الأمير بدرخان بك

وشيوخ الطريقة النقشبندية

وملاحظات أخرى

تحسين إبراهيم الدوسكي

نشر الأخ م. نذير باسنيي مقالة في العدد (115) من مجلة (نوبهار) الصادرة باللغة الكردية في مدينة اسطنبول تحت عنوان (انتفاضة بدرخان بك  وشيوخ النقشبندية)، نشر فيها نص وثيقة مأخوذة من الأرشيف العثماني، وهي عبارة عن رسالة بعثها والي إيالة دياربكر المدعو محمد خير الدين إلى عدد من مشايخ الطريقة النقشبندية في كردستان، يدعوهم فيها إلى تقديم النصح للأمير بدرخان بك البوطاني الذي كان يرفع حينئذ لواء العصيان -على حد تعبير الدولة- في وجه العثمانيين، ويرغّبهم في مد يد العون للسلطان وأركان دولته العلية، وذلك بدعوة مريديهم إلى التخلي عن بدرخان وترك صفوفه، إذا ما أصر الأمير على عدم الرجوع إلى طاعة الدولة، وتسليم نفسه!

وبعد نشر نص الترجمة الكردية لرسالة الوالي التي كانت عربية اللسان، يتساءل الأخ الكاتب عن موقف أولئك الشيوخ من الرسالة، ويذكر أنه لا يملك جواباً على هذا السؤال لعدم وجود وثائق ومصادر تتعلق بهذه المسألة بين يديه.. وهو بهذا يترك الباب مفتوحاً والسؤال مطروحاً، ولما كان تحت أيدينا بعضاً من الجواب المأخوذ من بعض الوثائق العثمانية كذلك، أردنا أن نلقي قبساً من الضوء على هذه المسألة التي لم تنل بعد حظها من البحث والدراسة، عسى أن تكون هذه المداولة دافعاً للإخوة الباحثين في تاريخ انتفاضة الأمير البوطاني كي يتوسعوا في بحث المسألة وتحليلها.

بدرخان بك وانتفاضته:

لا نريد هنا التوسع في تاريخ الأمير بدرخان، ولا تاريخ انتفاضته ضد سلطة الدولة العثمانية في أواسط القرن التاسع عشر الميلادي، فذلك شيء لا يسعه بحثنا هذا، لكننا نريد هنا أن نعرف مختصراً بالأمير بدرخان بك، حتى نكون على بينة ببعض عوامل ظهوره وأسباب سقوطه.

الأمير بدرخان سليل أمراء أسرة آزيزان، نسبة إلى آزيز (عزيز) وهو عبد العزيز بن سليمان بن خالد الجد الأعلى للأسرة ومؤسس حكمها، وقد ذكر المؤرخون سلسلة نسبه هكذا: بدرخان بن عبد الله خان بن مصطفى خان بن إسماعيل خان بن منصور خان بن شرف خان الثاني بن محمد خان بن شرف خان الأول.. وبقية النسب مذكور في كتاب (شرفنامه) الذي ألفه الأمير المؤرخ شرفخان البدليسي حيث كان معاصراً للأمير شرف خان الأول.

ولا تتفق الروايات التاريخية على سنة معينة لولادة هذا الأمير إلا أن هناك روايتان مشهورتان حول ذلك هما: سنة 1802، وسنة 1806، ومهما يكن فإن ولادته تتحدد في بدايات القرن التاسع عشر الميلادي.

وكما كان تاريخ ولادته محط أخذ وعطاء، كان تاريخ (وكيفية) توليه حكم الإمارة كذلك محل نزاع، ففي حين يرى كثير من المعاصرين -اعتماداً على قول بلج شيركو- أنه تولى الحكم سنة 1821 عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، نرى أن هذا لا يتطابق مع تصريح لبدرخان نفسه حول تاريخ توليه للحكم، فقد ذكر لمستشرقين هما د. رايت وبرث زاراه سنة 1844 أنه تولى السلطة منذ ثمانية أعوام، وهذا يدل على أنه تولى الحكم سنة 1836([1]).

ثم إنه ورد في مصدر تاريخي موثق([2]) صدر مؤخراً أن الأمير مرتضى بك كان حاكماً في الجزيرة سنة 1818، ومعلوم أن هناك أمراء آخرون حكموا في الفترة التي بين حكم الأميرين مرتضى بك وبدرخان بك، بل الثابت أن أحدهم فقط وهو الأمير سيف الدين حكم ست سنوات، فلا يعقل إذن أن يكون الأمير بدرخان بك حاكماً سنة 1821.

