محمد عفيف الحسيني

عن فرهاد، عن الرماح الضوئية للموت

1

لم أفكر بأنني سأكتب يوماً رثاءً، في الرحيل المفجع للديناميكي مثل مولِّد كهربائي متحرك أبداً؛ هو فرهاد جلبي (1961 ـ 2004)، شقيق الحياة المتشظية لي، بدءاً من تلك الصيدلية الصغيرة في تلك الزاوية الصغيرة في تلك المدينة الصغيرة. كنت أستحصل منه الدواء والضحكة، وتالياً من شقيقه شيركو الثقافة، الذي كان أردهاناً لمكتبة صغيرة في الزاوية الثانية الصغيرة في تلك المدينة التائهة، أعني عامودا.

لم أعرف فرهاد السياسي، ولم أكن أعرف بأنه في تنظيم كوردي سياسي أصلاً، كنت أعرف بأنه ينتمي إلى مملكةٍ أكثر وسعاً، من مملكتي؛ مملكتي هي الزاوية الصغيرة في تلك المدينة الصغيرة، للشعر؛ مملكته امتدتْ أكثر، وربما هذا الامتداد جعلتْ من فرهاد يتذوق مرارةَ أن يكون تائهاً في تخوم مملتكه الثقافية، والسياسية التي لم أعرف بها. في تلك الزاوية، كنتُ أُخرجه من بين آثام القوارير ومملكتها، إلى مملكتنا الشعر ـ مملكة المشي الليلي في شوارع عامودا المبللة بالرماح الضوئية للموت، الرماح التي تئزُّ في عبورها، تشقُّ الأشجار الخفيفة للحياة، وتستقر في بطون الكتب الكوردية المصورة سراً، والمتداولة سراً، والمقروءة سراً في تلك الأماسي التي تستقر فيها النجوم على مشارف الزاوية الصغيرة للحياة الصغيرة التي في تلك المدينة الصغيرة.

2

درَّسنا سوياً، دروساً مختلفة طائشة: الرياضيات له، والعربية لي.

ذهبنا إلى جيش الوطن السعيد سوياً، أخذنا ورقة سعيدة من التجنيد الوطني السعيد، وذهبنا إلى ثكنة هنانو السعيدة في حلب، ومنها ذهبنا إلى مدينة النبك السعيدة، حيث الفرز السعيد في جهات الوطن السعيد.

ومررنا في نفس الطريق، الذي أزّت فيه الرماحُ الضوئيةُ للموت على فرهاد وشقيقيه زبير وشيركو.

ولم نلتقِ بعد تسريحنا من الجيش السعيد في الوطن السعيد.

3

قبل عشرين سنة، كانت قوارير فرهاد جلبي تداوي الجرحى. ألم يخبىء له قارورة من أطايب الموتى، ألم يمرَّ البلسمُ على الجرح، فيقوم، فيداوي الجرح، فيقوم القتيل؟. إذاً ، لم تكن من قارورة تلك الصيدلية في جيبه، حين دَهَمَ الجرادُ الحديدي الهائل بأنفاسه الهالكة رئة فرهاد وصوت فرهاد وشعر فرهاد الذي لم أقرأ منه إلاَّ الشذرات التي تتحدث عن الموت، والحبيبة والوطن وأشياء أخرى مثل أعشاب النسيان، وباطنية الكتابة بالكوردية في محيط قاسٍ يشبه الشيطان.

أستعيد قصيدة، جاك بريفير، التي ترجمها فرهاد إلى لغتنا الجريحة:

عائلي

“الأم تصنع التريكو، والابن يقوم بالحرب، الأم.. تجد ذلك طبيعياً، والأب..؟ ماالذي يفعله الأب؟ انه يتعاطى التجارة. امرأته تقوم بعمل التريكو، وابنه الحرب، هو التجارة. الأب.. يجد ذلك طبيعياً تماماً، والابن.. الابن، ماالذي يجده؟ الابن.. لايجد شيئاً على الاطلاق.. لاشيء. الابن.. أمه تصنع التريكو، أبوه يتعاطى التجارة، وهو يقوم بالحرب. وحين ستنتهي الحرب، سيعمل مع أبيه. الحرب تستمر، الأم تستمر.. انها تواصل الحياكة، الأب يستمر.. انه يتعاطى التجارة، والابن وحده لايستمر… لقد قُتل.

الأب والأم يذهبان إلى المقبرة.

انهما.. يجدان ذلك طبيعياً تماماً. الحياة تستمر مع التريكو، الحرب، التجارة، التجارة، الحرب، التريكو، الحرب. التجارة، التجارة، التجارة الحياة تستمر مع المقبرة”.

لم يكن فرهاد ذلك القتيل في قصيدة الفرنسي.

4

أنظر إلى الصور التي التقطها محمدنور شيخ باقي، ـ الصور القبر ـ، الصور الفانتازيا، الحنين، العيدان التي اشتعلت عليها الزهور، ثم خبتِ الزهور. الغُمامُ الذي يلف الشواهدَ العجولةَ ـ غمامُ بلوكاتٍ شاهداتٍ ـ سيأتي معماريُّ، يبني على تراب شرمولا، رخاماً شاعرياً، سيأتي الملاَّط، ويملِّط الحوافَّ بالشعر، ويأتي الشعراء، ويأتي الأهلون، وستأتي القوارير الصغيرة، في تلك الصيدلية الصغيرة، في تلك الزاوية الصغيرة، في تلك المدينة الصغيرة، ستسفح روحها على روح الياقة الدموية لقميص فرهاد الذي هتكته الرماحُ الضوئية للموت.

5

في عامودا الآن، قبر كبير يسع لثلاثة من الذين ينزفون: فرهاد، زبير، وشيرو، الدم طري، والأجساد طرية، والقلوب لازالت تخفق، والقلق يخفق، والمساء الخائف يخفق، والزهر المرمي على التراب يخفق، يجفّ الزهر، وتجفُّ الأجساد أيضاً.

6

شاعران غائبان شابان راحلان: فصيح سيدا العشريني ـ الذي أحرقته عقاقير التنظيف من شحوم الحصَّادات ـ؛ فرهاد جلبي الأربعيني ـ الذي مزَّقه الجرادُ الحديديُّ الهائلُ؛ شاعران يضمها تراب عامودا؛ يتحدثان الآن عن الرماح الضوئية للموت، والعقاقيرِ التي علينا ألا نتجرَّعها، لئلا ننساهما.

7

تحت تراب شرمولا، يرقد بطمأنينةِ الموتِ، شاعران، كانا لنا، فأخذهما الهتْكُ ـ الموت. السلام لهما.

عن أي سلام أكتب؟!

السلام، أعني الإبر الضوئية للموت.