ماوريزيو كَارزوني (1734- 1804) أب الكردلوجيا…

ترجمة و إعداد: جلال زنكَابادي

   بدءً لا بدّ من تبيان تاريخ ورود الرهبان الدومنيكيين إلى العراق، وبالأخص كردستان، فقد إستقرّت أوّل رسالة كاثوليكيّة في العراق، وكانت للآباء الكبوشيين، الذين أسّسوا لهم ديراً في (1632) في مدينة الموصل، ونشطوا هناك حتى (1725)؛ إذْ أُضطرّوا إلى إغلاق ديرهم ومغادرة تلك المدينة؛ إثر تعرّضهم لإضطهادات أدّت إلى مقتل أحد الرّهبان، إلّا أنّ (الكرسي الرسولي) ظلّ حريصاً على إقامة علاقات التفاهم والتواصل بينه وبين الكنائس الشّرقيّة والمشرقيّة النسطوريّة؛ فطلب من (الرهبنة الدومنكيّة) أنْ تعمل في بلا ما بين النهرين و كردستان..وعليه؛ فقد تأسّست (الرسالة الدومنيكيّة) سنة 1748 في الموصل، بموافقة البابا بندكتس السّادس عشر، و أوفدت إليها أوّل طليعة من الإخوة الواعظين، متكوّنة من الأب دومنيكو كوديليونجيني والأب فرانشيسكو تورياني، والكرملي لياندرو للقدّيسة سيسيليا؛ لمعرفته اللغة العربيّة والمنطقة..وقد وصلوا الموصل في (10 كانون الثاني 1750) وفي (30 أيلول 1753) وافت المنيّة الأب دومنيكو، و دفن في دير مار كَوركَيس قرب الموصل. و واصلت الرسالة نشاطها التبشيري حتى 1815 في ظروف متباينة، ثمّ انقطعت عن العمل حتى سنة 1840، ومن ثمّ تغيّر المبشّرون فيها إلى فرنسيين منذ 1859

أمّا Maurizio Garzoni  = ماوريزيو كَارزوني (تولّد 1734- مدينة تورينو) فقد وصل إلى الموصل في 1762حيث أصبح ناظراً للرسالة الدومنيكية خلال (1770- 1781) لكنّه أضطرّ إلى العودة إلى أوربّا في 1783؛ إثر إصابة عينيه بمرض، ثمّ عاد في 1786إلى الموصل، إلّا انّه لمْ يمكث فيها سوى سنتين، و عاد إلى أوربا في 1788، حيث كان القيّم (قواعد و معجم اللغة الكرديّة) قد نشر في 1787والذي أُعيد نشره لاحقاً في 1826وبيعت نسخٌ منه في مدن: أستانبول، بغداد و دياربكر.

  من الجليّ أن كَارزوني قد ألّف كتابه؛ بغية تمكين المبشّرين المسيحيين من مكالمة الناطقين باللهجة الكرمانجيّة الشّماليّة. ولأنّه كان يدرك أهمّيّة معرفة اللغة الكرديّة؛ فقد كتب في ذات تقرير ما فحواه أنّ بين المسيحيين أنفسهم من كان يكتب و يقرأ كلّ حسب لغته الخاصة، و مع ذلك فإن جميعهم بحاجة ماسّة لمعرفة اللغة الكرديّة؛ ليس من أجل تواصلهم اليومي مع المسلمين فحسب، بلْ من أجل تمشية معاملاتهم الإقتصاديّة مع الملّاكين الكرد و زعماء العشائر الكردية في المنطقة.