وعليه فالراجح لدينا هو الرأي القائل بأن تاريخ تولي بدرخان بك للحكم هو سنة 1836، إي قبل لقاء المستشرقين المذكورين أعلاه به بثماني سنوات، كما ذكر الأمير بنفسه ذلك لهما.

وعن كيفية انتقال الحكم إلى بدرخان فثمة من يقول: إن والد بدرخان عبد الله خان (عبدال) كان أميراً على الجزيرة، وبعد وفاته تولى الإمارة ابن عمه سيف الدين الذي كان سليم النية زاهداً في أمور الدنيا، لدرجة أنه أغفل القيام بواجبات الإمارة فاختل نظامها، وأخذ رؤساء العشائر يخرجون عن طاعته ولم يستطع بدرخان بك السكوت على هذا الأمر، وأخذ يتدخل في شؤون الإمارة، واعترف الأمير سيف الدين بأنه غير كفؤ في إدارة شؤون حكومته، فاعتزل الحكم وانصرف إلى العبادة. ولأن صالح بك كان أكبر أبناء عبد الله بك، فقد جلس هو مكان الأمير سيف الدين، ولكنه هو الآخر كان منصرفاً إلى العبادة، وعزف عن تولي الحكم، إلا أن أخاه بدرخان ألح عليه بقبول الإمارة، فتقلدها مدة من الزمن ثم أخذته الجذبة فتخلى عن كرسي الإمارة، وتركها لأخيه الأصغر منه بدرخان([3]).

هذا ما ذكره المؤرخ التركي لطفي، لكن ما ذكره عن الأمير سيف الدين لا يتطابق مع الواقع التاريخي، فالثابت عنه أنه حكم ست سنوات، وأنه تصارع مع بعض رجال الدولة، كما سيأتي.

وهناك رواية أخرى تقول: إن الأمير سيف الدين نازع عمه (وليس ابن عمه) الأمير عبد الله وانتزع منه الحكم بمساعدة من العثمانيين، وهذا ما دفع بأبناء عمه عبد الله خان إلى اتخاذ موقف سلبي منه، حتى أن بدرخان حرّض العشائر ضده وأخذ يتدخل في شؤون الإمارة، حتى أجبر ابن عمه الأمير سيف الدين على التخلي عن الحكم، فوضع الأمير بدرخان أخاه الأكبر صالحاً مكانه، لكنه سرعان ما تنازل عن الحكم لأخيه بدرخان بسبب انشغاله بالتصوف([4]).

ولكن جوانب من هذا الرأي لا تثبت أمام النقد التاريخي، فقد ثبت أن تنحي الأمير سيف الدين عن الحكم كان بسبب خروجه عن طاعة الدولة ومقاومته للجيش العثماني الذي قاده رشيد باشا والي سيواس، وقد أشارت وثيقة رسمية من وثائق الأرشيف العثماني إلى أن حروباً وقعت بينه وبين رشيد باشا..([5])

ثم إن كان للأمير سيف الدين من القوة والأتباع ما أمكنه من انتزاع الحكم من الأب أفيتنازل بهذه السهولة للابن لمجرد تدخله في شؤون الإمارة، أما كان الأولى به أن يضع حداً للابن وتدخلاته، بدل أن يترك الساحة له ببساطة؟!

والذي نميل إليه هو أن الأمير سيف الدين بعد انتزاعه الحكم من عمه عبد الله خان، عمل على توطيد أركان حكمه، ونجح في ذلك،  إلا أن الدولة العثمانية كانت قد قررت إعادة المركزية إلى الأقاليم، مما دفع بالدولة إلى شن حملات عسكرية على كردستان بقيادة والي سيواس رشيد باشا، الذي حاصر الجزيرة في ربيع سنة 1836، فتراجع الأمير ومعه بدرخان بك إلى قلعة حصينة شرقي الجزيرة، وبعد معارك تميزت بالكر والفر تمكن رشيد باشا من السيطرة على القلعة، بعد أن فرّ الأمير سيف الدين منها متوجهاً نحو بغداد، وحينئذ قام الأمير بدرخان مضطراً أو مختاراً بالاتفاق مع العثمانيين اتفاقاً تمخض عن توليه مقاليد الحكم مقابل الولاء للدولة.. وبعد وفاة رشيد باشا في بدايات سنة 1837 رجع الأمير سيف الدين إلى الجزيرة ليجد الوضع قد تغير، وأن ابن عمه بدرخان بك قد أصبح الأمير المطاع، وبعد رجوعه قرر الأمير بدرخان بك وضع ابن عمه الأمير سيف الدين تحت ما يشبه الإقامة الجبرية حتى وفاته في بداية سنة 1846([6]).

