود للملا مصطفى البرزاني وابنه مسعود عُلقت حديثاً على الجدار فوق التلفاز. كان هذا بحد ذاته غير قابل للتفكير فيه حتى قبل الانتفاضة حيث كان صور صدام فقط مسموح بها. يدير محمد بخفة مفتاح  الراديو إلى محطة مونتي كارلو لسماع آخر الأخبار. على ما يبدو هناك قتال ضار في كركوك حيث حشدت قوات صدام 250 دبابة على طول خط الجبهة من أجل استعادة المدينة.

   وأنا جالسة هناك على ضوء المصابيح واستمع إلى التقارير المثيرة للاشمئزاز أتساءل متى سيصل القتال إلى دهوك. هل نتابع السير إلى الجنوب لنصور المراحل التالية للقتال في كركوك، أم نبقى حيث نحن؟ في ذلك المساء كانت حافلة صغيرة من المراسلين الأجانب قد اتجهت إلى كركوك بعد الإيجاز الصحفي الذي أدلت به الجبهة الكردستانية. وغاب عن الأنظار وفد آخر للحاق بمسعود البرزاني. آخذين بعين الاعتبار كل ذلك، قررنا البقاء حيث نحن. وقد عرفنا أننا المجموعة الوحيدة من الصحفيين الأجانب التي بقيت في دهوك. بعد انتهاء نشرة الأخبار ومع ارتفاع صوت القصف بالقنابل أكثر فإن الحديث في الغرفة الحارة يخف. يجلس الرجال ليدخنوا.الدبابات والصواريخ التابعة للجيش العراقي تخترق كركوك.

   في اليوم التالي، الثامن والعشرون من آذار، وبعد قتال مرير تسقط كركوك في يد الحكومة من جديد. تجلب الحكومة في  هذه الأثناء العرب والتركمان والآشوريين الذين لم يكونوا قد شاركوا مع الأكراد في محاولة تحرير كركوك إلى المدينة ضمن إطار عملية التعريب. لم يستطع الأكراد أن يجاروا قوات الحكومة عدداً وعتاداً وقوة.

   تبدو غرفة النوم المغلقة والمظلمة التي أقيم فيها كالقبو. استمع إلى صدى أصوات القنابل في التلال المحيطة وأتساءل فيما إذا كان النوم سيتمكن من الاستيلاء على شعوري. رغماً عني أغفو مع أنني أجفل باستمرار لمجرد سماع الانفجارات. ساعة بعد أخرى أرفع نفسي على مرفقيّ لكي أحدق خارج النافذة على السماء وأراقب ذيل القنابل المتساقطة ثم ما ألبث أن أتراجع مدركة أنه من غير المجدي أن أراقب أكثر.

   يبدأ اليوم الجديد بشكل هادئ إلى حد كافٍ عند السادسة صباحاً حيث أهل البيت يستعدون لتناول الفطور والاستماع إلى أولى التقارير الإذاعية.

   ورغم أنه لدينا برنامج محدد للتصوير فإنه هناك صعوبة في تنفيذ أي شيء بسرعة حيث أصبح البيشمركه مشغولي البال بالفوضى العامة التي عمت أثناء الليلة الفائتة. بعد أن كان الصحفيون موضع ترحيب، أصبحوا الآن مصدر إزعاج. يستمر الزعماء في المماطلة، لأسباب مفهومة كل حسب أولوياته: لا سيارة، لا بنزين، لا مترجم. ويصرون على أن الخط الأمامي بالقرب من فيضا خطير جداً للتصوير ويرفضون أخذنا إلى هناك. نستمر بمناشدة القادة كما ينبغي وهم يستمرون في صدنا. نشك بأنه ثمة شيء لا يرغبون أن نراه وأن الأشياء بدأت تتداعى هناك وأن المعنويات وحدها هي التي يمكن الحفاظ عليها لمنع عامة الناس من الهلع وأنه لا تزال هناك فرصة. هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن نفهمه من التغير في طريقة سلوكهم معنا.

   رتل من سيارات الجيب المحملة برجال مسلحين تبدأ بالصرير في المدينة وخارجها. ويبدو القلق على البيشمركة.

ويحذرون “لقد سقطت شيخان! يجب أن نحمي فيضا”.

   أخيراً يستجيب آمر (ح.د.ك) لمطالبنا حيث سيرسلون معنا بعض البيشمركه لتصوير الدفاعات عن دهوك فوق فيضا ومن ثم نجري المقابلة مع ضباط المخابرات والاستخبارات لحزب البعث الذين أُخذوا كأسرى حرب من قبل المقاتلين.

   بداية انتظرنا السيارة ومن ثم البنزين لتعمل عليه يأخذنا فهيم عبدالله ،ضابط الارتباط في (ح.د.ك)، لتصوير موقعين مزودين بجنود من المقاومة الكردية. الموقع الأول يتميز بكونه يملك مدفعية واحدة طويلة المدى متمركز على فتحة بين التلال على بعد عدة كيلو مترات من طريق زاويتا خارج البلدة. رجعنا من مكاننا مرة أخرى واتجهنا نحو دوار الموصل المؤدي إلى فيضا. يتوقف الجيب جانباً ونبدأ بتسلق منحدر التل. هناك وجدنا مجموعة من البيشمركه مع قاعدة صواريخ ورشاش دوشكا

( المضاد للطيران) متمركزاً على القمة المطلة على السهل الأخضر الخصيب الذي يمتد إلى فيضا وحتى ما بعد الموصل. هذه الدفاعات تبدو غير كافية على نحو يثير الرعب. نستمر بتسلق منحدر التل حتى وصلنا  إلى فوهة بركان خامد حيث أخبرنا فهيم أن اثنين من البيشمركه قد قتلا هناك في قصف عراقي بالمدافع-إنه قريب جداً من المدينة.

   بينما الشمس تغرب ببطء في يوم آخر في المدينة القلقة، نبدأ بتصوير البيشمركه وهم يطلقون الصواريخ وبعض العيارات النارية الطويلة المدى على موقع الجيش العراقي خلف خزان الماء في سهل فيضا على بعد أكثر من ثلاث كيلومترات بقليل.

 

تركة حزب البعث: السجون، والحصون وغرف التعذيب

إنه التاسع والعشرون من آذار ألف وتسعمائة وواحد وتسعون. هناك حصن حجري صغير-يُستعمل الآن كسجن- على قمة تلة صغيرة فوق منتجع زاويت على بعد 15 دقيقة فقط من دهوك يرفرف عليه العلم الأصفر للحزب الديمقراطي الكردستاني (ح.د.ك) حيث يقف البيشمركه حراساً على مدخل السجن ويخفرون جدرانه العالية على باحة تغطيها العشب. معظم الغرف الصغيرة المحاطة بالباحة المعّشبة تستخدم كزنزانات وهي ذات أبواب حديدية ثقيلة وبدون نوافذ ما عدا  ثقب الباب. ما أن سُمِح لنا بدخول السياج حتى طلبنا إجراء لقاء مصوّر مع أسرى الحرب من الشخص المسئول عن المكان من (ح.د.ك) وسرعان ما وافق على طلبنا.

   جلست حلقة من الأسرى على العشب تحت الشمس ويحرسهم من فوق قوات من البيشمركه المسلحين برشاشات كلاشنيكوف وقاذفات آر بي جي. كان بعض الأسرى يرتدون الزي العسكري في حين كان آخرون يلبسون الدشداشة (الكلابية)-الزي التقليدي للعرب في المناطق الحارة. البعض من الأسرى يضعون ضمادات متسخة ملفوفة حول جراح حديثة متقيحة لم يتم معالجتها.

   أحد القادة العسكريين، وهو بعثي ذو منصب رفيع، كان قد فقد أحد عينيه في القتال قبل أسره. وعندما استسلم للبيشمركه أطلق رفاقه عليه النار. كان تجويف العين الفارغ مسلوخاً عنه الجلد ويدمع. وكانت رجلاه متورمتان وعليهما كدمات غريبة وآثار حرق على رقبته. كان يرتدي دشداشة (كلابية) ملطخة ومليئة بالثقوب ومثل باقي الأسرى كانت هيئته بائسة ومظهره الخارجي سيئا. إنه يعتبر صدام مجرماً ويقسم على أنه يكره وحشيته. تحت ظروف كهذه ليس لدى المرء الكثير ليقوله وهو يعرف مسبقاً ربما ماذا سيكون مصيره.

   يُعطى للأسرى الماء أثناء زيارتنا. ويبدو أنهم قد مُنِحوا فسحة لشم الهواء النقي والضوء مسبقاً حيث أنهم يغمضون عيونهم نصف اغماضة ويريدون أن يستفيدوا من وجودنا ويطلبون مزيداً من الانتعاش. يريد (ح.د.ك) أن يُرينا أنهم يعاملون الأسرى لديهم بشكل جيد ويغيرون أدوار جلاديهم.