  لقد ساهمت الرسالة الدومنيكيّة تبعاً لإستقصاء الكردلوجيّة الإيطاليّة ميريلا  كَاليتي (1949- 2012) ساهمت كثيراً في التعريف بكردستان وسكّانها؛ بمؤلّفاتهم المفيدة، حيث برز بينهم الآباء: لانزا (1)، كَارزوني و كمبانيلي (2) و الذين تناولوا اللغة الكرديّة والتشكيلات السياسيّة والإجتماعيّة والإقتصاديّة، وخلّفوا وثائق ثمينة؛ لتفهّم المجتمع الكردي، و ملحوظات مهمّة عن عادات وتقاليد وديانات شعوب كردستان ” ولو أنّ هذه التقارير تحمل غالباً نظرة أوربية منحازة” وتؤكّد كَاليتي على دوكَمائيّتهم قائلةً: ” و لابدّ من القول أنّ هؤلاء الرّهبان كانوا عادةً يرسمون النواحي السّلبيّة والغريبة للمجتمع الكردي، حسبما تبدو لأعينهم، بينما كان الرّحّالة من العلمانيين وذوي الأفكار التحرّريّة أمثال: ديلا فالي (3) و دي بيانكي (4) يقيّمون النواحي الإيجابيّة والخصوصيّات المهمّة، و ذلك بكلّ اهتمام، مع تقبّل لما عليه الأكراد، دون محاولة تغيير، أو تشويه في مجرى حياتهم، أو مساس بالأسس الخلقيّة والثقافيّة، التي يرتكز عليها مجتمعهم” وهي تعدّ كَارزوني من بينهم ” أوّل من دافع في الغرب عن أصالة اللغة الكرديّة؛ إذْ كانت تُعَد لهجة فارسيّة حتى يومذاك” وإنْ كان ديلا فالي قد لاحظ في القرن السّابع عشر أنّ “للأكراد لغتهم الخاصّة، و هي مختلفة عن اللغات المجاورة: العربيّة، التركيّة والفارسيّة..لكنّ لغتهم تقترب إلى الفارسيّة أكثر من قربها إلى أيّة لغة أخرى”

  و فيما يلي ترجمتنا لتقديمها باللغة الإنكَليزيّة (5) لـ (قواعد و معجم اللغة الكرديّة) (6) :

{ هذا الأثر مهم جدّاً في تاريخ الكرد؛ لأنّه أوّل إعتراف ذو أساس علمي بأصالة اللغة الكرديّة ؛ بحيث نال عليه ماوريزيو كَارزوني لقب (أب الكردلوجيا) (7) و (رائد القواعد الكرديّة) (8) و كما يقول فرانشيسكو بريداري: ” لمْ يفكّر قبله أحد في اللغة الكرديّة من بين المستشرقين الأوربّيين الكبار” و يؤكّد أنجيلو دي كَوبيرناتيس أنّ كَارزوني ” يستحق أنْ يُعَدّ من الطلائع في دراسة اللغات الشّرقيّة”

  يشتمل المعجم الذي ألّفه كَارزوني خلال السنوات (1764- 1775) على حوالي (4600 مفردة) ومقدّمة (74صفحة) مخصّصة لعناصر قواعد اللغة الكرديّة حسب طريقة تقريبيّة، لا سيّما ما يخصّ التلفّظ الصوتي للكلمات؛ ممّا تعيق مشكلات عدّة إستخدامه في وقتنا الحاضر، بلْ ينبّه المؤلّف نفسه بخصوص هذا التقصير في مقدّمته: ” أعرف أن هذه القواعد لا تخلو من قصور في بعض أقسامها، لكنني سأنال عطف الناس اللبيبين؛ لأنني أوّل مَنْ عقدت العزم على إبراز لغة إلى حيّز الوجود كانت مجهولة حتى الآن، دونما عون من أحد ودونما أيّ كتاب في أيّة لغة أخرى، تحدوني غايتي الوحيدة، ألا وهي مساعدة مبشّري المستقبل” (ص 9)

 يعتقد كَارزوني بالأصل الفارسي للغة الكرديّة، التي ” تحوّرت بمضيّ الزمن؛ بإقتباس ألفاظ عربيّة عديدة، و تحوير ألفاظ كلدانيّة (سريانيّة)؛ بحيث نشأت منذ بضعة قرون لغة جديدة مختلفة عن اللغات الأخرى، واتّخذت إسماً خاصّاً ميتقلّاً لها” (ص 3)

