أكراد سوريا .. التاريخ و السياسة و المجتمع ” 2 “

جوردي تاجال

الترجمة عن الإنكليزية : الدكتور مسلم طالاس

الكرد خلال الانتداب الفرنسي

أثر دخولالإمبراطورية العثمانيةفيالحربمباشرة علىالمشرق العربيمن خلال فتح
جبهة على قناة السويس. خلال نفس الفترة، كانتدول الشرق الأوسط تتأثربطموحاتالقوى الأوروبيةفي المنطقة.وبدأت طموحات فرنسا في التبلورخلال تلك فترة, وكانت سوريا والشرق عموماً خلالها تخضع لتحولاتهامة، سواء كانت اقتصادية، من خلال اندماج المنطقةفي الاقتصاد العالمي، أو سياسية، من خلال سياسات التنظيمات (Tanzimat)  ونمو الطموحاتالقومية العربية، مع ملاحظة الارتباط الواضح بين هذين التطورين.

على الرغم من استمرار السلطة المحلية في عهد الانتداب الفرنسي، لكن تم تحدي  النخب القديمةفي سوريا  خلال هذه الفترة من قبل جيل جديد من القادة ومن قبل أيديولوجيات جديدة, نتيجة لتغيرات عميقة  اجتماعياً ومؤسسياً،بما في ذلك انخفاض أهمية ” علاقات التبعية العمودية” داخلالسياق الأوسع للتسلسل الهرمي الاجتماعي.وظهر في مكانهم ” تنظيم جديد للسلطةبتبع العلاقات غير النخبويةالمرتبة على نحو متزايد حسب التقسيمات الأفقية والمهنية والقومية”. وكانت سلطة الانتداب مسؤولة إلى حد كبير عن المزيد من التحولات في المنطقة.  كانت السلطاتالفرنسيةعنصراً مهماً  في تحديد جماعات عرقية ودينية المحلية  على أنها أقليات و في خلق الدول القومية ، وبالتحديد سوريا ولبنان.  وأصبحت الأقلياتمصدرا دائما للاحتكاك بين النخب السنية المحلية وسلطة الانتداب.  لقد كانت مسألة اعتبار جماعات اجتماعية وثقافية محددة “أقليات ” مفهوماً جديد ، حل حديثاً محل النظام الملي العثماني وانبثق عن إنشاء الدول  الجديدة والمتجانسة قومياً.  ومثل الكرد بين الاقليات المجموعة المسلمة السنية غير العربية الأكبر بدءاً من عام 1920 وما بعد.

السكان الكرد في ظل الانتداب الفرنسي:

يتكلم أكثرية أكراد سوريا اللهجة الكرمانجية ( لهجة يتكلمها أكثرية الكرد في تركيا والشمال الشرقي لكل من العراق وإيران) وهم من المسلمين السنة باستثناء اليزيديين الموزعين بين الجزيرة وجبل سمعان ووادي عفرين وكرداغ. كان الكرد في ظل الانتداب الفرنسي موزعين على ثلاث مناطق ضيقة معزولة عن بعضها البعض على طول الحدود التركية : الجزيرة وجرابلسوكرداغ. وتشكل المقاطعات الثلاث امتدادات طبيعية للمناطق الكردية داخل تركيا والعراق. لكن أكراد سورية, وبسبب أصولهم الجغرافية  ونمط حياتهم (البداوة والاستقرار) واستقرارهم في بيئات متنوعة (مثل الاسكندرونة وحوران والجزيرة ) لم يشكلوا مجموعة متجانسة في بداية القرن العشرين.  على العكس فإن السكان الذين اعتبروا كرداً تميزوا بطبيعتهم المجزأة, وهي سمة عززها الفرنسيون خلال الانتداب.

       في النتيجة لم يكن ممكناً الحديث عن كرد سوريا بمقاييس خصائص محددة متميزة خلال النصف الأول من القرن العشرين. بالنسبة للأفراد والجماعات (أي العشائر والقبائل والعائلات) كان الاحتمال الأكبر هو أن تتحدد الهوية الاثنية وفقاً لمصالحهم وارتباطاتهم الاجتماعية والسياسة أكثر من أن تتحدد بالسمات اللغوية والتاريخية. حتى انطلاق سوريا المعاصرة , كانت النقطة المرجعية الطبيعية للجماعات الكردية تتحدد بمقاييس العلاقات, بما في ذلك الأصل الجغرافي (وادي أو قرية أو حارة) أو العائلة أو العشيرة  أو الطائفة (كما في حالة اليزيديين). في ضوء هذه العوامل من الصعب اعتبار الكرد “اقلية” بمفهوم مرحلة الانتداب.