وقد وردت الإشارة إلى حروب الأمير سيف الدين مع رشيد باشا ضمن وثيقة محفوظة في الأرشيف العثماني تحت رقم (2/1268) وهي عبارة عن رسالة لوالي الموصل أسعد باشا أرسلها إلى اسطنبول، ونص الإشارة هي: ((وكان من آثار ذلك أن عز الدين شير بك، وهو من أبرز وجوه آل الأمير المشار إليه، وهو ابن الأمير المتوفى سودي([7]) الذي حدثت بينه وبين المتوفى رشيد باشا حروب..)) .

ولعل ما فعله بدرخان بك مع الأمير سيف الدين هو الذي أوغر صدر ابنه عز الدين شير (يزدان شير) على الأمير بدرخان حتى دفعه إلى اللجوء إلى العثمانيين، والتحالف معهم ضد بدرخان بك في أكثر الأوقات حساسية، كما سيأتي معنا لاحقاً، وكأنه أراد بذلك أن يرد على الأمير بدرخان الصاع بصاعين!

إذن الأقرب إلى الواقع أن يكون الأمير بدرخان قد تقلد زمام الحكم في الجزيرة ونواحيها منذ ربيع سنة 1836 وبقي في الحكم حتى أواخر شهر تموز سنة 1847([8]) حيث سلم نفسه للعثمانيين فأرسلوه معززاً إلى اسطنبول، ليقضي بقية عمره في المنفى، إذ تنقل بين اسطنبول وجزيرة كريت ومدينة دمشق التي مات بها سنة 1869 ودفن بالمقبرة التي دفن فيها الشيخ خالد النقشبندي والتي تقع في حارة الأكراد.

أما انتفاضته التي أسفرت عن تأسيس حكومة، وعقد حلف مع عدد من أمراء وأعيان كردستان، والتي شغلت الفترة الممتدة بين سنتي (1842-1847) وانتهت بعد جملة معارك مع الجيش العثماني الذي قاده أمير حلب السابق المشير عثمان بك، فقد أشبعها الباحثون بالدراسة، ولسنا هنا بصدد الحديث عنها، لكن ما يهمنا هنا الوقوف عنده هو موقف شيوخ الطريقة النقشبندية المنضوين تحت حكم بدرخان بك، وتأثيرهم في خذلان الأمير ودفعه إلى الاستسلام، وهو بيت القصيد من بحثنا هذا.

نشاط والي دياربكر (النقشبندي) المعادي لبدرخان بك:

ونعني بوالي دياربكر هنا محمد خير الدين باشا الذي ذكر في إحدى رسائله أنه من أتباع الطريقة النقشبندية، وأن له إجازة في الطريقة أخذها من الشيخ الحاج محمد عارف أفندي النقشبندي الخالدي الطوسي، ومعلوم أنه كان من القادة العثمانيين الذين أدوا دوراً مهماً في التصدي لحركة بدرخان بك ومؤيديه من الأمراء والأعيان الكرد، بحكم موقعه الحساس، وهو توليه حكم إيالة دياربكر، ويبدو لنا نشاطه المعادي لبدرخان من خلال رسالتين له محفوظتين لحد الآن ضمن الأرشيف العثماني:

إحداهما بالعربية بعث بها إلى عدد من مشايخ النقشبندية الكرد، يدعوهم فيها إلى تقديم النصح للأمير بدرخان، ويلوّح لهم بالترغيب حيناً والترهيب حيناً، وقد نشر الأخ م. نذير باسنيي صورتها مع ترجمة كردية لها في مقاله المشار إليه في بداية هذا البحث.

والثانية بالتركية أرسلتها إلى قيادته في اسطنبول يتحدث فيها عن نشاطاته المكثفة في العمل من أجل تأليب الناس ضد الأمير بدرخان، وبحوزتنا نسخة مصورة منها.

وسنقوم أولاً بنشر نص الرسالة الأولى، مستقاة من مقالة الأخ م. نذير، ثم نعلق عليها ما بدى لنا، وبعد ذلك نقوم بنشر فقرات من الرسالة الثانية متعلقة بالموضوع نفسه، إكمالاً للصورة، وجواباً للسؤال الذي أثاره الأخ م. نذير في نهاية مقالته.