   منذ وصولنا إلى الحصن وأنا شعر ما يشبه الغمغمة لأفواه مكتومة تصدر خلف باب حديدي، فأطلب من مسؤول (ح.د.ك) أن يسمح لحراسه أن يفتحوا الزنزانة لنرى ما بداخلها.

   وكأن باب الفرن قد فُتِح حيث لفح وجوهنا موجة من الحرارة قوية لدرجة تشكلت طبقة من البخار على نظارات مارك. وجدنا داخل الزنزانة حوالي 40 أسيراً مربوطين بإحكام مع بعض في ذلك الحر القاتم. وشرح لنا آمر البيشمركه أنهم جميعاً من عناصر الأمن الذين أسرهم الأكراد. إنهم جلادون وقتلة من حزب البعث المعرفون فرداً فرداً بسبب جرائمهم التي ارتكبوها في عمليات الأنفال التي جرت في محافظة دهوك وقد أصبحوا الآن مرعوبين وفي حالة يُرثى لها كونهم أهداف للانتقام الكردي.

   لدى مغادرتنا لـ (زاويتا) نتوقف عند حصن نزراكه على تخوم دهوك، واحد من أكبر القلاع التي بناها حزب البعث على الطراز القوطي في كل مكان من كردستان. تلك الحصون الحجرية، وكلها بنفس التصميم، بُنيت لأغراض محددة للجيش في عام 1981. خلال عمليات الأنفال لم تكن تلك المباني ضرورية للجيش حيث أن الريف كله قد تم تطهيره من “الخونة” أثناء التهجير القسري المنظم إلى معسكرات الأنفال.  في ذلك الوقت كان يتم تجميع الأكراد بالجملة ويُنقلون من “المناطق المحظورة” ويُطردون من المنطقة أو يتم إيواءهم في حصون كهذه. وفيما بعد أصبحت القلاع الخاوية مراكز اعتقال أو سجون لمئات العائلات الكردية.

   لم يكن يُسمح لأي شخص غير مرّخص أن يدخل لتلك القلاع لا عندما كانت قيد الاستخدام من قبل القوات المسلحة ولا عندما أصبحت مراكز اعتقال. كانت المنطقة المحيطة برمتها محظورة على الجنود ومزروعة بالألغام الأرضية وتخفرها طائرات الهليكوبتر. وتُطلق النار على كل منتهك. ويعتقد الأكراد المحليون أن الحكومة أجرت التجارب على المعتقلين في تلك القلاع حيث الكثير من الـ 182 ألف الذي “اختفوا” خلال الأنفال إنما فقدوا حياتهم في أماكن كهذه في تلك الفترة. كانت القلاع بارتفاع طابقين أو ثلاثة طوابق وفيها مئات الغرف الصغيرة مزودة بنوافذ مدعمة بقضبان حديدية تؤدي إلى ممرات دائرية. وبداخلها باحة مفتوحة حيث يمكن لأعداد كبيرة من الناس والمركبات أن تجتمع عند الضرورة.

   سجن دهوك مصمم بنفس تصميم القلاع وغير واضح من النظرة العابرة بسبب موقعه أسفل الطريق الرئيسي.  تشغل الآن عائلات اللاجئين الأكراد الغرف التي كانت في السابق زنزانات لأسر كردية أخرى حتى الانتفاضة. نسمع صدى أصواتنا ووقع خطواتنا من الجدران ونحن نمشي في الممرات الطويلة  التي تطل على الزنزانات المحظورة المليئة بمزق الألبسة، والأحذية القديمة والدفاتر والكتب المدرسية والملفات وأشياء أخرى من الأنقاض.

   يظهر رجل مسن من إحدى تلك الغرف ويؤكد أسوأ القصص التي كنا قد سمعناها عن ذلك السجن.  كان بيته القديم يطل على هذه القلعة وقد سمع معظم القصص التي حصلت في حينه. منذ انطلاقة الانتفاضة هو يقيم هنا مع الباقين على قيد الحياة من أفراد عائلته. مئات العائلات الكردية سُجِنوا هنا يشرح الشيخ وهو يشير إلى الزنزانات في الممر حيث نقف. بعد الانتفاضة وُجد الكثير من الأكراد معتقلين هنا وقد ذهب عقلهم. عٌثر على النساء وهن عاريات وهزيلات ويغطي أجسادهن التقرحات والكدمات.   بعد سنوات من التحقيق والعنف الجنسي كان البعض منهم غير قادرات حتى تذكر أسماءهن.

   هكذا كان الوضع في كردستان العراق برمته. كان يمكن أحياناً لشخص ما أن يتجنب المصير الذي يواجه آلاف مواطني ومواطنات بلاده ببساطة لأن منطقته تقع خارج نطاق عمليات الأنفال أو ربما لأن أحد أفراد العائلة كان له ارتباطات في الجهات الصحيحة.

   مع الغسق يرافقنا أنور (اسم حركي) وابن أخيه محمد وهو مضيفنا في الليلة الماضية إلى المقر السابق لقوات الأمن التابعة لحزب البعث المطل على مركز دهوك التجاري حيث جدرانه العريضة المصنوعة من الاسمنت تغطي المدرسة والدكاكين الواقعة أسفله. هذا المبنى الشاسع، مثل معظم المؤسسات التابعة لحزب البعث في المنطقة أصبح مأوى للاجئين الذين دُمرت بلداتهم في الأنفال أو الذين ينحدرون من مناطق لا تزال الحكومة تسيطر عليها مثل الموصل وسنجار وشيخان.

  هناك آثار لثقوب الطلقات على جدران مبنى الأمن وشروخ عميقة لقاذفات  آر بي جي. العائلات اللاجئة الكردية توقد نيران صغيرة وتجتمع حولها طلباً للدفء والطبخ عليها أيضاً. لقد وُضعت أكياس الخيش والبطانيات كجدران للفصل بين العائلات. وقد احتلت بعض الأسر المرآب القديم في حين شغلت بعضها الآخر مكاتب المجمع الإداري المؤلف من ست طوابق ولم يتبق أمام الوافدين المتأخرين سوى يقيموا في القبو أو الزنزانات وغرف التعذيب بكّلاباتها  وطاولاتها التي تحيي أرواح الموتى.

   تحت جدران مبنى الأمن المضاء بالنيران يسود جو من السكون باستثناء وقع أقدام وصرخات الرضع المستمرة عبر هواء  الليل الساكن. عندما يحل ظلام الليل العميق، فإن آخر صوت يسمعه النائمون بالإضافة إلى نبضات قلوبهم هو الصوت المستمر لضربات قنابل الجيش العراقي التي تقع على التلال الواقعة خارج البلدة.

نهاية الانتفاضة

الهجمات العراقية المخيفة سرعان ما تبدأ في اليوم التالي وتحديداً في الثلاثين من آذار. أولى الضربات الكبيرة بالقنابل تقع على دهوك في حوالي الساعة السابعة والنصف في الوقت الذي جلسنا فيه لتناول فطور صغير. يُسمع صوت طنين عالي يليه صوت انفجار ضخم مع سقوط أول قنبلة وانفجارها في شارع قريب. وفي الحال يتبعه آخر فآخر. عشرات الأطفال لا يزالون حفاة و بملابسهم الليلية يتدفقون من منازلهم ليروا ما جرى. في الحال يصل البيشمركه في سيارتهم من نوع تويوتا لاندكروزر وهم يفحصون أعمدة الدخان المتصاعد لتحديد الأماكن التي ضُربت. هذه أول مرة يضرب فيها الجيش العراقي دهوك نفسها.

   بعد نصف ساعة يأتي هدير المزيد من بالقنابل من السماء لتسقط على المدينة بدويّ كبير. تلك القنابل الأولى بدا وكأنها إنذار لما سيأتي حيث ستسقط المدينة خلال الأربع والعشرين ساعة القادمة وكل سكان دهوك-البالع عددهم نحو 800 ألف- سوف يرحلون. مع تزايد التوتر في المدينة، يُسحب الأطفال إلى البيوت وُتصبح الشوارع مهجورة. بالنسبة لي بقيت أتابع سير العملية من السطح حيث أرى  النساء تخرج من مداخل البيوت بعد أن جمعن ما يسد الحاجة من الطعام والكساء ويحمّلن ذلك على الشاحنات والسيارات والجرارات أو أي شيء يمشي على الإطارات. لبرهة من الوقت يتوقف القصف والصمت المنتظر من الهدوء يسود على الأسطح.

   في المقر المحلي للجبهة الكردستانية يتقاطر البيشمركه بتقارير عن المواقع الإستراتيجية الهامة التي خسرها الأكراد مقابل العراقيين. ابتسامات الفرح لم تعد هناك. الشاحنات وسيارات الجيب المحملة بالرجال المسلحين تتجه بسرعة نحو خط الجبهة مطلقين العنان لأبواقها وكأن الضجيج وحده سيخيف العدو.

