لماذا انحنت القوى العظمى أمام حكام طهران؟

الدكتور آزاد أحمد علي*

د.آزاد أحمد علي*

ثمة قاعدة سياسية تشير إلى أنه اذا لم تستطع مواجهة العاصفة فانحني لها، فأي عاصفة هبت أو كادت ان تعصف لدرجة أن انحنى قادة القوى العظمى – بل قادة الغرب بتعبيره الواسع – أمام حكام طهران، الذين يفترض انهم غير قادرين على حكم ايران بطريقة ديمقراطية وشرعية.

انجز اتفاق جنيف الخاص بالملف النووي الايراني في ساعة عصيبة ومتأخرة من مساء السبت  23/11/2013، لكن الطريقة الكرنفالية لحفل التوقيع، وماصاحبه من عناق حار بين ممثلي القوى العظمى، وخاصة بين كيري وآشتون، ان دل على شئ انما يدل على ان انجازا كبيرا واتفاقا استثنائيا قد تحقق. لقد كتب الكثير عن الاتفاق – الصفقة، لدرجة انه لم يعد المتابع قادرا في الأسابيع والأشهرالقليلة الماضية ان يتصفحها، والتمعن في التحليلات العديدة التي تناولتها.

 ثمة انجاز وحدث مهم بكل المقاييس، لكن لصالح أي طرف؟ وما السر في هذا الفرح الطفولي العارم الذي ساد اوساط الموقعين بعد التوقيع؟ فكلا الطرفين قد احتفلا بالحدث! ان المشهدية الاحتفالية المبالغ بها، وكذلك الدراما الاعلامية – السياسية التي رافقتها، قد تهدف الى التعتيم على بعض الحقائق، فالحدث، وبالتالي مشروع الاتفاق الأولي ليس في هذه الأهمية بحد ذاته، بقدر أهميته في التمهيد لقضايا سياسية واستراتيجية أكبر، وملامسته لمسائل ذات علاقة عضوية ببيئة الاتفاق وأطرافه.

 السؤال الرئيس الذي يطرح نفسه بمناسبة توقيع هذا الاتفاق، ماذا لو امتلكت طهران القدرات التقنية لصناعة قنبلة نووية؟ مالذي يميزها عندئذ عن كوريا الشمالية، أو بشكل أكثر دقة عن باكستان المجاورة، ومتى كانت الدول الصغيرة قادرة على تحقيق اضطراب كبير في توازن الرعب النووي الذي تم تثبيته بين القوتين النوويتين الرئيستين بعد الحرب العالمية الثانية؟

 يمكن طرح مائة سؤال فرعي آخر دون الحصول على اجابات مقنعة، لذلك يفضل التركيز على بحث المسألة خارج  الموضوع  النووي، أو على تخومه في أقل تقدير. ويستحسن احالة الحدث الى ما يشبه نهاية دراما طويلة لعلاقة حكام ايران مع الغرب.

 اول فصل في الدراما دار حول ملابسات تنحي شاه ايران السابق، والتي تذكرنا اليوم بطريقة تنحي زين العابدين بن علي في تونس. ثم بدأت الحلقة الثانية مع هبوط الامام الخميني من طائرة فرنسية في مطار طهران، وزيادة التوتر بين الحكام الجدد وأمريكا اثر احتلال الطلاب لسفارتها في طهران نهاية عام 1979، مرورا بالحرب العراقية – الايرانية، حيث لم يترك الغرب حكام طهران الجدد وحيدين في مواجهة نظام صدام (ايران غيت). والملفت أنه قد رافق التوتر في العلاقات الغربية مع نظام طهران عدم اهتمام بالمعارضة الايرانية العلمانية، والاسلامية المختلفة جوهريا عن حكم الملالي، خاصة الكردية واليسارية، تلك التي ساهمت بفعالية في قلب نظام حكم الشاه، وتثبيت اسس ثورة الشعوب الايرانية. فقد صنفت أغلب الدول الغربية منظمة مجاهدي خلق ضمن المنظمات الارهابية، ومهدت موضوعيا لتفيكيك قوتها، خطوة بعد اخرى لصالح الحكم الجديد في طهران، عن طريق تأمين المناخ لعزلها ودفعها الى أحضان نظام بغداد، وبالتالي هبوطها نحو أدنى درجات الضعف، وفقدان القاعدة الشعبية، فالفشل السياسي. الى ان تم قتل وتشريد ما تبقى منهم في معسكر اشرف في السنوات الأخيرة.

 في الجانب الآخر المثير لدهشة المراقبين والمهتمين والمنطوي على الكثير من التناقض، نجد اهمالا شبه تام للمعارضة الكردية الايرانية القوية والعريقة (حيث انها اسست جمهورية في كردستان ايران عام 1946)، وعلى الرغم من ذلك فأنها لم تتلقى اي دعم او تعاطف من قبل الغرب الأورو – الأميركي. فبعد ان كانت على وشك اعادة اعلان استقلال كردستان الايرانية بين أعوام(1979- 1982)، تراجعت عاما بعد آخر. تم تصفية قياداتها بالقتل المباشر في اوربا (سكرتيري الحزب الديمقراطي الكردستاني في ايران د. عبدالرحمن قاسملو، وصادق شرف كندي)، اضافة الى ان المتهمين بالقتل يتجولون في اوربا بزيارات عمل حكومي ودبلوماسي. ان فصول قصة تدليل (الغرب) لحكام طهران قد بدأت منذ أكثر من ثلاثين سنة ولم تنتهي بعد، دون ان تنتابها الا شيء من الصراع الظاهري والخلاف ذات الطابع الاعلامي والدبلوماسي.