أولاً: رسالته لعدد من المشايخ:

وهذا نصها:

هو الحي القيوم

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد: نسلم ونريد السلام التام إلى مشايخ الطريقة النقشبندية، أعني بهم: الشيخ صالح أفندي، والشيخ إبراهيم أفندي، والشيخ حامد أفندي، والشيخ عزرائيل أفندي، أحسن الله أحوالهم، فاعلموا أيها الإخوان نحن من مرداء طريقة الخالدية، ومن مخلصي خاندان النقشبندية، وقدمت خدمة كثيرة لمشايخ تلك الطريقة، وأخذت إجازة من حضرت شيخنا ومولانا الشيخ الحاج محمد عارف أفندي النقشبندي الخالدي الطوسي -قدس سره-، وفي يدي مكتوب الإجازة، وأرسلت صورة إليكم لتنظروا إليه، وتعلموا أني من إخوانكم في الطريقة، وبهذا السبب نريد منكم النصيحة إلى بدرخان بك، لأنا إخوان في الطريقة.

عن تميم الداري أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- قال: (الدين النصيحة) ثلاثاً.

وعن جرير -رضي الله عنه-، قال: بايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم.

وفي شريعتنا وطريقتنا الإتباع لأمر سلطان المسلمين وإمام الموحدين خليفة رب العالمين واجب ولازم على كل مسلم، قال الله -عز وجل- قال في كتابه المبين: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

 حدثنا أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني).

عن أبي أمامة يقول: سمعت رسول الله -عليه السلام- يخطب في حجة الوداع، فقال: (اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم).

والآيات والأحاديث في هذا الشيء كثيرة، وكتب العقائد مشحونة بوجوب الإطاعة إلى سلطان المسلمين، وإمام الموحدين، ومرادنا من كتب هذا الكتاب إلى جنابكم أنتم إخواننا في الطريقة، وبدرخان بك نسمع أنه داخل في الطريقة النقشبندية، والواجب عليه وعلى كل أحد أن لا يخالف سلطاننا سلطان المسلمين، مؤيد الدين المبين، ناصر الشريعة القويمة، وسالك الطريقة المستقيمة، وهو السلطان عبد المجيد خان، خلد الله ملكه، وأيد سلطنته، إلى انتهاء الزمان، وأيده الله بألوية النصر آمين.

لأن في طريقتنا الإتباع إلى سنن النبي -عليه السلام- واقتفاء أثر الأصحاب وأثر صلحاء الأسلاف أمر لازم، وهل سمعتم من لدن رسول الله -عليه السلام- إلى يومنا هذا من صلحاء الأسلاف أو من سادتنا النقشبندية أو من مولانا ضياء الدين المخالفة وعدم الإطاعة إلى سلطان وقتهم، ومعلوم عند كل أحد طريقة المخالفة لا يوصل سالكه إلى المطلوب، والعقلاء لا يسلك إلى هذا الطريق.

عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).

وبسبب إخوتنا وبغيرة طريقتنا اللازم علينا أن نفيدكم خير الكلام، والحصول منكم النصيحة إلى بدرخان بك إن كان يخاف من روحه وماله وعياله وأقربائه، أنا متعهد له من طرف سلطاننا الأعظم وخاقاننا المعظم مولى ملوك الروم والعرب والعجم، ثبت الله أركان دولته، ولا زالت الأرض مشرقة بأنوار معدلته، تعهداً قويا إن جاء إلى طرفنا في هذا الأوان، ونعطي له الأمان، ونرسله إلى عند السلطان، وينعم السلطان عليه، ويعطيه الأمان، والرتب العالية.

وأرسلت إليكم هذه الورقة لتعتمدوه غاية الاعتماد، وتكونوا سبباً لنجاة الفقراء والضعفاء، وسبباً لمجيء بدرخان بك معكم إلى طرفنا  يكون الحال أحسن الأحوال، وإلا يكون وزر ووبال الفقراء والمساكين عليه، ويكون منضوياً عند الله ورسوله، ومنضوياً عند السلطان وعند جميع الناس مغضوباً عليه، وإن لم يأتِ معكم إلى طرفنا فلا تتبعوه ولا تكونوا معه، وتعتمدوا على كلامنا غاية الاعتماد، وبدرخان بك إذا لم يطيعكم ويقبل نصحكم، سمعنا أن مريديكم ومخلصيكم كثر، احذروا مع مريديكم منه، وجيئوا مع مريديكم ومخلصيكم إلى طرف الدولة العلية، وهو يبقى خاسراً ويرى ما يرى إن شاء الله تعالى، والسلام ختام الكلام  

من صاحب محمد خير الدين والي أيالة دياربكر.