   يصر فهيم عبدالله، الذي كان دليلنا منذ أن وصلنا إلى مكتبه، على أن ما نراه ليس شيئاً جديداً البتة. ورغم أنه يتصّنع الهدوء، إلا أن الأكراد العاديين  بدؤوا بمغادرة المدينة في قافلة تبدو بلا نهاية. ويفسر فهيم هذا التطور على أنه رحلة بسيطة إلى المناطق خارج المدينة حتى يتوقف القصف. نأمل أن يكون ذلك صحيحاً.

   نريد أن نرى بأنفسنا إلى أي حد كان قصف العدو فعّالاً فيأخذنا فهيم إلى المستشفى حيث ترقد بعض النساء والأطفال على النقالات بثياب من الدماء. مستشفى دهوك الحديث، الذي أعيد تسميته من مستشفى صدام حسين إلى مستشفى آزادي (الحرية)، في حالة فوضى عارمة. في الجناح العلوي حيث يرقد المصابون صباحاً يئنون على أسرّة قذرة، هناك امرأة ميتة لا تزال تحدق إلى السماء ولا تزال قُطَب كبيرة من خيط الجراحة الأسود على جبينها دون أن يلاحظها أحد وسط حالة الهلع تلك حيث الأطباء والممرضات المتبقين يمسحون ويخّيطون الأطفال والرضع المصابين. لقد سقط نحو 13 شخصاً بين قتيل وجريح في القصف الصباحي.

   مع الغسق يبدأ القصف من جديد ولكن بكثافة هذا المرة بحيث لا تترك أي مجال للشك حول النوايا الجدية للجيش العراقي. في تلك اللحظة يبدأ دفء الربيع في تحول خارق للطبيعة حيث غيوم العاصفة تصبح سوداء داكنة ويبدأ البرق عبر الجبال الحجرية الجافة. وفي الحال يصبح من الصعب أن نفرق بين هدير البرق وقصف القنابل.

   على سطح بيت محمد المستوي حيث كنا ضيوفاً في الليالي الثلاث الماضية، أحدق عبر السحب المتجمعة للعاصفة وميض الصواريخ وهي تخترق السماء الداكنة. تُنصب الكاميرا  بالقرب مني مسجلة النيران القادمة. أسمع صرير الباب الرئيسي في الأسفل وهو يفتح ليندفع ثلاثة بيشمركه مسلحين إلى الحديقة. أسمع الترحيب بهم من قبل صاحب البيت في الطابق السفلي. إنه شهر رمضان والعائلة تصوم منذ عدة أيام. بعد أن أنهوا للتو صلاتهم بدأوا الآن تناول وجبة الإفطار.

   يصعد أنور، وهو أحد البيشمركه الثلاث، إلى السطح وما أن أنظر إلى عينه حتى عرفت أنه يجلب أخباراً سيئة لنا. كان وجهه الملائكي الجميل قلقاً وبصره مركّزا على داخله. وقف بصمت لبرهة مراقباً الأضواء المتوهجة للهجوم ثم أخبرنا بهدوء أنه قرر أن يجلي العائلة وطلب مني أن أغادر مع العم محمد، عائشة والأطفال رغم أنه وافق على أن يغادر مارك، المسؤول عن التصوير في هذه الحالة، مع المقاتلين. رتب أنور على أن يلتقي بنا في قرية قاديش في اليوم التالي على أن يبقى هو خلفنا حتى صباح اليوم التالي للقتال.

   كنت راغبة عن فقدان رؤية البيشمركه وأن أغادر مع العائلة لكن أنور أصر. بينما كنت أتبعه إلى الطابق السفلي، أرى على ضوء المصباح عائشة والنساء الأخريات يجهزن المؤن وكان الأطفال قد أيقظوا وأُلبسوا للخروج. كانت عيونهم مترنحة من النعاس والاندهاش. العائلة حزينة ومكبوتة ولاسيما  عائشة ومحمد اللذان كان قد شاهدا هذا من قبل. لم يكن أحد منهم يريد أن يصدق أن أسوأ ما كانوا يخشونه قد وقع: انتهت الانتفاضة.

   سيل من السيارات التي تتقدم ببطء عبر التلال المظلمة المؤدية من دهوك إلى  زاويتا والشرق، وهي بطيئة لأنه هناك الكثير من الناس والكثير من السيارات التي تحاول الهروب عبر الطريق الضيق. حان وقت الافتراق. يودعني مارك وثلاث من البيشمركه على مضض وينسلون كالأشباح في العاصفة. وأتساءل إن كنت سأراهم مرة أخرى.

   الجلوس داخل البيت مع العائلة الكئيبة يجعلني أشعر بالتوتر لذلك أرجع إلى السقف وأراقب القتال. إننا ننتظر الشاحنة التي طلبها أنور. يبدو لي أن ساعات قد مرت. أخيراً تصرصر شاحنة كبيرة وتتوقف عند الباب الرئيسي. تبدأ العائلات الكردية تنادي على بعضها بعضاً في الطريق. الشوارع والبيوت وكل شيء آخر في ظلام دامس.

   ذهبت إلى الخارج لأنضم إلى “العم” محمد. كان السائق يحض العائلات المختلفة أن تسرع وأن تتوقف عن حمل الكثير من الأشياء حيث هناك الكثير من العائلات التي يجب أن يقلّها من المناطق المجاورة قبل مغادرة دهوك. مع القليل فقط من المقتنيات الشخصية وكيسين من الطحين تصعد عائلة أنور ظهر  الشاحنة. الراكبون الآخرون الجاثمون في الظلام كانوا بمعظمهم نساء أو أطفال أو رجال غير قادرين على القتال.  أجبرتني عائلة محمد أن أصعد خلفهم بحقيبتي الخفيفة. كان ذلك حاسماً، وأنا على متن الشاحنة،كم حسدت مارك لأنه استطاع أن يتبع البيشمركه حيث أنني أشعر بالراحة مع المقاتلين أكثر من هذه   العائلات المرعوبة. لكن الفصل بين النساء والرجال حقيقة من حقائق الحياة في الحرب كما في السلم.

   انطلقنا في الظلام دون مصابيح أمامية. تمسكتُ بحواف الشاحنة وهي تمشي عبر الشوارع الخلفية القريبة تحت وابل القنابل التي تُقذف على دهوك. كانوا بعيدين جداً عن راحة البال. اليائسون من الناس يحاولون التسلق بصعوبة إلى الشاحنة المحمّلة وهي تنسحب من المناطق المجاورة. بتصميمهم على الهروب فإن هؤلاء المتسلقون يتمرغون تحت أقدام أولئك الذين ركبوا من قبل. بجانبنا كان هناك مئات العائلات الفارة وهي تحمل أطفالها وصراتها تجري بتثاقل على طول الطريق الجبلي المعتم الخارج من المدينة.

سقوط دهـوك

كان الجو قد أصبح بارداً الآن وبدأ المطر الغزير بالانهمار. كان الكثير من الأطفال حفاة أو يرتدون شحاطات بلاستيكية ووسط حالة الهلع للهروب فإنهم لا يزالون لابسين ثياب النوم الرقيقة.

   امتلأت عيناي بالدموع من الحنق والإحباط. شعرت بأسى شديد عندما أدركت ما أراه: تم التخلي عن الكرد مرة أخرى تماماً مثل 1988 حينما أطلق عليهم صدام عنان أسلحته الكيميائية. لقد أُجبِروا مرة أخرى على الهروب.

   تحول المطر البارد إلى بَرَد بينما الشاحنة تصعد التلال. لم يكن هناك أي ملاذ. توقف الناس المتعَبون عند شجيرات هزيلة على طول الطريق وهم يضرمون النيران في مسعى منهم لتدفئة أنفسهم. كان البعض منهم طاعنين في السن والبعض الآخر مصاباً في حين كان التعب والبرد قد نال من بعضهم الآخر فسقطوا. أثناء استمرارنا ليلاً كانت الجبال مليئة بالناس المنهكين الذين يجرون أنفسهم في العاصفة.

   مع الفجر أخفقت طائرات الهليكوبتر التابعة للرئيس بوش عن أن تشكل دائرة حول الأكراد الفارين وأغارت على المدن. كان من عجز عن الهروب إما لحماية المقعدين والعميان والعاجزين أو من لم يكن لديه ما يخشى عليه من صدام حسين هم فقط من سنحت لهم الفرصة لرؤية ما جرى بعد ذلك. ما تبقى من كردستان كان الآن في حركة هرباً باتجاه تركيا أو إيران. الطرقات مسدودة وآخر من تركوا المدينة لديهم قصص مرعبة عما كان الجيش العراقي يفعله بكل من تخلف عن الهروب.  القليل من البيشمركه وبعض ممن تطوع في اللحظات الأخيرة انتشروا في كافة الاتجاهات البعض منهم بعيدون عن المعركة والبعض الآخر في قلبها. كانت الأشياء تنم عن الفوضى وآخر المخزون من الوقود قد نفذت أيضاً.