حتى انه قبل عدة أيام من اتفاق جنيف تم اعدام عدد من المعارضين البلوش (السنة) بتهة الارهاب، اضافة الى أن عمليات اعدام العديد من النشطاء الكورد (العلماني والسني) مستمر قبل وبعد لقاءات جنيف، دون ايلاء اي أهمية للحدث المروع من قبل الجهات الغربية المختصة، ودون اعتراض من احد، لا المنظمات الانسانية الاورو- امريكية، ولا ممثلي الحكمومات المتفاوضة مع طهران. لقد اغلقوا اعينهم تماما، لدرجة انهم لم يوظفوا سلسلة الاعدامات حتى كورقة في المفاوضات كالعادة.

لايمكن ان أكرر ما قيل بخصوص هذا الاتفاق خاصة في شقه التقني، لكن ما أود التأكيد عليه، ان الغرب متمثلا في القوى العظمى قد قدم خدمة سياسية كبرى لحكام طهران، فاما هذا الغرب ساذج، على الرغم من نفي هذه التهمة من قبل الوزير كيري في المملكة العربية السعودية: “نحن لسنا سذجا في التعامل مع ايران”، أو ان القوى العظمى تفتعل هذه السذاجة لاستكمال فصول قصتها مع حكام طهران، وتحقيق هدف مستقبلي رئيس متمثل في اعادة تأهيل نظام الملالي سياسيا، وانقاذه اقتصاديا، وفك عزلته، وهو ما ترجم مؤخرا في ملتقى دافوس الاقتصادي – السياسي. وكان بداية الطريق لتأهيل نظام الحكم في طهران لتحقق المزيد من المنجزات السياسية والدبلوماسية بعد ثلاثين سنة من الحكم المطرب.

  لقد مر الحدث – الاتفاق كنهاية لخديعة كبرى، وتم ادراجه كخاتمة لمشكلة وموضوع باهت ومستهلك هو (امتلاك السلاح النووي). فاذا كان ممثلي الغرب ليس سذجا، وهم كذلك بالتأكيد، فمن السذاجة ايضا ان لا نأخذ من مجمل  سيرة  تعاملهم مع حكام طهران بعض النتائج الجوهرية:

أولها ان الغرب الحاكم لاينظر الى القضايا العالمية بمنظار أخلاقي ولا عاطفي، وانما يقيس المسأئل بمعايير المصالح والنتائج العملية، وحسب قاعدة: درئ المخاطر وتأمين المكاسب. وقد نجح حكام طهران في فهم هذه القاعدة، وتوفير اجابات واضحة لها، خلال عدة عقود. فقد أثبتوا انهم قوة مخالفة على الأرض، قادرة على خلط الأوراق، وقلب الحسابات الاقليمية، وتقويض السياسات الأمريكية والغربية بطرق وأساليب شتى.  ان سياسة الغرب الراهنة تفتقد الى منظومة قيم أخلاقية، كما انها غير محملة بمضامين فكرية واضحة، وهي بعيدة عن هموم وتطلعات شعوب المنطقة، لذلك بدت مشوشة ومضطربة وفي المحصلة ضعيفة وتحتاج الى مسار جديد، بل الى سند اقليمي، لاعادة ترسيم مسارها. والا ما هو تفسير تظاهر حكام طهران بالقوة، وحتى التهديد بالغاء الاتفاق بين فترة وأخرى، سوى حاجة الغرب لدورهم الجديد.

هذا وقد ساهم ايضا في تفضيل الغرب النسبي لحكام طهران، فشل النموذج التركي وعدم اسلتهامه في العالمين العربي والاسلامي، كما ان أخطاء الاخوان المسلمين في مصر عجلت من اعادة النظر في (مشروع التعاطف) التجريبي والحذر، لاستلام تيار الاسلام المعتدل للحكم في بعض الدول العربية.

أخيرا يبدو ان انقسام العالم الاسلامي بين دول ومرجعيات تقليدية (السعودية، مصر، تركيا)، وطبع الحركات الجهادية والسلفية المتطرفة بختم (الاسلام السني)، قد توجت حكام طهران كقطب مذهبي أكثر اعتدالا، ومرجعية سياسية وروحية اسلامية منفتحة فكريا، وأكثر تنظيما وتمركزا. لقد تشكل موضوعيا في العقود الأخيرة قطب مذهبي وحيد وصلب، قادر على ان يرسخ الثنائية المذهبية الاسلامية، ويلبي متطلبات الغرب المرحلية بفعالية، وان عبر أجندات وشعارات مخادعة.

وفي سياق التشكل والتبلور هذا، تم منذ عدة سنوات تفهم ومباركة التجاذب الروسي – الايراني السياسي، ومتابعة تطوره الى مستوى التحالف في أكثر من مكان، ليتحول الى ما يشبه حلف أيديولوجي مذهبي أرثوزكسي – شيعي لخرق وحدة العالم الاسلامي الظاهرية، وتثبيت انقسامه.

    أخيرا ما يستشف من حالة ضعف الغرب وانحنائه أمام حكام طهران، انها فقدت بوصلة التعامل مع العالم الاسلامي في هذه المرحلة، وهي لاتخشى رقعة الفوضى التي قد تتسع فحسب، وانما وبالقدر نفسه تخشى وحدة هذا العالم ووفاقه. وفي كلتا الحالتين قطبية وفعالية نظام طهران مطلوبة، وهذا ما يهمها في المقام الأول، وليس مراكز تخصيب اليورانيوم في ايران، الذي يدرك حكام طهران قبل غيرهم انها محض مسألة (فيزياء تطبيقية).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • كاتب وأكاديمي كردي