أما المشايخ المذكورون في بداية الرسالة وهم أربعة، فقد تمكنت من معرفة اثنين منهم فقط، وهما: الشيخ صالح والشيخ حامد، أما الشيخ إبراهيم والشيخ عزرائيل فلم أظفر بترجمتهما فيما عندي من المصادر.

أما الشيخ صالح فهو صالح السيبكي، أصله من عشيرة (سيبكان) ـ بإمالة الياء وبالباء العجمية ـ من نواحي بدليس، كان من أقرباء رئيس تلك العشيرة، لكنه زهد عن الوجاهة الدنيوية وقصد الشيخ خالد الجزري في (باصْرَت) التابعة لجزيرة بوطان، وأخذ منه الطريقة النقشبندية، وكان الشيخ خالد هذا من خلفاء الشيخ خالد الشهرزوري.

لا تذكر المصادر التي بحوزتي تاريخ ولادته ولا وفاته.

أصبح الشيخ صالح خليفة للشيخ خالد الجزري بعد وفاته.

وفي عهده اشتدت شوكة الطريقة النقشبندية في تلك النواحي، وأصبح موفور الجانب لدى الحكام والعوام على السواء، وقد كان الأمير بدرخان بك يعزه ويوقره، بل كان السلطان العثماني عبد المجيد نفسه يجله، ويقال إنه بعث ذات مرة برسالة إلى السلطان طلب فيها الإنعام على خليفته الشيخ حسن النوراني، فأمر السلطان باقتطاع (52) قطعة أرض له في ناحية (آقتبه) التابعة لدياربكر، كما أمر ببناء تكية ومدرسة له هناك، فاستقر الشيخ حسن هناك، وجلس للإرشاد والتدريس، وأرسل له السلطان الهدايا والخلع.

من أشهر خلفائه في الطريقة: الشيخ الشاعر الملا محمد الفرسافي الملقب بالحزين والشيخ حسن الآقتبـي المعروف بالنوراني، والشيخ محمد العيني الذي حل محله بعد وفاته.

مات في باصرت ودفن إلى جنب شيخه خالد الجزري([9]).

وأما الشيخ حامد فهو حامد بن عبد الله بن ميرزا المارديني، ولد في مدينة سيرت سنة 1217 هـ ونشأ بها، في حجر والده، وتلقى العلم من والده، وغيره، أخذ هو الآخر الإجازة النقشبندية من الشيخ خالد الجزري ، كما أخذ الإجازة القادرية من والده، أقام في ماردين أربعين سنة، واشتغل بالعلوم والإرشاد، وسلك على يده كثير من أبناء المنطقة من الكرد والعرب والترك، ومات سنة 1299 هـ عن اثنين وثمانين سنة.

له تآليف منها: الرسالة الوهبية في سنن الصلاة الرباعية، وله حاشية على تفسير البيضاوي، وحاشية على نخبة الفكر لابن حجر، وحاشية على الفوائد الضيائية، وله رسالة في علم الكلام.

وكان ابنه الشيخ إبراهيم من خلفائه، وقد ولد في سيرت سنة 1237 هـ ونشأ بها، وتلقى العلم والطريقة من والده، له نظم وتأليف في التصوف والأدب، توفي سنة 1313 هـ في عينكاف  في قضاء كرجوز التابع الآن لولاية باطمان ([10]).

أما ماذا كان جواب المشايخ لرسالة الوالي؟

فقد جاء ذلك في رسالة أخرى للوالي نفسه، وهي بالتركية، ومحفوظة في الأرشيف العثماني تحت رقم (6/1266):