   لقد رأيت فجراً كئيباً أزرق اللون ينبلج فوق قرية قاديش البائسة، التي بناها صدام ، قبل أن نقع في شرك وابل من البَرَد والثلج المخلوط بالمطر الذي يضرب وجوهنا بالرياح. هنا وبعد خمس ساعات على الطريق توقفت السيارة. كانوا قرويو قاديش لا يزالون نائمين عندما وصلت أولى الشاحنات المحملة باللاجئين من دهوك الباردين والمبللين وهم يحضّونهم على الاستيقاظ. سلّموا علينا وكأننا مصابون بالطاعون وأعتقد أننا كنا كذلك بالفعل فقد كان على بعد منا بنحو ساعة.

   أخذتني عائلة محمد إلى منزل مؤلف من طابق واحد مصنوع من الطين والبلوك الخفيف حيث أيقظوا بعض أقاربهم النائمين وشرحوا لهم بصوت خافت ما جرى أثناء الليل. لم يكن النيام راغبين في أن يُزعجوا ولذلك أفسحوا لنا مساحة قليلة. حاولت أن أحصل على قسط من الراحة فجثوت على الأرض وكان البعض يرفسني أثناء محاولتهم مد أرجلهم فشعرت بموجة من الكآبة تنتابني.

   كان محمد وعائلته يتكلمون عن الهروب إلى تركيا ولكنني كنت متأكدة من أن تركيا سوف لن ترحب بأي كردي على أراضيها. أما أنا فقد كنت قد عقدت العزم على أن  أعود أدراجي إلى زاخو بمفردي ثم أحاول الوصول إلى نهر الخابور وصولاً إلى سوريا- لم أكن قد سمعت بعد أن زاخو أيضاً قد سقطت أيضاً.

   انتظرت حتى وقت متأخر من الصباح للمباشرة في العمل فتجولت في قاديش وأنا التقط الصور للناس الذين يحضرون أنفسهم للهروب وأتفحّص قافلة الشاحنات التي مرت كلمح البصر على أنور، ابن أخ محمد، أو مصورنا مارك.  سيل من السيارات والشاحنات والناس على الأقدام كانوا يتجهون شرقاً. بعد مراقبة الطريق لمدة ساعة تقريباً توقفت شاحنة كبيرة مليئة بالرجال إلى جانب الطريق وهناك كان مارك في حالة يرثى لها ولكنه بخير.

   لا أخبار عن أنور الذي لم يره أحد منذ أن عاد للقتال في المرتفعات المحيطة بدهوك.  كنت خائفة من أنه إما أُسِر أو قُتِل. في كل مناسبة بعد أن رتب فهيم للتصوير كان أنور هو من يرافقنا ويُطلعنا على  كل المستجدات و يرتب لإجراء المقابلات مع أسرى حزب البعث ومع الحراس الأكراد للقلاع والسجون ومع القادة الكرد وطاقم المستشفى. وكان أنور هو من أرانا المقرات السابقة لأمن واستخبارات ومخابرات صدام[5] وترجم لنا قصص ضحاياها. على مضض أنا ومارك  غادرنا قاديش بدونه. وكانت عائلة عمه أيضاً مستعدةً للمغادرة إلى تركيا ووجدوا سيارة تقلهم إلى أبعد نقطة على الحدود. أودعناهم واحتضناهم بحرارة قبل أن ننطلق في سيارة لاندروفر برفقة مجموعة صغيرة من البيشمركه الذاهبين إلى مقر الجبهة الكردستانية في العمادية.

الهروب إلى الجبال

في القيادة العامة للمقاومة في العمادية التي تقع على ذروة جبل حجري رائع حيث تجثم المدينة القديمة تكلمنا عن إمكانية وجود وسيلة نقل تعيدنا إلى زاخو. كان الوقت قد تجاوز العصر قبل أن يكون هناك أي تقدم. وقد حل الظلام باكراً مرة أخرى. الطريق الجبلي الخلفي الذي يربط الشمال الغربي بزاخو عبر بيكوفا بالكاد كان سليماً وبدا أن معظم منطقة بهدينان قد أصبحت مخيماً كبيراً مليئاً بأناس في حالة تنقل من مكان لآخر. لكن “التخييم” هنا في هذه الجبال الباردة والجيش يتقدم أكثر فأكثر، أشبه ما يكون بالكابوس الذي يريد الجميع أن يصحو منه.

   رحلتنا بالسيارة أخذتنا إلى باطوفا حيث تُركنا في ثكنات مهجورة في الساعة الرابعة صباحاً حتى طلوع الفجر. لا أحد كان يريد أن يذهب إلى زاخو. وعندما توقفنا سمعت سائقنا يهمس لأحد حراس الثكنة أن زاخو تحت الهجوم ولا يعرف ماذا يفعل بنا. كان يخاف أن يخبرنا هذه الأخبار السيئة مباشرة فيما لو أصبح مسؤولاً عنا.لقد فقدنا أصدقاءنا ونحن الآن بين غرباء يخشون على حياتهم.

   في الساعة الخامسة والنصف صباحاً في الأول من نيسان ويوم بارد آخر أشار لنا بشيمركه  نائم على الأرضية الإسمنتية بأن ننهض وتمتم بأنه تم العثور على سائق ليأخذنا إلى زاخو. وقد صدق في كلامه إذ سرعان ما كان يسلّم على سائق سيارة متهالكة بيضاء وبرتقالية توقفت خارج الثكنة ومعيار الوقود يشير إلى الصفر. اتفقنا على سعر لتعبئة البنزين وسعر إضافي للسائق وبعد أن دبر لنا البيشمركه بيدوناً من البنزين النفيس غادرنا باطوفا. على بعد عدة كيلومترات من زاخو بدا واضحاً أن لا سيارات تسافر بذلك الاتجاه بل العكس كان آخر سكان زاخو يسافرون في الاتجاه المعاكس. كانت دمدمة القصف بالقنابل قريبة.

   سلمنا السائق إلى قيادة (ح.د.ك) في وسط المدينة وهي نفس المدرسة-البيت الذي كنا قد زرناه عند وصولنا إلى “كردستان المحررة” بث الموسيقى والأشعار القومية توقفت منذ زمن وبات المكان مهجوراً تقريباً. كان قد بقي القيل من كبار البيشمركه المشغولين بجواسيس ومنشقي الجيش الذين كانوا يُجلبون لهم. وكان ثمة قاض يترأس محاكمات سريعة.

   جلبت البيشمركه تقارير تفيد بأن طائرات الهليكوبتر تحوم حول إبراهيم الخليل وبأن الطريق النهري مع سوريا بات مقطوعا بالتالي. اقترح قائد (ح.د.ك) هناك الذي كان يتكلم إنكليزية دقيقة بهدوء أن نجد سيارة تعيدنا إلى طريق بيكوفا الذي يتفرع إلى شيرانيش والحدود التركية.

   كانت سيارات الحزب قد غادرت أو نفذ منها البنزين. انتظرنا لمدة ساعة أو أكثر ونحن نلوح للسيارات المارة دون طائل لأن زاخو تصبح مهجورة باطراد. وأخيراً وقف لنا أحدهم. صعدنا بصعوبة إلى مؤخرة السيارة مع عائلة أظهرت سعادتها لأنها تأخذنا معها إلى شيرانيش. كان السائق يحمل جواز سفر تركي مع أنه كردي من السكان المحليين. كان مفعماً بالأمل بأنه سيُسمح له بالدخول إلى تركيا لأنه يعمل هناك وأوراقه سليمة ولذلك كان متفائلاً ومسروراً.

   العقبة الرئيسية التي واجهتنا هو أن الطريق المؤدي من مفرق شيرانيش إلى تركيا انقطع بشكل مفاجئ عند سهل دشتي تاك والنهر فائض ولم يكن هناك طريق للعبور. عندما وصلنا إلى نهاية الطريق وجدنا عدة آلاف من الأكراد يواجهون المأزق ذاته.

   شرقت الشمس بكرم رباني على السهل في الأسفل ولبعض الوقت نسي الأكراد تقريباً بأنهم يقومون برحلة بحكم الحاجة. بدا المنظر أشبه ما يكون بنزهة نوروز حيث انتشرت العائلات على العشب الأخضر للأكل أو الاستراحة. فقط أصوات التراشق بالقنابل والمدافع وهي تقترب أضفت بعض من القلق على ذلك المشهد الريفي.

   على الجانب البعيد من النهر وعلى منحدرات التلال العميقة، كان صفوف الجيش التركي تقوم بدوريات على الحدود. وكانت طائرات الهليكوبتر تهدر فوق مخفر الجندرمة الواقع على قمة جرف شديد الانحدار مقابلنا.

