الدر الثمين في شرح مم وزين:

بين مَلحمتين: ملحمة النصّ وملحمة الترجمة

ريم غنايم شاعرة وكاتبة فلسطينية

انتهيتُ للتوّ من قراءة ملحمة مم وزين ذلك العمل الشعريّ الأدبيّ الكرديّ الخالصّ الّذي حبّره الشاعر الكرديّ أحمد خاني، والذي يقع في ستمائة وثلاثة وتسعين صفحة منقولا الى العربية على يد الاديب والمترجم جان دوست. وقد حزتُ بفرصة الاطلاع على هذه التحفة الأدبيّة الخالدة بصيغتها العربيّة التي نقلها إلينا المترجم بدقّة وعلميّة بالغة الجمال حين قدّم للكتاب في فصل يتعدّى الخمسين صفحة ضابطًا فيها أسسًا تمهيدية واجبة لقراءة هذا العمل الأدبيّ.

 يشكّل هذا العمل الأدبيّ احدى أهمّ الإضافات الأدبيّة للمكتبة العربيّة أدبًا وترجمةً، وهو في قيمته النصيّة والترجميّة يرقى الى مصافّ روائع الأدب العالميّ المنقولة الى العربيّة والتي يجب الاحتفاء بها من قبل النقاد والفاعلين في المجال النقديّ والأكاديميّ. ومن موقعي كقارئة وناقدة أرى بأنّ المسؤولية كلّ المسؤوليّة تقع على عاتق النقاد والناشرين بضرورة التوعية لأهمية الكتاب المنقول، ووضعه في مصافّ الترجمات العالميّة الأخرى على شاكلة ترجمات العرب لمسرحيات سوفوكليس واسخيليوس وشكسبير وملحمة جلجامش وغيرها الكثير مّما قام العرب بنقله الى اللغة العربيّة ايمانًا منهم برفعة هذه الثقافات ورفعة النصوص الأدبيّة والانسانيّة التي أنجبتها سياقاتهم على تنوّعها وتشكّلها. إنّها مسؤوليّة الناشرين في وجوب تقديم هذه التميمة الكرديّة للقارىء العربيّ في طبعات متجددة على الدّوام، فالعمل المتناوَل هنا ليس مجرّد كتاب شعريّ لشاعر مجهول نمرّ عليه مرور الكرام من باب الاحتفاء باكتشافنا له، وليس مجرّد نصّ منقول من لغة مهمّشة الى لغةٍ سياديّة من باب مجاملة الآخر والطبطبة على ثقافته، وانّما من باب كونه أحد أعمدة ثقافة كنّا ولا نزال نجهل بها وبينابيع حضارتها.

في الحقيقة ما زاد اعجابي بهذه التحفة الأدبية، ليست فقط روعة النص في شكله الأصليّ، بل قدرة المترجم على ابراز هذه الروعة بنقل القيمة الابداعيّة الأصليّة عبر الترجمة، اذ تصبح الترجمة هنا حركة كتابة النصّ من جديد وإعادة انتاجه داخل السياق الجمعيّ الثقافيّ وضبط ايقاع النصّ وفق اللغة العربيّة بكلّ دقائقها وتفاصيلها حتّى ليبدو أنّ النصّ مكتوب أصلاً باللغة العربيّة وليس بالكرديّة على لهجاتها المعجونة بالعربية والتركية والفارسيّة. هنا يبدو المترجم الكاتب الثاني للنصّ بجدارة خصوصا وانّه تميّز باشتغاله على سدّ فجوات النصّ كما يبدو في أصله.

يحوي هذا الكتاب ملاحظات نقديّة وتأويلية ولغويّة وعمل تأريخيّ هائلّ للعمل الأدبيّ بغية موضعته في سياقه التاريخي والديني والثقافيّة والسياسيّ الدقيق لكي يفهم قارئ هذا النصّ أهميّته في الثقافية الكرديّة وعلاقته التفاعليّة مع البيئة والدوافع الأخرى التي كوّنت هذا العمل.

تكمن محنة ترجمة هذا العمل الأدبيّ الرهيب، في محنة القبض على معنى النصّ كما يبدو وعلى المعنى الذي أراده صاحب النصّ. وقد نجح المترجم ببراعة في القبض على هذين المعنيين، عبر استراتيجيات البحث والتقصّي والعمل العلميّ الدقيق الذي لفّ به العمل قبل نقله. ثمّ عبر حركية الترجمة وجمالياتها في ذهابها باتّجاه الآخر حين عنون وفسّر وقسّم وشرح المفردات ثمّ شرح الأبيات وأعطى التعليقات الدقيقة في كلّ قسم عمل على ترجمته بحيث لم يترك للقارئ الذي يجهل ما يفيض بجيوب النصّ، فرصة تضييع او افلات معاني ورموز محشوة داخل النصّ قد لا يفهمها الا بمعونة المترجم الذي هو صاحب العمل في لغته الجديدة.

أعتقد أن نجاح هذا العمل في صيغته العربيّة تكمن أساسًا في نجاح المترجم في فهم المناخات الفكريّة والقومية والتاريخيّة للثقافات التي كوّنت هذا العمل واللغات التي استعان بها الشاعر أحمد خاني في صياغة نصه. لا يترك المترجم جان دوست أي ركن في هذا العمل الا وحدد الخارطة الثقافيّة التي ولّدت هذا النصّ. فهو يوفّر لنا المعلومات شبه الكاملة حول الشاعر أحمد خاني وثقافته والسياق الذي جاء بالكتاب وأهدافه السياسية والقوميّة والأدبيّة من وراء هذا الكتاب “المقدّس” للأكراد، الذي أعاد الثقة للأكراد وقوّض ادعاءات الآخرين ب “لقاطتهم” ثقافيًا. وما يزيد من نجاحه كمترجم هو أمانته العلميّة في التدقيق والمقارنات وادراج التناصات بين النصّ ونصوص أخرى لغةً على مستوى المتن واللغة. حتّى في اعترافه في قصوره أحيانًا في نقل معارف الشاعر الفلسفية او الدينية وغيرها يزيد من متانة العمل المنقول ويؤسس علاقة ثقة بين القارىء وبين المترجم.

ما رأيته في هذا العمل الترجميّ الهائل، هو القدرة على خلق نصّ مستقلّ بذاته من حيث الترجمة وذلك بسبب تمكّن المترجم من اللغة المنقول اليها العمل مما يبرز جماليات النصّ في لغته الجديدة ومما يحرز خصوصيّة لهذه اللغة من حيث قدرته على تخطّي المعاجم والقواميس التي لا يمكنها أن تحقق الأمانة الكاملة في نقل المعنى، بل قام المترجم بايراد النصّ الأصلي ومن ثمّ شرح مفردات النصّ وترجمته والتعليق عليه تباعًا. هذا المجهود يزيد من متانة العمل الأدبيّ.

ما تبقّى لي من قول، هو الخسارة الكبيرة التي يتكبّدها القارىء العربيّ وحده في عدم التفات الناشرين والنقاد الى مثل هذا العمل الذي يعتبر اضافة وقيمة ادبية راقية تضاف الى رف الكتب المترجمة الى اللغة العربيّة، والذي يشكّل علامة فارقة في هذه الثقافة قبل أيّ شيء آخر، مما يوجب اعادة طبعه بشكل دائم حتى يتسنّى للأجيال الراهنة والاجيال القادمة امكانيّة الاطلاع على هذا العمل والاحتفاء به على طريقتها.