((.. ولما كان بدرخان المومأ إليه وأكثر أهالي المناطق التي يحكمها من الطريقة النقشبندية العلية، وأتباع مولانا خالد، كما أن خلفاء مولانا المشار إليه الشيخ صالح أفندي وحامد أفندي وإبراهيم أفندي وعزرائيل أفندي موجودون لدينا، ولما سمعت بأنه يسمع لرأي هؤلاء المشايخ، كتبت إليهم رسالة بالعربية، وقلت بأن الطريقة النقشبندية العلية، وكذلك الطرق الأخرى يرون أن الانقياد للدولة العلية الأبدية وسيلة النجاة في الدارين، كما أن مخالفتها تجلب الندم والخسران، وأن أهل الطريقة لا يمكن قبول ذلك بأي شكل من الأشكال، وأنني بنفسي من أتباع الطريقة العلية، ولكي لا يمس إخواننا أي ضرر، وألا يكونوا مذمومين ومنبوذين بين الأنام إلى قيام الساعة بسبب عدم طاعتهم لإمام المسلمين، وطلبت منهم النصح للأمير المومأ إليه، وأدرجت فيها الآيات الكريمة والأحاديث النبوية، وبينت بأنه لن يمسه أي سوء في نفسه وماله وعرضه، وأنه في حال لجوئه إلى الدولة العلية سيمنح رتبة أمير الأمراء الرفيعة، وسينال التكريم السلطاني، وللتأكيد على ضمان ميلهم قلت: بأنني كذلك  من منتسبي الطريقة العلية، وأدرجت صورة الإجازة التي لدي، وأرسلتها إلى المشايخ المومأ إليهم، وقد علمت بأنهم بعد قراءة هذه الرسالة، أرسلوا إليه من يقول بأن الطاعة والانقياد للدولة العلية فرض علينا ظاهراً وباطناً، ولا بد لك من الطاعة واللجوء وإلا فإن عدد إخواننا من أتباع الطريقة النقشبندية العلية في هذه المنطقة عشرون ألفاً نأخذهم جميعاً، ونلجأ بهم إلى الدولة العلية، فارجع إلى رشدك وصوابك، ولن ننفعك في شيء، وقد علمنا بأن الأمير المومأ إليه لم يعد يشعر بالأمان وهو بصدد التحصن بالقلعة، هذا وقدمنا صورة من الرسالة الموجهة من قبلي باللغة العربية لمقام الصدارة العالي، سيكون معلوماً بعد الاطلاع عليها بأن جمع الأمير المومأ إليه تعرض للتشتت والتفرق، ولم يعد قادراً على مقاومة القوة الظاهرة لحضرة مولانا السلطان، وستنتهي مشكلته قريباً وبسهولة، رجاء التفضل بالاطلاع، والأمر لحضرة ولي الأمر والإحسان.

17 جمادى الأولى سنة 1263

والي أيالة دياربكر محمد خير الدين

إذن فقد استجاب المشايخ لطلب الوالي بعد قراءة رسالته، وأرسلوا إلى الأمير من يقول بأن الطاعة والانقياد للدولة العلية فرض علينا ظاهراً وباطناً، ولا بد لك من الطاعة واللجوء.. وهددوه فيما إذا لم يستجب لهذا الطلب فإنهم سيأمرون أتباعهم وعددهم في المنطقة عشرون ألفاً أن ينفضوا عن الأمير، ويتركوه وحيداً يواجه مصيره التعس، ويلجئوا هم إلى الدولة العلية، كما طالبوه أن يرجع إلى رشده وصوابه، وأنهم لن ينفعوه في شيء، لذلك لم يعد الأمير بدرخان يشعر بالأمان، وأخذ يفكر بالانسحاب والتحصن بالقلعة.

ومتى كان هذا؟

كان في أواسط شهر جمادى الأولى من سنة 1263 ( نيسان 1847م) أي في أشد الأوقات حساسية بالنسبة لبدرخان.

مع ملاحظة أن هذا الكلام هو كلام الوالي، يذكره لولي نعمته في اسطنبول، أي أن هناك احتمال أن يكون غير صادق في كلامه، وإنما يريد به التملق للأسياد وبأنه يفعل الأفاعيل! وقد وجدنا في مصادر تاريخية أن الأمير بدرخان بك كان يعتمد على الشيخ صالح، ويبعثه كممثل له إلى القادة العثمانيين حتى استسلامه، وقد يعني ذلك أن كلام الوالي موضع شك!

ثانياً: جهوده في استمالة الأمير عز الدين شير:

ولم تقتصر جهود الوالي النقشبندي على استمالة مشايخ الطريقة فحسب، بل تعدى ذلك إلى الاتصال بمن يرى فيه أرضية خصبة للاستجابة في وجهاء المنطقة، وأبناء البكوات من أسرة بدرخان نفسه، لاسيما أبناء غريمه الأمير سيف الدين، ويبدو أنه وجد في الأمير عز الدين شير ضالته، فأرسل إليه بصورة سرية يدعوه إلى الخروج عن طاعة الأمير بدرخان، واللجوء إلى الدولة العلية.

