طموحات الشّعب الكرديّ بين الحلم والواقع

منذ زمن يتردّد في ذهني هذا العنوان بإلحاح شديد، حاولت مراراَ أن أصرف النّظر عنه ولكن بلا جدوى. لا أدري أهو الذي فرض نفسه عليّ بحكم الظروف والمتغيّرات ، وبحكم معطيات المرحلة الجديدة التي تعيشها  مجتمعاتنا بشكل عام ومجتمعنا الكردي بشكل خاص ، أم أنا الذي بحثت عنه واخترته . كل ما أعلم أن هذ الموضوع استحوذ على مجمل تفكيري وأحاسيسي .

ربما هذا الموضوع طرق أذهان الكثيرين وبات هاجسهم وشغل بالهم كما شغل بالي إلا أنّنيارتأيت أن أفكر بصوت عالٍ وأن أجاهر بما يدور في خلدي علّه يلقى صدىً عند البعض فيدلوا بدلوهم فيه فيزيدوه ثراءً وغنىً ،  أوينتقده آخرون فيلقوا الضوء على بعض جوانبه المظلمة فيزداد وضوحاً ويتبين ما له وما عليه .

بدايةً قبل الخوض في هذا الموضوع أودّ أن أسرد بعض الحقائق التي تخصّ الشّعب الكرديّ. أولى هذه الحقائق أنّه شعب قائم بذاته تكوّنت شخصيّته المستقلّة كغيره من الشّعوب عبر العصور ، شعب له تاريخه ولغته وثقافته ، وله عاداته وأعرافه وتقاليده تميّزه عن غيره من الشّعوب التي تجاوره وبالتّالي فهو ليس فرعاً من فروعها كما يدّعي الذين يسعون إلى إنكارهويّته القوميّة .

والحقيقة الثّانية أنّه شعب عريق في هذه المنطقة  ويعدّ من أقدم الشّعوب القاطنة فيها إن لم يكن أقدمها على الإطلاق . يعيش على أرضه منذ فجر التاريخ وعلى مساحة جغرافية أصابها مدٌّ وجزر واتّساع وانحسار تبعا للظّروف البيئيّة والتّاريخية .دخل في صراعات دامية ،وحروب طاحنة مع الشّعوب المجاورة والغازية في سبيل الحفاظ على وجوده وهويّته .

وحين اندمج مع الحضارات الأخرى حافظ على شخصيّته وهويّته كشعب مستقلّ ، وساهم في صنع تاريخ المنطقة ، وكان عنصراً فاعلاً في الحضارة الإسلامية سطّر صفحات مشرقةً في التاريخ الإسلامي ، وترك فيه بصمات واضحة ولا سيما في العهد الأيوبي بقيادة صلاح الدين الذي لمّ شتات الأمة الإسلامية الممزّقة ووحّد صفوفها،وبثّ في روحها الحياة،وحقّقانتصارات عظيمةً يشهد لها التاريخ توَّجها بمعركة حطّين المظفّرة وتحرير القدس وطرد الصليبيين .

والحقيقة الثّالثة أنّه شعب يحقّ له ما يحقّ لغيره من الشعوب من حقّ تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وفق عهود ومواثيق الأمم المتّحدة وحقوق الإنسان .

انطلاقا من هذه الحقائق والمبادئ والمقوّمات التي يتمتّع بها الشعب الكرديّ سعى كغيره إلى بناء دولته المستقلة ، وقام بثورات عديدة في سبيل انتزاع هذا الحق وتحقيق حلمه. ورغم الانتكاسات الّتي مني بها والويلات التي حاقت به لم ييأس بل ظلّ يكافح ويناضل ، وينهض من ثورة إلى ثورة ،ومن انتفاضة إلى انتفاضة ، وخلال هذه المسيرة النّضالية الطّويلة قدّم تضحيات عظيمة وأراق أنهاراًمن الدّماء في سبيل تأكيد وجوده وتحقيق طموحاته كشعب وكأمة .

وما زالت هذه التّضحيات مستمرّة وما زال الجرح ينزف والحلم لم يتحقّق بعد .

كلّ هذه الحقائق وهذا التّاريخ الطّويل من النضال لا يختلف فيه اثنان ولا أحد يستطيع أن يشكّك أو يجادل فيه أو يحاول النيل من مشروعيته ،إلا أن مشروعيّة القضيّة وعدالتها شيءوالظّروف الدوليّة المحيطة بها والتي تتحكم بمصائر الشعوب وآمالها وطموحاتها شيء آخر .

فالأحداث والوقائع التي مرّ بها الشعب الكرديّ تؤكّد المقولة السابقة ،فما تعرّض له ، وما لقيه على يد أنظمة القوميات السائدة من التنكيل والتشريد ما لم يلقه أيّشعب آخر على وجه الأرض حدث  تحت مرأى ومسمع العالم بأسره المتحضّر وغير المتحضّر بكل هيئاته ومنظّماته الحقوقية والإنسانيّة، ودعاة  الدّفاع عن حقّ تقرير مصير الشّعوب الّذين كانوا يعلنون عن أنفسهم كحماة لحركات التحرّر في العالم ، ولم يتدخّلوا، ولم يستنكروا حتّى الجرائم الفظيعة الّتي ارتكبت بحقهم بل نالت مباركة الكثيرين منهم ، وكان بعضهم في كثير من الأحيان  شركاءفي الجريمة.