 ويقول هذا الدومنيكي المبشّر أنّ الكرديّة لغة محكيّة، وليست لغة تدوين، ويغض النظر عن وجود أدب كردي ذي تقاليد عريقة (9) فيقول: “يستخدم الكرد في كتاباتهم اللغة الفارسيّة الأدبيّة، التي لا يفهمها سوى علمائهم، أمّا المسحيّون المتواجدون بينهم فيستخدمون الخطّ الكرشوني في كتبهم، إذْ يكتب النساطرة باللغة الكلدانيّة (السّريانيّة الشرقيّة) والأرثودكس بالسريانيّة (الغربيّة) والأرمن بالأرمنيّة، و لكنّهم مضطرّون جميعاً إلى تعلّم اللغة الكرديّة؛ ليس للتجارة مع المسلمين فحسب، بلْ لمصالحهم لدى أسيادهم” (ص 8)

و يميّز كَارزوني خمس لهجات في اللغة الكرديّة؛ حسب الإمارات: كاراجولان (قلاجوالان)، آميدي، جوله ميرك، جزيرة و بتليس (ص 4) (10) وهو يستخدم في معجمه لهجة آميدي (العماديّة)؛ لأنه عاش هناك فترة طويلة (11) و كان يحسبها أنقى من سواها (12) وستغدو لاحقاً موضوع أبحاث أكثر من سائر لهجات (الكرمانجيّة) (13) و ذلك  لأولويّة (آميدي) سياسيّاً وإقتصاديّاً.

و في مقدّمته الوجيزة، يعطينا المؤلّف بعض المعلومات: الجغرافيّة، الإقتصاديّة، التاريخيّة والسّياسيّة عن كردستان، حيث يقول: ” تُقسم (كردستان) إلى خمس إمارات كبيرة إسلاميّة، تخضع للباب العالي العثماني، و بعضها للفرس أحياناً، و هي: إمارة بدليس، إمارة الجزيرة (بوتان)، إمارة جوله ميرك و إمارة قلاجوالان. و في المقدور تجنيد إثني عشر ألف و نيف محارب في كلّ واحدة منها” (ص 3)

  و يتطرّق كَارزوني إلى تفاصيل أكثر، حيث يصف سبل الوصول إلى السّلطة، فيقول: ” لا يملك أمراؤهم عن طريق الوراثة أباً عن جد دائماً، إنّما بانتقال السلطة إلى أحد أفراد العشيرة؛ إثر منازعات شتّى و خيانات، فهذه القبائل مقسّمة إلى عشائر عديدة، وكل واحدة تُدعى (عشيرة)، ومنها تتشكّل عساكرهم، ولكلّ عشيرة رئيس يوليه أمير القبيلة، لذا طالما يحدث أن تثور هذه العشائر ضد أميرها؛ إذْ تتحد ثلاث أو أربع منها لمحاربة الأمير؛ فتخلعه إذا أفلحت، وتنصب أميراً آخر بديلاً في الحكم، و دوماً من الأسرة نفسها” (صص 5 و 6)

للأسف لم يخلّف كَارزوني كتابات أخرى في هذا الموضوع (14)؛ و ذلك خسارة كبيرة؛ لكونه ضليعاً في شؤون الكرد و كردستان زمانذاك؛ فقد كانت قابليّته وخبرته كبيرتين في المجال السّالف الذكر}

   هوامش وإشارات:

(1) Dominico Lanza = دومينيكو لانزا (1718- 1782): راهب و مؤرّخ إيطالي دومنيكي عاش سنين طويلة في الموصل، كان سلف كَارزوني هناك. له كتاب (الموصل في القرن الثامن عشر) منشور في 1951- الموصل. (ج.ز)