وقد جاء ذكر هذا في وثيقة محفوظة في الأرشيف العثماني تحت رقم (1/1268) وهي رسالة بعثها دفتردار إيالة دياربكر إلى اسطنبول، وهي مؤرخة في 5 جمادى الثانية 1263، ومما جاء فيها:

((إن خير الدين باشا أعد كتاب نصح إلى الأمير عز الدين شير بن الأمير المتوفى سيف الدين، وأرسله مع ساعٍ خاص بتاريخ 17 جمادى الأولى 1263، وما أن وصل الكتاب حتى تحرك من هناك ولجأ إلى والي الموصل دولة أسعد باشا، ولما كانت دياربكر بعيدة عنه، فإنه لو جاء إلى هذه الجهة فإن بدرخان سيتعقبه ويقبض عليه، فتبين أنه توجه إلى الموصل لقربها، وباستجلاب أمثال هؤلاء ولجوء الأمير المومأ إليه انكسرت شوكة وقوة بدرخان بك)).

ويفهم من هذا أن الوالي حرض الأمير عز الدين شير في رسالة سرية له إليه للجوء إلى العثمانيين، وهو ما صادف هوى في نفس الأمير، ونحن لم نطلع على رسالته إلى الأمير عز الدين، ولعله وعده بوعود معسولة، وخاطبه بلغة الوعظ والترغيب والترهيب، كما فعل مع مشايخ الطريقة من قبل.

وجاء في رسالة لوالي الموصل أسعد باشا، وهي محفوظة  في الأرشيف العثماني تحت رقم (2/1268) ما ترجمته:

((.. فأرسلنا بصورة سرية كتب نصح إلى الأماكن التي يحكمها الأمير المشار إليه، وإلى أمراء وأعيان جهات حكاري، وأغوات العشائر، قلنا فيه: بأنه بات لدى بعض المشايخ وغيرهم ممن يثق بهم أهالي كردستان خارجاً عن طاعة أولي الأمر، وعارجاً ذروة البغي، فوجبت عقوبته شرعاً وقانوناً.. وكان من آثار ذلك أن عز الدين شير بك وهو من أبرز وجوه آل الأمير المومأ إليه، وهو ابن الأمير المتوفى سودي الذي حدثت بينه وبين المتوفى رشيد باشا حروب، وصهر نور الله بك أمير حكاري الحالي ([11])، فر بطريقة ما من الأمير المشار إليه، ووصل إلى قضاء زاخو أملاً مطاوعة السلطة السنية، فأرسله محمد أمين أفندي المعين من قبلنا متسلماً للقضاء المذكور بمرافقة حوالي مائة فارس، فوصل قبل يوم واحد من تاريخ تقريري هذا، فلقي الاحترام والرعاية الكاملة، وأوقف هنا، وعلى نحو ما ذكر فإن الأمير المذكور وهو مشهور في تلك المناطق لارتباط أكثر الأهالي والعشائر وثقتهم به، وانفصاله عنه بهذه الطريقة ولجوئه إلى جانب الدولة العلية سيؤدي حتماً إلى انكسار شوكة بدرخان المشار إليه، ونأمل من الله العلي القدير أن ينفض عنه من حوله قريباً)).

وجاء في مكان آخر من الرسالة:

((لدى سؤال الأمير عز الدين شير بك المشار إليه عن كيفية إيجاده طريقاً للفرار والوصول إلى هنا، وعن أطوال وحركات بدرخان بك، وعما إذا كانت نيته اختيار اللجوء وطلب الأمان لدى الجيش المذكور استجابة للإرادة السنية، أم اختيار طريق البغي والمواجهة، وعن اتصالاته مع بغاة “وان “ومراسلاته مع خان محمود، فأجاب بأنه عندما أدرك وفهم من الأمير المذكور أنه لن يلجأ إلى الدولة العلية ويدخل تحت طاعتها، ففكر في جمع عساكر من رجاله في قلعة “قصره” الكائن في مضيق يصعب الوصول إليه على بعد أربع ساعات من “دركول”حيث يقيم الأمير المشار إليه، وخطط للتحصن في القلعة المذكورة، عند اقتراب الجيش الهمايوني من “جزرة”، ومباشرة القتال ضد الأمير المذكور، وبالتالي خدمة الدولة العلية، وأما احتمال أخذ الأمير المشار إليه علماً بما يخطط له فلم يبق له مجال للتوقف هناك، فترك أخاه الأصغر مع حوالي مائة من العساكر في القلعة المذكورة، وفر ليلاً، فوصل قضاء زاخو التابع لنا وتبعد من هناك مسافة ثمانية عشر ساعة بست ساعات)).