من هنا ومن خلال التّجارب الّتي مرّ بها الشّعب الكرديّ ندرك أنّ هذا العالم لا تحرّكه المبادئ والقيم التّي طالما تبجّح بها وصدّع بها رؤوس الشّعوب المضطّهدة ،بل تحرّكه المصالح ، فحيثما تكون المصلحة فثمّ وجه العالم .

هذه التضحيات الجسام على مرّ عقود من الزمن صحيح أنها لم تحقق ما كان يحلم به الشّعب الكرديّ إلا أنه بفضلها صان هويّته ، وحافظ على وجوده، وجعل من قضيّته قضيّة مقلقة للعالم، ومصدر إزعاج لهم ، وعامل عدم استقرار في المنطقة وبالتّالي أصبحت تهدّد مصالحهموتعرقل مشاريعهم ، فبدؤوا يبحثون في الآونة الأخيرة عن حلول لها وهي في الغالب لم تكن ترضي طموحاته وأحلامه .

 هذا الشّكل من النّضال في سبيل تحقيق طموحات الشّعب الكردي التّي اختزلت في بناء الدولة المستقلة،وسعى إليها منذ قيام الثّورات الكرديّة المتتالية سواء أكانت مشاريع معلنة أم مقنّعةبمشاريع أخرى تمهّد للدولة كالحكم الذاتي والفدرالية وغيرها من المشاريع  كان وليد الظّروف آنذاك ونتاج المنظومة الفكرية والقوى المنظّمة التي قادت المجتمع الكرديّ ، وعبّرت عن طموحاته ، ورسمت له طريق الخلاص .

إن الجهود الّتي بذلتها القوى المنظّمة الفاعلة في المجتمع الكردي انصبت كلها في ترسيخ مفهوم كردستان حرّة مستقلة وموحّدة في أذهاننا كحل وحيد ونهائيّ  توارثناه جيلاً بعد جيلٍ حتّى غدا عقيدةً راسخةً في نفوسنا لا أحد يتجرّأ أن يحيد عن قدسيّة هذا المطلب أو يفكّر خارج إطاره فحملنا كردستان في قلوبنا قبل عقولنا نحبّها ونعشقها ونعلّق خارطتها على صدورنا ونفديها بأرواحنا ودمائنا ، ويتغنّى بها شعراؤنا وأدباؤناوفنّانونا . رسموا لنا عنها صورة رومانسية حالمة  حتّى أصبحت بالنسبة إلينا الجنّة الموعودة أو الفردوس المفقود.

ربّما كان مفهوم الدّولة وتحرير كردستان في مرحلة من المراحل  فكرة واقعيّة إلى حدٍّ بعيدٍ حين كانت الدًول بمفهومها الحديث في بداية تشكًلها في المنطقة  أو بعبارة أدق حين شكلّها الاستعمار ورسم حدودها كما يشاء ،وقسّم التركة العثمانية  كما يشاء ، وخرجنا نحن الكرد من هذه التّركة بلا نصيب . فكان لنضال الشّعب الكرديّ لأجل بناء دولته مبرّر قويّ ودافع قويّ ولا سيّما الشعور بالغبن  جرّاء هذا التّقسيم الجائر، وهم لا يقلّون عن غيرهم من شعوب المنطقة  قوة ومقدّرات ومقوّمات لتشكيل الدّولة . أقول ربّما كان هذا الطرح آنذاك شديد الواقعيّة أمّا وقد ترسّخت هذه الكيانات وهذه الدول بحدودها الجغرافية المرسومة  بإرادة دوليّة ، وفي ظلّ تشابك المصالح الاقتصاديّة بين العالم وتعقّدها ، وقد أصبح العالميعيش حالة توازن دقيق وأن أي إخلال بهذاالتوازن يحدث زلزالاً عنيفاً يخلّف تبعات خطيرة على العالم بأسره . لذلك أيّ مسّ بخارطة المنطقة يجابه من قبل القوى والدول المؤثّرة صاحبة القرار ، خارطة المنطقة يجب ألا تمسّيبدو أن هناك إجماعاً دوليّاً على هذا الأمر نستشّفه من الوقائع والأحداث التي تجري في العالم عامة ومنطقتنا خاصة ، أبرزتها بوضوح الثورة السورية . إذا كان تغيير الأنظمة يحدث كل هذه الصراعات والتجاذبات وتضارب المصالح بين دول العالم ، فكيف بتغيير خارطة منطقة تشابك المصالح فيها بالغة التّعقيد تمتدّ جذورها إلى سائر أنحاء العالم .فإذا كان الأمر كذلك لا بد أن نفكّر بشيء من الواقعية ولا سيما نحن الكرد السوريّين علينا بناء على هذه القناعات التي توصلنا إليها من خلال الملاحظة والتجربة  أن نعيد النظر في كل ما ورثناه من العهود السّابقة ، نعيد النّظر في منظومتنا الفكريّة ، ومفاهيمنا ومسلّماتنا ونفكّربواقعيّة شديدة آن الأوان أن نلتفت إلى قضايانا وإيجاد حلول لها داخل حدود الوطن الذي نعيش فيه .وألا نتطلع  إلى الحلولالتي ستأتينا من وراء الحدود من هذا الجزء أو ذاك والتي كلّفتنا أثماناً باهظةً . آن الأوان أن نترك أحلامنا جانبا هذه الأحلام التي باتت تشكّل عبئاً ثقيلا على كاهلنا ، وتسدّ الآفاق أمامنا .لقد تعبنا ونحن نلهث وراء حلم الدولة مثقلين بجهلنا وتخلّفنا وبتشتّتنا وتمزّقنا ، وهنا يحضرني قول السياسي الكبير الشهيد عبدالرحمن قاسملو حين سئل عن رأيه في شعار رفعه فئة من الشباب المتحمسين ( عاشت كردستان حرّة مستقلة وموحّدة ) قال : ” الدّولة حلم وأنا أتعامل بالسّياسة ولا أتعامل بالأحلام .”