(2) Giuseppe Campanile = جوزيبي كامبانيلي (1762- 1835): راهب إيطالي دومينيكي خلّف كَارزوني، و هو مؤرخ وعالم أجناس له كتاب (تاريخ اقليم كردستان و الملل والنحل فيها) منشور في 1818 في نابولي. والجدير بالذكر أن أستاذه وصديقه كَارزوني قد ساعده في تأليفه. ويُذْكَر أن الكردلوجي توماس بوا قد ترجمه إلى الفرنسيّة، لكنّه لم ينشره، وإنّما إستشهد بنتف مقتطفة منه في كتابه (l’ame des Kurdes a la lumiere de leur folkore) المنشور في 1946(ج.ز)

(3) Pietro Della Valle = بيترو ديلا فالي (1586- 1652) رحّالة إيطالي. كان ضليعاً باللغات: العربيّة، التركيّة والفارسيّة. له كتاب (أسفار بيترو ديلا فالي الرحّالة، وصفه هو نفسه في رسائل عائليّة) منشور في 1667 وهو مصدر ثري بالمعلومات عن الكرد. وهو يُعَد قمّة الإبداع في أدب الرحلات بالإيطاليّة. (ج.ز)

(4) Alessandro De bianche = اليساندرو دي بيانكي (ت: 1896) له كتاب (رحلات إلى أرمينيا و كردستان و لازستان) منشور في 1863 ميلانو. (ج.ز)

(5) ترجمته عن الإنكَليزيّة والترجمة (الكرمانجيّة الشّماليّة) لشريف دَرِنجه مع إستشارة الترجمة العربيّة عن الإيطاليّة للدكتور يوسف حبي (المصدر رقم 1)، علماً أنّ تقديم ميريلا كَاليتي هو لطبعة (2008) لمخطوط الكتاب الأصلي المحفوظ في جامعة أوكسفورد ( University Oxford)، علماً أنّ الكتاب منشور لأوّل مرّة في روما، في سنة 1787 (288 صفحة) وهناك نسخة رقمية له محفوظة في المعهد الكردي في باريس. (ج.ز)

(6) Maurizio Garzoni , Grammatica e Vocabolario Della Lingua Kurda, Roma, stamperia della Sacra Congregazione di Propaganda Fide, 1787, 288 pp.

(7) (Padre de lla Curdologia  ) من قبل: الكردلوجي نيكيتين. (ج.ز)

(8) ( The pioneer Kurdish grammarian) من قبل: ل. و. فوسوم. (ج.ز)

(9) وهنا ردّاً على زعم كَارزوني؛ تشير كَاليتي إلى كتاب (تاريخ الأدب الكردي) لسجّادي، وكتابين لتوماس بوا؛ تأكيداً لوجود أدب كردي مدوّن منذ قرون مديدة (ج.ز)

(10) من البداهة أن هذه اللهجات (محلّيّة محدودة) لا تشتمل حتى على سائر لهجات (الكرمانجيّة الشماليّة)؛ فكيف تشتمل على لهجات اللغة الكرديّة جمعاء؟! (ج.ز)

(11) كَارزوني هو المرسل الثاني الذي عاش في العمادية، بعد سولديني= Soldini (م . كَاليتي)

(12) سيكرّر(بيوندلي) ذلك في القرن التاسع عشر (م . كَاليتي)

(13) بهذا الخصوص تذكر كَاليتي بضعة كتب لروجيه ليسكو، جويس بلو و سون (ج.ز)

(14) حسب إشارة دومنيكو سيستيني (م. كَاليتي)

المصادر:

(1) التراث الكردي في مؤلّفات الإيطاليين/ للإيطاليّة ميريلا غاليتي/ تعريب و تعليق و إيضاحات: د. يوسف حبّي – عضو المجمع العلمي العراقي/ مجلّة المجمع العلمي العراقي (الهيئة الكرديّة) المجلّد الثّامن 1981/ (صص 225- 300)

(2) http://www.avestakitap.com  

(3) http://www.kulturname.com/?p=7856,DEC

(4) http://www.kurdishacademy.org/?q=node/579

(5) The legacy of the Dominicans / انترنت