2 جمادى الأولى 1263

والي الموصل أسعد

ويستنتج من رسالة والي الموصل ضحالة حجة الذين يريدون تبرئة ساحة الأمير عز الدين شير من خيانة الأمير بدرخان، بحجة أنه كان سجيناً في الموصل([12])، فهو -بناء على ما جاء في هذه الوثيقة- لم يكن سجيناً لدى الدولة البتة، وإنما كان مع الأمير بدرخان بك في قلعته الحصينة، ثم إنه قرر الفرار، وتوجه نحو زاخو، حيث سلم نفسه هناك لمتسلم القضاء المدعو محمد أمين، وهو بدوره أرسله إلى الموصل، مع حوالي مائة فارس، ووصلها في اليوم الأول من شهر جمادى الأولى من سنة 1263 (نيسان 1847 م) فلقي الاحترام والرعاية الكاملة من قبل والي الموصل، الذي أبقاه عنده، وأخذ منه كامل المعلومات عن بدرخان وتحركاته، وانتظر الأمر السلطاني فيما سيفعله مع الأمير الفار.. والأمير عز الدين إنما لجأ إلى الدولة خذلاناً للأمير بدرخان بك، ليس إلا!

ثم قد يفهم من هذه المقتطفات الأخيرة أن الأمير بدرخان بك لم يكن في نواحي أورمية يقاتل عندما لجأ الأمير عز الدين إلى الدولة العثمانية، بل كان في نواحي الجزيرة، متحصناً في قلعته، وأن الأمير عز الدين لم يكن من قواد جيش بدرخان بك، ولم يأخذ معه أعداداً من قوات بدرخان -كما شاع عند بعض الباحثين والمؤرخين- بل فر وحده، قبل بدء المعارك العسكرية بين قوات بدرخان والمهاجمين العثمانيين، حتى إنه ترك أخاه (الأمير منصور) عند الأمير بدرخان بك، ربما مبالغة له في سرية الفرار.



([1]) نقل ذلك عنهما مترجما كتاب: البدرخانيون في جزيرة بوطان، تأليف مالميسانز، ترجمة دلاور زنكي وكولبهار بدرخان، هوامش ص 35.

([2]) وهو كتاب تاريخ الأنساب الذي ألفه سنة 1235 هـ (1819 م) أمير شيروان صالح بك بن خان بداق، وقد كان شاهد عيان بل صانع قرار لكثير من الوقائع التي حدثت في شيروان (شمال بوطان) وله علاقات صداقة وعداء مع المعاصرين له من أمراء بوطان، وقد قمنا بتحقيق ونشر كتابه لأول مرة سنة 2005، وفيه معلومات تاريخية مفيدة كانت غائبة عن كتابات الباحثين.

([3]) الأمير بدرخان، ألفه بالتركية لطفي، ونقله إلى العربية علي سيدو كوراني، ط 1، سنة 1992، ص 11.

([4]) وهذا مارجحه زميلنا الدكتور صلاح هروري في كتابه (إمارة بوتان في عهد الأمير بدرخان)، ط 1، سنة 2000، ص 47.

([5]) سيأتي ذكر هذه الوثيقة لاحقاً.

([6]) وهذا ما ذكره بعض الرحالة والكتاب الغربيين، نقل ذلك عنهم مترجما كتاب: البدرخانيون في جزيرة بوطان، دلاور زنكي وكولبهار بدرخان، ضمن هوامش ص 40-41.

[7])) كذا في الأصل والصحيح أن اسم والد عز الدين هو سيف الدين.

([8]) يذكر المؤرخ لطفي في تاريخه (ص12) أن بدرخان بك ظل على هذه الحالة مدة اثنتي عشر عاماً، تقرأ الخطبة في المساجد باسمه، وناعته إياه بخادم الشرع الشريف.. والمدة التي حددناه أعلاه هي نفس المدة التي ذكرها لطفي في كلامه.

([9]) ورد ذكره في كتاب (الأحوال الدرية والأخبار المسكية في السلسلة الزيبارية) لمحمد شفيق الزيباري، ص 31-44، وله ترجمة في كتابنا (عقد الجمان في تراجم العلماء والأدباء الكرد والمنسوبين إلى قرى ومدن كردستان) 3/937.

([10]) من كتاب الشجرة الدرية في مناقب السادة الحامدية، تأليف عبد الحليم بن موسى المارديني، الطبعة الثانية 1413.

([11]) كانت زوجة عز الدين شير ابنة للأمير نور الله بك، كما يبدو من مكان آخر من هذه الرسالة.

([12]) وهو ما يريد إثباته بشتى الطرق الأستاذ دلاور زنكي في تعليقاته على كتاب (البدرخانيون في جزيرة بوطان).