   بعد نحو ساعة من وصولنا إلى دشتي تاك، غامرت أخيراً طائرة هليكوبتر واحدة من الحوم فوق النهر باتجاهنا.  بالنسبة للأكراد بدا ذلك مؤشراً على النجاة. نهض بعض الرجال فرحين وأعينهم على السماء حيث آلاف المنشورات بدأت ترفرف فوق رؤوسنا. حاولنا جاهدين الإمساك بها، ولكن كان مكتوباً على المنشورات:” احذر! إذا حاولت أن تعبر إلى تركيا، فإنك ستتعرّض لإطلاق النار فلا تحاول العبور”. كانت التحذير مكتوباً اللغات التركية والعربية والفارسية وبـ”لهجة محلية” حيث أن الموظفين الأتراك لم يتنازلوا أن يكتبوا كلمة “الكردية” حتى في حالة التهديد بالموت.

   في الحال تبخرت أجواء النزهة إذ توقف الأطفال عن اللعب وبدأت العائلات تضع أشياءها على ظهورها والبدء في التحرك. كان على الجميع أن يتركوا سياراتهم وشاحناتهم وجراراتهم خلفهم والسير على الأقدام أو أن يعودوا أدراجهم من حيث جاؤوا.

   سهل دشي تاك مزروع بالألغام على نحو كثيف ويقع بالقرب من الحدود التركية-العراقية ضمن الحزام الأمني الذي أقامه صدام حسين.  لقد اكتشفتُ ألغاماً أرضية صغيرة منثورة في كل مكان مثل شقائق النعمان بين العشب. وقد سمعت مرة أو مرتين أصوات انفجارات حيث ضلّ أحدهم الممر الرئيسي وفعّل لغماً. كانت هناك صرخات وإصابات لا يمكن تصورها. جازف بعض الأكراد بحياتهم وبدؤوا بتجميع الألغام البسيطة ويبطلون مفعولها ويضعون أخرى في أكياس. ثم يفجّرونها بعيداً حتى ينقذوا الآخرين من الإصابة.

   هكذا كانت النهاية المؤلمة للانتفاضة الكردية التي وعدت بالكثير. بدأنا ندرك مع أناس المنطقة الذين عانوا طويلاً بأنه ينبغي علينا أن نجتاز الحدود إذا أردنا طريقة للهروب. لأن قوات الحرس الجمهوري لصدام حسين ، التي صبت جام غضبها على الأكراد بسبب تمردهم ، كانت قد باشرت باحتلال البلدات من خلفنا.

   منتصف الليل والبدر من فوقنا  يضيء الممر الضيق وضوء شاحب يتماوج عبر الجبال بعيداً عن المركز العسكري التركي والنهر مزبد. منذ مغيب الشمس ونحن ننتظر في أحد أبراج المراقبة التابعة لصدام حسين مع بعض البشمركه وعائلاتهم ونناقش الخيارات المتاحة. لقد عُثر على دليل يقودنا عبر ذلك الممر إلى تركيا معتمداً على ضوء القمر في إيجاد الطريق. كانت الكثير من العائلات الكردية قد انطلقت مع غروب الشمس، وآخرون مثلنا خائفون من أن يُشاهدوا من أعلى ويُقصفوا بالقنابل من قبل طائرات الهليكوبتر العراقية انتظروا حتى الليل وطلوع القمر.

   أنا ومارك جمعنا ما تبقى من أشيائنا  حيث أن الكثير منها بقيت خلفنا في دهوك أثناء هروبنا.

   ضوء القمر كان خافتاً والسماء غائمة بشكل عام لكن المطر كان قد توقف. الكرد يمشون بتثاقل وهم يغصون بالوحل عبر ممر واحد ضيق.  وكان يتم تحذيرنا بشكل دائم ألا نحيد عنه مخافة الألغام. أما الأطفال والمسنين فقد تباطؤوا  حتى أكثر من ذلك إذ كانوا يتكئون جانباً أو يستريحون بأقرب ما يكون من الممر حتى يفسحوا المجال للمسرعين من تخطيهم.

   ثمة هدوء غريب في هذا السير الجبلي رغم إن عددنا بالآلاف. إنه أشبه ما يكون بعبور الصراط المستقيم[6] وبدأت التمتمات وأصوات الحيوانات تُسمع عندما دخلنا الوديان العميقة التي تحيط بها الصخور. كان جدول مياه يخترق هذه الوديان وكنا نخوض به ذهاباً وإياباً في سيره المتعرج بين الجبال.

   كان السكون يسود الجو ليس فقط لأن معنوياتنا منخفضة ولكن بسبب خوف الأكراد من أن أصواتهم قد تنبه الجيش العراقي بمكانهم وأن تزهر السحب الكيميائية الصماء من جديد عبر الوديان وتقضي على آخر روح. بدا أن لا أحد يعلم بالضبط كم تبعد الحدود. وبمجرد رؤية أوربيين بدأ الأكراد يسألون:” كم تبعد تركيا؟ هل سيسمحون لنا بالدخول؟ متى ستساعدنا أوربا وأمريكا؟ أين الحاج بوش؟ من غير الممكن طبعاً الإجابة عن أي من تلك الأسئلة. ورغم إننا كنا جميعاً في نفس الموقف الصعب، فإن مجرد كوننا أجانب بدا وكأنه يعطي للناس بعض الأمل مع أننا شخصياً كنا أبعد ما نكون عن الأمل.

   أثناء مشينا المتثاقل على طول الممر الضيق، التقيت بشاب كردي يحمل على ظهره رجلاً كسيحاً كانت رجلاه تجران خلفه بالتراب والأحجار. في حين ابتكر آخرون نقالات بسيطة من الأغصان المجدولة لحمل المرضى والمسنين. كان المصابون أو المعاقون القادرون على المشي يستخدمون العكازات أو الأغصان. كانت هذه الرحلة المضنية عذاباً كبيراً لهم.

   في حوالي الساعة الثانية ظهراً وكان لا يزال أمامنا نحو كيلومتر واحد حتى نصل إلى مخفر الحراس في دشتي تاك وجدنا جثة هامدة. لقد كانت مغطاة ببطانية دون أن تدفن. رمى أحدهم حجرة عليها ليرى إن كانت تتحرك. بدا وكأن لا أحد يريد أن يعترف بالموت مباشرة من خلال النزول إليها وفتح البطانية. بدت تلك الجثة التي لم يرثيها أحد في هذا الظلام الدامس مثيرةً للشفقة ونذير شؤم أيضاً.

   مع بزوغ الفجر أنار ضوء ضبابي أزرق الوادي ذو الجروف الصخرية الصلبة. كان الممر يلتف حول الجبل كالأفعى وسيل من الرجال والنساء والأطفال يمشون بخطى متثاقلة منحني الرؤوس أذلاء مع  انهيار الثورة متعبين لدرجة لم يعودوا قادرين على الخوف.

   في الساعات التي تسبق الفجر تماماً، توقفنا وتمددنا على حافة الجبل. سحبت ما تبقى من ثيابي القليلة التي مازلت معي من حقيبتي وغطيت بها أوصالي المتجمدة من هواء الليل الرطب.  لم أكن قد نمت بتاياً خلال الثمان والأربعين ساعة الماضية لذلك نال مني الاكتئاب والإنهاك. وعلى بعد أمتار مني استلقى مارك على العشب. نظفت شعري من الأوراق التي علقت به ووضعت أغطية “سريري” ثم جلست لأراقب بعض العائلات وهي تضرم النيران لتحضير الشاي وتخرج أرغفة من الخبز اليابس على أرض مستوية بالقرب من الجدول. أشجار البلوط القزمة على الهضاب المحيطة كلها جرداء ومصابة بآفات حيث أن هذا الوادي البائس  كان قد قُصِف بالأسلحة الكيميائية. وهو أحد الطرق التي سلكها أكراد بهدينان للهروب في ذلك الوقت. كانت الأرض لا تزال جرداء وواهنة وربما لا يستطيع حتى الربيع أن يداويها.

   يمضى الوقت ونلتحق من جديد بقافلة الناس التي تملأ الممر الجبلي.  كان البعض منهم يمشي طوال الليل والإرهاق بادياً على وجوههم. لا يزال الأطفال لابسين بيجاماتهم بدون معاطف أو أية ملابس أخرى دافئة والكثير منهم حفاة أو يرتدون أحذية صيفية ويمشون في نومهم يجرهم أو يحملهم أحد البالغين. ومن كان لديه عدة أطفال، كان الرضع فقط هم من يُحملون ويُترك أطفال صغار جداً دون مساعدة ينشجون من كثرة البكاء والتعب وهم يجرون أنفسهم بتثاقل.