حافظ عدد محدود من القبائلالكردية,التي وجدت في بلاد الشام (الأراضي السورية) في القرن الثامن عشر, على هياكلها الداخلية أو صلاتها مع كردستان شرقا, بينما تم استيعاب الأخرى في قرى واتحادات (قبلية) تركية وعربية. وهكذا فإنه بينما تكامل كرد شمال حلب في المجتمع العثماني الريفي  خلال هذه الفترة, محافظين على “حدودهم”  الاثنية, فإن القبائل التي أقامت في هضبة القصير تم استيعابهم بسرعة من قبل السكان العرب. خلال الانتداب الفرنسي كانت هناك خمس قبائل كبيرة تتقاسم منطقة كرداغ , هي : أميكان وبيان وشيخان وشكاكان وجوم. وكانت هناك العديد من القبائل الصغيرة الأخرى مثل: روباريا وخرزان وكوجار وكاستيا. وكانت أكثرية قرى اليزيدية, بعدد سكانها البالغ حوالي /1140/, خاضعة لزعماء روباريا.

        من بين الاتحادات القبلية الكردية المتأصلة في شمال سورية, يشكل المليون اتحاداً بارزاً. إن وجود المليين موثق في المصادر العثمانية منذ عام 1518 وما بعد. مع الحاق ديار بكر بالإمبراطورية العثمانية سيطر الملييون على تلال قرج داغ , وكثير ما الحقوا بالولاية القبلية لجوار ماردين.

       بدءاً من أواخر القرن السابع عشر خضع الملييون لمشروع التوطين القبلي, واجبروا في البداية على الاستقرار في جوار ديار بكر ومن ثم إيالة الرقة. وكثيراً ما غادروا الأراضي المخصصة لهم وعادوا شمالاً سعياً وراء المراعي الأفضل. وبدءاً من القرن الثامن عشر بلغت القبيلة درجة من القوة جعلتها ترفض دفع الاتاوات وتخوض الحرب ضد السلطة. ضعف الاتحاد الملي كثيراً نتيجة الصراع  الداخلي والصراع مع القبائل العربية من شمر, حتى وصول الزعيم الجديد إبراهيم باشا للزعامة , الذي أسس لمرحلة  جديدة للقبيلة. لكن إبراهيم باشا لم يعارض الحكومة المركزية بشكل فعال. بل على العكس ساعد السلطان من خلال تقديم الرجال للفيالق الحميدية, التي أسست في نهاية القرن التاسع عشر. خلال ثورة تركيا الفتاة, وقف ثانية مع السلطان وحاول الحصول على الدعم من سوريا. ولوحق من قبل تركيا الفتاة وواجه الرفض في سوريا, وتوفي في ظروف بائسة. ولم يكن وريثه محمد (محمد باي) (محمد بن ابراهيم باشا) يتمتع بأي من صفات سلفه. ولاحقاً فإن الحدود الدولية الجديدة التي وضعتها فرنسا والحكومة الكمالية في أنقرا في أكتوبر 1921 قسمت المنطقة , وتركت جزءاً كبيراً من أراضي أجداد المليين ضمن مناطق الانتداب في سوريا.

       بجانب المليين, كانت هناك قبائل نصف بدوية ومقيمة في الجزيرة  مثل الدقوريوهفيركا وحسنان وميران. على الضفة اليسرى من الفرات حوالي جرابلس وسروج وبعض المناطق من الضفة اليمنى للفرات استقر الأكراد في بداية القرن السابع عشر بعد هجرة إجبارية فرضها السلاطين. لذلك ـتأسس في جرابلس الاتحاد [القبلي] البرازي, الذي ضم مكونات غير متجانسة بدرجة كبيرة, وبعضها كان يدعي الأصل العربي. قبل وصول الفرنسيين ورسم الحدود السورية التركية, تجول البرازية في منطقة التلال بين سهل سروج وجرابلس. وهذه المجموعة الكردية القوية والتي يبلغ تعدادها /16000/ شخص والمقيمة في جرابلس يمكن ان تقسم إلى خمس قبائل هي: عليدينان وشدادان وشيخان وكيتكانوبيجان.