لنخض معركةً جديدةً ، معركةً بيضاء نوفّر فيها الدم والدمع معركةً سلاحها الفكر والقلم ، ونحدث ثورةً ذهنيّةً وفكريّةً ليس على صعيد المجتمع الكردي فحسب بل على صعيد كافة المكوّنات الأخرى في الوطن السوري .

فلنبدأ بالتفكير وطنيّا والعمل على العيش المشترك ، فنحمل همّاً وطنيّاً إلى جانب شركائنا في الوطن ، وهمّاً قوميّاً لا يتعارض مع الهمّ الوطني ، ومبادئ العيش المشترك .

علينا في معركتنا الجديدة أن نستنفر كافة قوانا الفكريّة والذهنيّة ، ونستثمر كافة الوسائل المتاحة  لنشر أفكارنا وقناعاتنا والتواصل مع كل مكوّنات الوطن ولاسيما أخوتنا العرب كي نقنعهم بمشروعيّة مطالبنا ، وأن تحقيق هذه المطالب لا تتعارض مع الوحدة الوطنيّة التي نحرص عليها جميعا ، بل إنّه عامل قوّة لا عامل ضعف .

قد يعتقد البعض أن هذا الطرح محض خيال ومجرّد أوهام وأنه مضيعة للوقت وهدر للجهود والتّضحيات التّي بذلها الشعب عبر التّاريخ لتأكيد هويّته . هؤلاء معذورون لأنهم يعيشون حالة يأس من الطّرف الآخر الذي تربّى على إنكار غيره . ولكن مع كل هذا لابدّ أن نسعى ونتغلّب على يأسنا ونسخّر كلّ طاقاتنا في هذا المجال فالعمل شاقٌّ ومضن يتطلّب المزيد من الصّبر والمثابرة كما يتطلّب عملاً جادّا ودؤوباً كي نتغلّب على الصّعاب التي تعترض طريقنا ، فلن يتحقق ما نصبو إليه بين عشيّة وضحاها . علينا ألا نفقد الأمل ففي صفوف شركائنا في الوطنالكثيرون من العقلاء ومن القوى الديمقراطية والوطنية التي لم تعبث بعقولها الأفكار العنصرية الفاسدة والذين يدركون أن مصلحة الوطن في وحدة مكوّناته وأن هذه الوحدة لا تتحقّق إلّا بالاعتراف بهذه المكوّنات واحترامها واعتبارها جزءا أساسيّا من النّسيج الوطنيّ العام ، وأن كلّ المشاريع العنصريّة الرّامية إلى صهر القوميات أثبتت فشلها عبر التّاريخ ، وجرّت الكثير من الويلات والمآسي وسبّبت المزيد من التمزّق والتشتّت بين أبناء المجتمع الواحد. لذا ينبغي أن نبني  جسور الثقة بيننا وبين هؤلاء ، ونعزّز هذه الثّقة بكلّ الوسائل ، بسلوكنا وأخلاقنا ومواقفنا الوطنيّة ، وبتقوية روابط الأخوّة الوطنيّة على أسس سليمة قائمةٍ على الاحترام المتبادل بغضّ النّظر عن الانتماءات الدينيّة والمذهبيّة  والعرقيّة .

إنّ ما ندعو إليه لن يحدث بمجرّد إطلاق الشّعارات والاكتفاء بها من قبيل شعار الأخوّة العربية الكرديّة الذي طالما أطلقته الأحزاب الكرديّة في بياناتهم وندواتهم ومؤتمراتهم ، وبقي شعاراً نظريّاَ لم يلق صدى لدى الطّرف الآخر لأنه كان يفتقر إلى مشاريع عمليّة تؤكّد صدقيّته وتؤكّد أنّه هدف استراتيجيّ  نسعى إلى تحقيقه لا مجرّد شعارٍ نطلقه في الفراغ .