   لم نستطع [أنا ومارك] أن نجلب معنا أي طعام فكان الأكراد يعرضون علينا أرغفة من الخبز اليابس أو الرز المطبوخ ولكن لم نشأ أن نحرمهم من طعامهم حيث كنا نرفض قائلين بأننا أكلنا للتو شيئاً ما. كان البعض يكشف لنا عن جراحهم أو التقرحات على أجساد أطفالهم من النابالم معتقدين أننا أطباء ونحمل معنا أدوية. أحد أسوأ جوانب هذه الرحلة هو أننا كنا عاجزين عن تخفيف معاناتهم. لكن مارك حمل كيساً كبيراً من الطحين لعائلة عجزت أن تتدبر أمره؛ كان وزنه يتراوح ما بين 30-40 كغ. لقد حمله مارك أثناء سيره البطيء على الصخور والمنحدرات الزلقة وعلى حواف الجبال القاسية آخذاً قسطاً من الراحة كل 20 دقيقة تقريباً قبل أن يحمل الكيس مرة أخرى. كان مارك يدرك أن العائلة سوف تحتاج أخيراً إلى ذلك الكيس.

   ثم فجأة غابوا عن أنظارنا حيث تخلفوا عنا ودخل طابور آخر من الناس خلفنا أثناء عبورنا لممر صعب. هنا كان ينبغي علينا أن ندخل في وادٍ صغير ولكن تباطأت حركتنا إلى حد السكون تقريباً بسبب المسنين والأطفال الذين كانوا بحاجة إلى مساعدة من أن يقفزوا فوق الفجوة. كان هذا أسوأ جزء من الطريق إلى حد الآن وكان لا يزال هناك عدة مئات في انتظار أن يعبروا تلك الفجوة الصغيرة المنزلقة في حين اختار آخرون تسلق الجروف الصخرية لتجنب القيام بتلك القفزة.

   بعد عدة ساعات وصلنا إلى غابة جرداء حيث توقف الكثير من الأكراد للراحة.  هنا أيضاً توقفنا وانتظرنا العائلة التي نحمل كيسها من الطحين. مضت ساعة تقريباً قبل أن يصل أحد أفراد العائلة وسلمنا له الكيس. عرضت عليّ إحدى النساء من تلك العائلة كسرة صغيرة من الخبز ولكن لم تكن لديّ شهية للأكل واكتفيت فقط بشرب بعض الماء بيدي من الساقية التي ما زالت ترافقنا وكلي أمل ألا تكون ملوثة. آخرون فعلوا الشيء ذاته ثم تابعنا المسير.

   خضنا بالوحل بثبات نحو الأعلى وارتفعت الشمس أكثر في السماء لنصل أخيراً إلى بعض القرى المدمرة التي كانت قد نُسِفت من قبل طائرات الهليكوبتر التابعة لصدام حسين خلال حملته الطويلة من التدمير في الريف  الكردي وسكانه. وقد عرف أحد الأكراد القرية التي مررنا فيها للتو باسم سينهات. أحجار سينهات المدمرة تقع على الهضبة المطلة على الوادي المزهر الذي عبرناه للتو.  لم يبق فيها الآن سوى عدة أشجار للفاكهة وبقايا دالية الكروم لتشهد على أن هذه كانت ذات مرة موطناً لأكثر من مئات العائلات الكردية. صمتت الأصوات فلم تبقى عتبة واحدة سليمة. حينما ألقت شمس الأصيل نورها الليموني على قمم الجبال فوقنا، تشعب الممر فجأة.  سلك بعضهم الممر الأول وسلك البعض الآخر الممر الثاني. قال البعض أن أحد الممرين يؤدي مرة أخرى إلى العراق. لم نعرف أي من الفريقين نتبع. كانت الجبال الصخرية الشديدة الانحدار تلوح فوقنا ولكن أين “تركيا”؟

   تابعنا الصعود إلى الأعلى لمدة ساعتين أو ثلاث حتى ملأ الظلام المساحات في الغابة الجرداء.  بعد وصولنا إلى قمة الهضبة، اصطدمنا برتل من الكوماندوس التركي الذين يرتدون قبعات زرقاء التي ميّزتهم كقوات مقاتلة خاصة وكانت بنادقهم مصوّبة نحونا.

الحدود التركية: مخيم أشيكفيرن

كانت القوات الخاصة التركية تراقبنا قبل وقت طويل من أن نلمحهم. قام الجنود بعزلنا عن الأكراد.  صرخ القائد علينا إن كنا مع PKK. من السخف أن يشغلوا بالهم بأفكار كهذه وسط هذه الظروف. اعتبرت أنه من الأمان أكثر أن أتظاهر بجهلي للغة التركية وإلا اعتُبرت جاسوسة. كان الجنود أشخاصاً وقحين حيث جرّدوا بفظاظة من السلاح الأكراد الذين قطعوا مثلنا قمة الجبل.

   وبذلك تم تجريد الكثير من الرجال الأكراد من سلاحهم حيث عُوملوا كأسرى حرب من خلال إجلاسهم القرفصاء خلف كومة متزايدة من البنادق على يسارنا ومنعوا من عبور القمة من قبل الجنود الذين كانوا يطلقون النار بين الفينة والأخرى بشراسة حتى على ظل الأشجار. انطلقت النيران من نقاط أخرى على طول سلسلة التلال الظليلة. ولم يبق لدينا أي شك في من يطلق النار على من فالجنود الأتراك لم يكونوا أبداً منزعجين في إطلاق النار على أحد ما “سهواً”.

  “حيوانات” شتم أحد عناصر القوا ت الخاصة الذي له ملامح كريهة كالسحلية. ” كم من هؤلاء الحيوانات مازالوا قادمين؟”

   أجبت بسرور” الآلاف”.”هناك آلاف من الناس  خلفنا في الوادي “. شعرت ببعض الرضا عندما رأيت تخوفه.

   “سوف نعيدهم جميعاً, سوف نعيدك أنت أيضاً. ماذا تفعلين مع هؤلاء الناس؟ ماذا كنت تفعلين في العراق؟  انتظري هناك. تمتم الرجل الذي يشبه السحلية بضع كلمات في جهاز اللاسلكي خاصته وتلقى بعض الإجابات الحادة والقصيرة.

   حينما لفّنا الليل بكآبته، كان الأكراد قد تجمعوا بالمئات خلفنا وانضمت إلى القوات التركية فرقة عسكرية من قمة الجبل وأمرونا أنا ومارك أن نتبعهم.

   خرجنا من الغابة وفي الأسفل رأينا مخيماً لعدة آلاف من الناس على طول الجبل من الجانب التركي بين أشجار الشتاء الجرداء. كانت النيران قد أُوقدت ويجلس أو يقف حولها جماعات صغيرة من الناس وهم ينفخون على الجمرات الصغيرة البائسة. كان هؤلاء أوائل الواصلين الذين سُمِح لهم عبور الحدود التركية قبل ثلاثة أيام. لم تكن السلطات التركية قد قررت بعد ماذا ستفعل مع البقية حيث كانت الأعداد تثير قلقهم. ورغم أن آلاف العائلات المنهكة استمرت بالوصول إلى قمة الجبل هنا، فإن الأغلبية منها كانت تُحتَجز على حافة الهضبة التي بدت أنها تمثّل الحدود هنا.

   كان مخيماً بائساً: منحدر طيني محاط بأشجار جرداء قطّع معظمها إلى قطع كحطب وتحته على نحو نصف ميل سهل عشبي مسطح. لاحظت حينها أكشاك الأشكال المميزة لموقع عسكري  تركي، وهو يشكل قاعدة للجنود الذين قاموا بتطويقنا. هبت الرياح وتلبدت السماء بغيمة سوداء على الجبال العالية من خلفنا وفي الحال هطل المطر، مطر غزير بارد وما من مأوى.

  نحن في مخيم إشيكفيرن منذ ساعات وقد طلبنا من أعلى الضباط رتبة إذناً للمغادرة إلى أقرب مدينة لكنه رفض. بدلاً من ذلك، قام الضابط بحبسنا ومراقبتنا جالسين بالقرب منه تحت المطر. كان له بالطبع نار أوقدت من أجله واجتمع حوله مع عدد من رجاله. قرفصنا على مضض إلى جانبهم، سجناء أكثر من كوننا رفاق غير مسموح لنا بالعودة إلى الأكراد.

   مع اشتداد المطر بدأ النار يصدر الدخان الذي دخل في عيني واحترق وجهي من الرمل والمطر المتطاير. قويت الرياح من جديد وتحول المطر إلى بَرَدْ. حبات برد كبيرة رشفت اللاجئين وبدأت الرياح تصفر في المخيم. كان ليلة مظلمة وثقيلة الوطأة. الأكراد المساكين وقفوا محدودبين حول نيرانهم المثيرة للشفقة والأطفال اللابسين ملابس خفيفة أصبحوا منقوعين بالمطر.