      لم تكن العلاقات الكردية العربية تتحدد كلياً بأي سلسلة مجردة من التفاعلات بين هاتين المجموعتين. ابعد الكرد عميقاً وبأعداد كبيرة إلى عمق البلدان العربية عقاباً لهم أو لأغراض تتعلق بإدارة الدولة أو لأغراض عسكرية. ويمكن أن نلاحظ المستعمرات العسكرية الكردية ذات المدى الطويل في دمشق وحوران والجليل الأعلى والاردن على طول طريق الحج.

تشكلت المستعمرة الكردية في دمشق من الكتائب الكردية التي رافقت صلاح الدين الأيوبي في القرن الثالث عشر, الذي كان هو نفسه من أصل كردي, خلال الحملات الصليبية. في البداية أقامت تلك الكتائب في منطقة سوق الساروجة قبل أن تهاجر لاحقاً إلى جبل قاسيون. في ظل الامبراطورية العثمانية تعزز الدور العسكري للمجتمع الكردي في دمشق. وفرضت الشرطة والعسكر الكرد النظام في البلدة وفي نفس الوقت ضمنت حماية طريق الحج نحو مكة. انضم العديد من الكرد من المناطق الداخلية الريفية لسوريا للقوات الانكشارية المحلية yerliyye.  وهناك آخرون دربوا في استانبول ووصلوا لدمشق كجزء من الانكشارية الامبراطورية qapi-qul. وبالنسبة للكثير من الكرد في دمشق فإن فهمهم لطبيعة مهمتهم ساهم في الشعور العميق بالانتماء لمجموعة أثنية مختلفة.

       في النتيجة فإن المهاجرين الكرد من مختلف  الأصول (دياربكر والموصل وكركوك)  الذين أتوا للانضمام للفعاليات العسكرية تسببوا في توسع المنطقة الكردية. وفقط في ظل الانتداب الفرنسي اندمج حي الأكراد, الذي قدر سكانه في الثلاثينات بـ 12000, كلياً في دمشق نتيجة بناء الشوارع المعبدة التي وحدت المنطقة الكردية مع باقي المدينة. لكن قبل هذه المصالحة المتأخرة مع المدينة, وفي القرن التاسع عشر, نجح العديد من الشخصيات الكردية البارزة في اكتساب سمعة اقتصادية وسياسية في العاصمة السورية. وفي النتيجة فإن إصلاحات التنظيمات, وبشكل خاص قانون الأرض, سمح للوجهاء المحليين بالحصول على مساحات واسعة من الأرض في الريف المحيط بدمشق. كذلك فإن إعادة التنظيم الإدارية للمدينة بين عامي 1840-1860 سمحت لأرستقراطية ملاك الأرض الجديدة  الدمشقية بتعزيز موقعها على حساب السلطة التقليدية للقادة الدينيين .

         من بين وجهاء الكرد المقيمين في الحي الكردي, تميزت عائلتان هما شمدين ويوسف. اليوسف تجار ماشية تعود جذورهم لدياربكر, بينما جذور الشمدين غير واضحة. وعلى الرغم من أن العائلتان قررتا الاستقرار في سوق الساروجة, وهي حركة تشير لصعودهما الاجتماعي, فإنهما حافظتا على شبكة زبائنهما في الحي الكردي. العائلة الأخرى من الوجهاء الكرد الدمشقيين هي Abid , لكنها لم تكن مترسخة في حي الاكراد وكانت لها سلطة أقل بكثير. اندمجت النخب الكردية تماماً في الحياة الاقتصادية والسياسية للمدينة وجوارها, وذلك على خلاف باقي سكان الحي. وحافظ القادة المحليون على أثنيتهم ليس كمصدر سياسي للدفاع عن حقوق خاصة بهم كأقلية, بل كأداة لضمان علاقات الزبائن بين الأعضاء.

        أخيراً كان هناك حي كردي في حلب منذ القرن التاسع عشر,  نما سكانه بالقدوم المستمر للمهاجرين من كرداغ  والجزيرة  أو بسبب التبادل التجاري بين حلب و ريفها الشمالي الشرقي.