   كانت بعض العائلات قد جلبت معها بعض النايلون ووضعوه بين أغصان الأشجار، ولكن الرياح انتزعه ومزقه إرباً إربا ولذلك لن يكون هناك أي مأوى في تلك الليلة. بعد أن باغتتها هبة ريح، وقعت امرأة مسنة على أرض المنحدر الطيني وسقطت في النار فاشتعلت ثيابها. جاءت قافزة باتجاهنا وهي تصرخ بينما ألسنة اللهب تغمرها. رمى أحدهم بطانية على المرأة المذعورة واتجه بها نحو جنود الكوماندوس العابسين والجالسين في سكينة دون أن يفعلوا شيئاً. مزق أحد الجنود ظهر فستانها المحترق وأزال القماش الذائب. لم تكن المرأة قد تأذت بشكل سيء فأُعيدت إلى حيث جاءت.

   انقضى الليل ببطء وأصبحنا مبللين ومتسخين أكثر حيث الريح تضربنا بالمطر بشكل مستمر فأصبحنا مكتئبين وحزينين أكثر فأكثر. ما من آدمي يستطيع النوم في طقس كهذا. وقفنا محدودبين في المطر داخلين رؤوسنا في رقابنا مثل الطيور أثناء العاصفة محاولين أن تدخل شرارات اللهب وسواد الدخان إلى أعيوننا. لكن الرياح استمرت بالهبوب واستمرت الجمرات والرماد بالهجوم على وجوهنا. للحصول على الدفء كان ينبغي عليك أن تقف على بعد قيد أنملة من النار التي بالكاد كانت مشتعلة. كلما حاولت تجنب الدخان، أصابني المطر بقشعريرة في جسدي. كان الماء يتصبب من شعري إلى عيني ورقبتي وحذائي مطموراً بالطين بينما كان مارك مريضاً وهو يرجف على طرّاحة الجنود المشبعة بالماء مغلق العينين. مع ذلك رفض الجنود السماح لنا بمغادرة الجبال. جادلتهم، تملقت إليهم، لاطفتهم بلغة تركية واضحة حينما أصابنا اليأس بل حتى أنني جربت معهم المنطق ولكن بدون فائدة.

   في الثالث من نيسان وفي وقت متأخر من الصباح سيّرنا الضابط الذي يشبه السحلية عبر الطين إلى مزيد من التحقيق في الكشك العسكري عند سفح الجبل.

   في هذا الوقت كان حشد مندفع من الأكراد المحليين في الجانب التركي من القرى القريبة يحاولون أن يقدموا الطعام إلى المخيم. كان القرويون قد اشتروا خبزاً طازجاً وجبنة وحليبا وأطعمة أخرى مليئة بالطاقة لكن الجنود الأتراك ما كانوا يسمحون لهم بأن يأخذوها إلى سفح الجبل. كان موقفاً مزعجاً وغضبت كثيراً.  كنا نعرف أن الكثير من الأكراد مرضى ولم يأكلوا شيئاً منذ وقت طويل ولا سيما الأطفال، ولكن يبدو أن الجنود كان يستمتعون بامتلاكهم السطوة على أولئك الناس.

   أكد لنا القرويون أننا في إشيكفيرن وأننا على بعد مسافة قريبة من بلدة (أولودورا). كان طاقم من الصحافيين الأسبان قد قطعوا الحدود أيضاً قبل ليلة على بعد ثلاث كيلومترات من قمة الجبل وتم انتشالهم من الجبل بطائرة هليكوبتر قبل العاصفة وأُخذوا مباشرة إلى شرناخ.

“ألا يمكن إرسالنا أيضاً بطائرة هليكوبتر؟”

“كلا الجو عاصف جداً.” أجاب الجندي. لقد احتجزونا في كوخهم وغير مسموح لنا أن نتجول في الخارج.

   كنا نحسد الطاقم الإسباني على حظهم الجيد حتى ونحن نسمع أن الميت (الاستخبارات التركية) قد صادر فيلمهم.

أليس لدينا فيلم؟أرجو ألا يبحثوا عنه. الفيلم الذي صُوّر في العراق ليس له أية أهمية بالنسبة لهم على ما يظهر، ولكن أي شيء يمت إلى الأكراد بصلة مفيد بالنسبة لمن هو ضد التمرد.

   عند الساعة الثالثة من ظهر ذلك اليوم، سمح لنا الجنود بمغادرة كوخهم. في الظاهر أن الذي خلصنا هم بعض الصحفيين الأكراد الذين وافقوا على أن يقودونا إلى شرناخ، ولكن في الطريق اعترضتنا الاستخبارات التركية (ميت). حيث لاحقتنا سيارة سوداء بنوافذ مفيّمة وبدون أرقام على لوحتها من الواضح أنها تراقبنا. الذين بداخل السيارة أمروا سائقنا أن يتوجه مباشرة إلى مركز الأمن حيث تم اقتيادنا إلى مكتب الضابط المسؤول. هنا تم جلب الكراسي لنا وفُتِحت الملفات. لا بد أنهم نفس الضابط الذي تعاطى مع الطاقم الإسباني.

   “ماذا كنتما تفعلان في شمالي العراق؟ لماذا عبرتما إلى تركيا بشكل غير قانوني؟ هذه الأسئلة كانت مجرد البداية التي كانت ودية تماماً أولاً ثم ما لبث أن أصبحت ضاغطة أكثر.

  في هذه الأثناء، كانت الصحافة العالمية قد سمعت بما يجري هنا. وبينما كنا نحن نحاول أن نخرج نحن وفيلمنا من تركيا، كان آخرون يحاولون بنفس الجهد أن يغطوا المأساة المتسارعة.

   في شرناخ أخبرناهم  أننا نريد أن نتوجه مباشرة إلى بريطانيا. وفي الواقع كنا نريد أن نصل إلى أنقرة من أجل الوصول إلى وسائل للاتصال بالأقمار الصناعية. واستجابوا لنا مباشرة بأن طردوا زملاءنا الأكراد المحليين واستبدلوهم بسائق مزعج من طرفهم كان طوال الطريق إلى ديار بكر يحاول أن يجرنا إلى الحديث عن PKK .

   من الواضح أن الاستخبارات التركية كانت تريدنا خارج المنطقة الكردية. وأخبروا رفاقهم  في ديار بكر باللاسلكي أن يراقبونا بمجرد دخولنا إلى ضواحي المدينة. حينما وصلنا إلى هناك، كانوا متمركزين في ميكروباص أزرق مطفأ الأنوار. في الحال بدأ عدد من رجال البوليس السري يلاحقوننا بمجرد أن حررنا أنفسنا من سائق الاستخبارات. بعضهم قدم نفسه عند التسجيل في الفندق وظهر آخرون إلى جانبنا عندما غادرنا غرفنا لنجد مطعماً مقبولاً. وكانوا هناك أيضاً يتربصون في قسم الاستقبال في صباح اليوم التالي ينقلون تفاصيلنا الشخصية من جوازات سفرنا عندما نزلنا لنستخدم الهاتف.

   المراقبة اللصيقة أزعجتني وقررت أن آخذ الأشخاص المكلفين بمراقبتي في جولة غير مؤذية بينما أنا أبحث عن ملمّع للأحذية. كانوا قد أسندوا ظهورهم إلى الجدران متظاهرين بكونهم غير مرئيين يفحصون الفاكهة على كل عربة للباعة المتجولين حتى رأيت شخصاً يلمع الأحذية فرميت نفسي بقوة على الكرسي الصغير بجانبه. كدّ الصبي وأزال الطين العالق بحذائي من معسكر إشكيفيرن بينما كان رجال الاستخبارات يتثاءبون بيأس.

عملية توفير الراحة

طوال الأيام التالية التي مكثنا فيها في تركيا، أوقفت الحكومة والجيش التركيين تدفق سيل الأكراد الواصلين إلى الحدود.  وقد حاولوا سوية [الحكومة والجيش] التكتيم على الأخبار من خلال إبقاء الأجانب خارج المنطقة، لكن مع ذلك استمر الأكراد البائسون بالتدفق بالآلاف. في العاشر من نيسان 1991 كان هناك تقريباً نحو 800 ألف كردي يعانون في ذلك المعسكر  التعيس على طول الحدود التركية ونحو مليون شخص على الحدود الإيرانية. في هذه الأثناء كان المجتمع الدولي قد سمع بما يجري حيث معاناة الأكراد في الثلج والطين على الجبال كانت تُشاهد يومياً من قبل ملايين الناس على التلفاز في كل أصقاع العالم.

   استجابت إيران بشكل أكثر إنسانية من الأتراك مع أنها كانت تتلقى مساعدات أقل بحكم علاقاتها السيئة مع الدول الغربية المانحة ولا سيما الولايات المتحدة.  بشكل طبيعي فضَلت الولايات المتحدة حليفتها تركيا بمنحها مزيد من التبرعات.