الكرد والعرب والدولة الكولنيالية:

حدت الاتفاقيات والمعاهدات, التي وقعت من قبل الحلفاء بعد سقوط الامبراطورية العثمانية, بدرجة كبيرة من مساحة النفوذ الفرنسي في الشرق الأوسط. والمناطق الكردية التي عهدت للفرنسيين بموجب انتداب 1920 خفضت إلى مناطق محددة  من عينتاب وبيراجيك وجزيرة ابن عمر. كذلك خفضت الاتفاقية التركية الفرنسية في 20 أوكتوبر 1921 النفوذ الفرنسي أكثر في المناطق الكردية بحيث حددت بـPayasوميدان أكبس إلى جنوبي كلس, TchobanBey, إلى الخط الحديدي الذي يربط بغداد ونصيبين, إلى الطريق القديم بين نصيبين وجزيرة ابن عمر, وهاتين الأخيرتين خرجتا من منطقة النفوذ الفرنسي. وأخيراً فقد الفرنسيون سنجار, وهي منطقة كردية  يسكنها الكرد اليزيديون,  وسلمت للعراق بموجب المعاهدة السورية العراقية في 3 يوليو 1933. سيطرت سلطات الانتداب على الكرد السوريين مع التقدم التدريجي للقوات العسكرية في المناطق التي يقطنها القبائل الكردية. واستمرت عملية السيطرة الاستعمارية هذه عقداً كاملا, وهو أمر غير مألوف نوعاً ما في ظل نظام الانتداب.

       أول السكان الاكراد الذين واجهتهم فرنسا في سوريا كان من يقطنون في كرداغ حوالي نهاية عام 1919, عندما اخترقت القوات الفرنسية هذه المنطقة الجبلية بشكل سهل نسبياً. اثبت أكراد دمشق ولاءهم مباشرة للفرنسيين بعد سقوط الحكومة الفيصلية عام 1920. والعائلتان الكرديتان الكبيرتان, اليوسف والشمدين, على الرغم من تعربهما التدريجي طوال القرن التاسع عشر, لم تكونا ميالتين للقومية العربية, التي هددت الولاءات الاثنين والتقليدية التي كانت نفوذهما يعتمد عليها جزئياً.  كذلك فإنه وفقاً لـ(Philip S.Khoury) ” فإن الدور الذي لعبته القوات الاحتياطية الكردية في قمع الثورة السورية الكبير 1925 وتر العلاقات بين القوميين [العرب] وأكراد دمشق خلال الانتداب”.

       كانت مواقف القبائل الكردية في جرابلس تجاه الوجود الفرنسي متنوعة. خضع الكيتكان مباشرة للقوات الفرنسية مع وصولهم في عام 1920, وتعاون المليون مع الفرنسيين في أورفا. لكن العديد من الفرق الكردية, ومن بينها قبائل ترتبط بالمليين, والتي شجعتها الدعاية ذات الطابع الاسلامي, انضمت للأتراك في المعركة بين القوات الفرنسية والفيالق المؤيدة لمصطفى كمال حوالي مرعش وعينتاب وأورفا. لكن في الجزيرة العليا واجهت سلطات الانتداب المقاومة الأكبر حتى عام 1926. ومرة ثانية ثبتت فعالية الدعاية الكمالية (التركية) في الجزيرة, التي توجهت للقبائل العربية والكردية,في أعاقة تقدم القوات الفرنسية. كانت نتيجة سيطرة سلطات الانتداب على السكان الكرد بشكل متدرج ومجزأ, هي أعادة تحديد هوية الكرد على المستوى المحلي, “في مواجهة المزاعم الشمولية للانتماء العرقي الكردي, الذي يقترحها المؤرخون القوميون والتفسيرات التاريخية المستندة للدولة”.

      الحالة الكردية بهذا المعنى ليست استثناءً, باعتبار أن كل أثنية وطائفة دينية اتبعت تطوراً موازياً لذلك. كان المشهد السياسي السوري يتميز في العشرينات بالكثير من الغموض. كانت مجتمعات متنوعة وقياداتها تحاول التكيف مع /أو الاستفادة من مزيا بيئة مشوشة ومتغيرة ميزتها, من بين أمور أخرى, قضايا مثل نهاية الامبراطورية العثمانية والدعاية الاسلامية وتأسيس الانتداب الفرنسي والمحاولات الدولية لحماية الأقليات.

       كانت الثورات المضادة للفرنسيين في شمال غرب حلب عام 1919 مثالا جيداً لهذا المشهد. معظم الدراسات لهذه الثورات افترضت أنها مثلت تعبيراً محلياً عن للحركية القومية العربية الجنينية بهدف أساسي هو منع الفرنسيين من اسقاط الحكومة التي أسسها الأمير فيصل ابن الحسين وحلفائه في دمشق. لكن هناك أدلة كثيرة تدحض هذا الرأي. المتمردون الذين التحقوا بهذه الثورات يناقضون الادعاء بأن الهدف الأساسي كان تشجيع العودة إلى اللامركزية العثمانية التي هيمن عليها المسلمون سياسياً, الأمر الذي سيحمي هيمنة النخب المحلية باعتبارهم نبلاء من ملاك الأرض الريفيين أو البيروقراطية الصاعدة. كذلك فإن من انضم للاضطرابات في الشمال مالوا للتعبير عن أسبابهم لحمل السلاح ضد فرنسا على أنها تكمن في الأيديولوجيا الاسلامية, من خلال استعمال الشعارات والرموز الاسلامية (مثل الحديث عن الحرب المقدسة ومعاداة الكفار).

        هذا الحديث عن العبارات والرموز الدينية لا يستبعد بالضرورة وجود دافع الوطنية المحلية وحماية نمط الحياة  وغيرها من القيم الثقافية, لدى البعض من المتمردين. في مناطق أخرى من سوريا, وحوران بشكل خاص,  كان يمكن رؤية القومية العربية كدافع أساسي يجمع هوية محلية قوية مع الوعي الاثني الأعرض.

       باختصار فإن دراسة الحراك السياسي خلال فترة الانتداب مستحيلة إذا تم حصر الفهم بثنائية تعارض الأقلية /الأكثرية (أكراد/عرب) باعتبار أن كلان من المجموعتين تشكلان كيانات اجتماعية سياسية هجينة. بكلمات أخرى إذا كانت الدولة السورية في مرحلة التشكل خلال الانتداب الفرنسي, فإن المجموعة الكردية كان تقوم بالتحول من جانبها الخاص.

       لقد عرقل كل من غموض المشهد السياسي السوري, والطبيعة المجزأة للسكان الكرد, والسياسة الانتدابية التي أصرت على تجزئة الجسم الكردي, كل محاولات تعبئة الجيوب الكردية خلف فكرة القومية.  كان للحركية النادرة للكرد السوريين خلال فترة الانتداب, الحركة الاستقلالية في الجزيرة وحركة المريدين في كرداغ مثلاً, أثر محليا بارزا . كان التطور الاقتصادي والاجتماعي لأكثرية المناطق الكردية لمصلحة استمرار سياسة البدائية (الصلات والشبكات البدائية مثل القبيلة والقرية وحتى العائلة) التي صبغت الحركات الشعبية وحركات النخبة وكذلك مسألة الانتماء الاجتماعي لأكثر الأفراد.

        لاحقاً وبعد 20 سنة من الانتداب الفرنسي تم تحدي الروابط البدائية بين الكرد من قبل مفاهيم مثل المجتمع القومي والأممي. وكانت نتيجة هذه العملية هي ازدياد نزاعات الولاء في المجتمعات الكردية. لقد أثار ازدياد الوعي بالهوية الكردية المتميزة الشكوك لدى النخب السياسة العربية التي اعتبرت السكان الكرد عائقاً للبناء القومي لسوريا, والتي صبغت بشكل متزايد بالعروبة. وقد قيم جميل مردم (زعيم الكتلة الوطنية) الهوية الناشئة  مصرحاً بأنه ” منذ أن وصل الاخوة بدرخان عاد أكراد دمشق للخلف خمسين عاماً”

إن استمرار الشبكات الزبائنية القديمة المستندة على الولاءات القبلية أو إعادة ظهور السياسات القبلية الكردية بمختلف أشكالها لم يمنع القومية الكردية من الظهور في الجيوب الكردية.  بل على العكس تماماً كان الحركيات العشائرية والدينية راعية للقومية الكردية.