   وحسب الأرقام التي أعطتها منظمة التخفيف من الكوارث التابعة للأمم المتحدة في السابع عشر من أيار 1991 فإن إيران تلقت 128,9 مليون دولار أمريكي على شكل مساعدات دولية مقارنة بـ248 مليون دولار أمريكي تم صرفه على الحدود التركية-العراقية. ومبلغ 248 مليون دولار الذي تم صرفه في تركيا تشمل، بحسب المنظمة، 197,1 مليون دولار إسهامات وزارة الدفاع الأمريكية و31,6 مليون دولار على شكل غذاء التي تم توزيعها كجزء من عملية توفير الراحة. ولكن حتى تلك اللحظة كان رد فعل الرأي العام غير المسبوق مع المأساة الكردية كان بشكل رئيسي بسبب إبرازها إعلامياً. حتى الأشخاص الذين لم يكونوا قد سمعوا بالأكراد حتى ذلك الحين كان يتبرعون بالنقود والمساعدات الطبية والملابس والبطانيات ومدافئ الكاز.

   أخيراً اضطر نفس القادة الغربيين، الذين اعتمد عليهم الأكراد للمساعدة أثناء الانتفاضة، على الاستجابة لمأساة ملايين اللاجئين ليس بتقديم مساعدات إنسانية بسيطة ولكن باتخاذ عمل سياسي حاسم. في الثامن من نيسان، 1991 قدم رئيس الوزراء البريطاني جون ميجور اقتراحاً إلى الاتحاد الأوربي حول تشكيل “مناطق آمنة” في شمالي العراق لتمكين الأكراد من العودة من الجبال. ورغم أن إدارة بوش كانت في البداية غير مستعدة لمساندة الاقتراح، إلا أنها غيّرت فجأة موقفها وعبّرت عن تأييدها للفكرة. بعد ذلك ادّعت الولايات المتحدة على أنها مبادرتها هي. في السادس عشر من نيسان، 1991 أمر بوش 3,500 جندي أمريكي على الدخول إلى المنطقة من أجل تقديم مساعدات إنسانية للأكراد.

   ورغم التأخر في الاستجابة للمأساة الكردية فإن الحقيقة هي أنها جاءت ربما نتيجة الغضب الشعبي على مشاهد البشر وقد تُركوا وحدهم يواجهون الموت في الجبال.  كان بالتأكيد يمكن إنقاذ حياة المئات من الأرواح لو سمحت الحكومة التركية للاجئين بالهبوط من الجبال بدلاً من ذلك أبقوهم على المرتفعات حيث الوصول إليها صعب ودرجات الحرارة شديدة البرودة.

   كانت السلطات التركية منتبهة لتدفق 100 ألف كردي الذين فروا من الهجمات الكيميائية في عام 1988 وتسعى إلى تجنب أعداد أكبر من اللاجئين الكرد ونتائج ذلك على المدى الطويل لتركيا فلجأت إلى حصر العملية في المنطقة الحدودية، وأي تدفق محتمل للأكراد فإن الحكومة تنظر إليه من ناحية الكلفة الاقتصادية للإعانة والتهديد السياسي سيشكلونه لها ولسياستها تجاه أكرادها الساخطين. ولذلك كان الأتراك يسعون إلى كسب الوقت.

   وصلت المأساة الكردية إلى أوجها في أيار. والمثير للسخرية أن التنازلات التي أعلنتها حكومة أوزال لأكراد تركيا قد سُحِبت في هذا الوقت المفصلي.

   وكان أوزال قد تحدث عن “إصلاحات” تتيح للأكراد نظرياً أن يتكلموا [بالكردية] وأن ينشروا بل يغنوا أغان باللغة الكردية لأول مرة منذ سبعين عاماً. وقد أُلغيت في الوقت ذاته المواد 141 و142 و163 البغيضة من قانون العقوبات التركي. لكن تبين أن قانون الإرهاب الذي حلّ محله أشد قمعاً منه. ورغم أن السماح باستعمال اللغة الكردية أظهر نوعاً من التراخي في المواقف التركية تجاه الثقافة والهوية الكرديتين، فإن قانون الإرهاب كان غالباً ما يتم استغلاله بحيث أن أي استخدام للغة الكردية يمكن أن يُعتبر جريمة “انفصال” بموجب المادة الثامنة التي تعرّض [من يتكلم بها] لأقسى أنواع العقوبة بما فيها السجن لفترة طويلة. بناءً على ذلك، فإن جهود أوزال في الانفتاح على القضية الكردية كانت عقيمة  على أرض الواقع إذ بدأت تركيا فترة جديدة من العدوان السياسي والعسكري على كل شرائح المجتمع الكردي. في الوقت ذاته بدأت تلعب لعبة جديدة مع أكراد العراق. فمن خلال التظاهر بمساعدتهم والسعي لإبداء قلقها على مصلحة الشعب الكردي للغرب لكي توقف النقد الموجه لحربها القذرة التي تشنها في تركيا.

   كان الأكراد العراقيون مستقتلين من أجل المساعدة ممن كانت فقبلوا المساعدة التي عُرضت عليهم وعادوا إلى ما تبقى من بيوتهم بتشجيع من المجتمع الدولي الذي استجاب أخيراً لأزمتهم.

   إن الهروب إلى الجبال من القوات العراقية وهي تتقدم كانت تجربة مرعبة أكثر من مما قد يتصورها شخص ما.  لم تبق عائلة ألا وفقدت والديها أو أحد المسنين فيها، عمة أو خالة عم أو خال أو أحد أطفالها أو أحد الرضع كأحد آثار الهجرة الجماعية في الطين والثلج.

   قليلون سينسون مشاهد طائرات الهليكوبتر للحلفاء وهي تجلب الطعام والمؤن وتسقطها في العراء في صناديق ثقيلة. صناديق المؤن كانت تُسقط من الطائرات بدون مظلات ودون اهتمام كافٍ لمواقعها مما تسبب في وفاة عدد من المدنيين الذين لم يكونوا سريعين بما فيه الكفاية لتجنب الخير الذي سقط عليهم من السماء.

   ولن ننسى أيضاً مشهد الناس المستقتلين على الطعام والذين كانوا يتعاركون مع بعضهم على أرغفة الخبز مثلما الوحوش تقاتل بعضها على بقايا الطعام، ولن ننسى الأطفال الذين ماتوا نتيجة سوء التغذية أمام كاميراتنا ولا الناس الحفاة وهم يجرون أنفسهم عبر جحيم لا يُصدق على الأرض.

   خلال سير عملية توفير الراحة الطويلة والمنهكة خلال السنوات الخمس القادمة ستكون هناك مزيد من الأخطاء التراجيدية والتي يمكن أن نتعلم منها مزيداً من الدروس حول التدخل الإنساني.



[1] اسم الأنفال مأخوذ  من سورة في القرآن الكريم تشير إلى حق [المسلمين] في أخذ الممتلكات والأموال من العدو. وأخذ الغنائم تتضمن أخذ أفراد العدو من نساء وأموال أما بالنسبة لحزب البعث فإن الأنفال عبارة عن شفرة لعملية عسكرية لإبادة جماعية ضد الكرد بوشر بها في شمالي العراق بين 1989 إلى 1997 وقد استغل صدام السورة من أجل تبرير الحملة. من أجل معرفة مراحل الأنفال راجع كنعان مكية (سمير الخليل) الوحشية والصمت: الحرب والاستبداد والانتفاضة في الوطن العربي، جوناثان كيب، لندن، 1993 وميدل إيست ووتش: الإبادة الجماعية في العراق: حملة الأنفال ضد الكرد (نيويورك، 1993) وأيضاً حكاية سروا لمجزرة حلبجة في الفصل العاشر ومناقشة القضية الكردية في الفصل الحادي عشر من هذا الكتاب.

[2] ينظر: كنعان مكية (سمير الخليل) الوحشية والصمت: الحرب والاستبداد والانتفاضة في الوطن العربي، جوناثان كيب، لندن، 1993 ص 59-60

[3] جحش لقب إزدراء يُطلق على الأكراد الذين يقومون بخدمة النظام على حساب شعبهم ويفعلون ما تأمرهم به الحكومة بذات الطريقة التي يمشي بها الحمار الصغير وراء أمه.

[4] ينظر كتابي السابق (إلى كردستان: حدود تحت النار) زيد بوكس، لندن، 1991 لمزيد من التفاصيل عن الحياة اليومية للأكراد العراقيين في مخيمات اللاجئين في تركيا في أثناء عمليات الأنفال بين 1988 و 1991.

[5] الأمن هو الشرطة السرية التي تراقب الناس بشكل عام. الاستخبارات هي التي تراقب كل المنظمات الحكومية إما المخابرات، وهي أقواها ولها سلطة مطلقة على القضايا العامة والحكومية في داخل وخارج العراق بقيادة قصي نجل صدام.

[6] حرفياً “وادي الموت بسفر الرؤيا” (المترجم)