إسقاطات على الثقافة و الفن الكردي في تركيا – يلماظ غونيه نموذجاً

كندال نزان (1)

الترجمة عن التركية : محمد علي أحمد

يقال بأن الفن هو مرآة المجتمع ؛ أعتقد بأن التعريف صحيحٌ على الأقل فيما يخص فناني المدرسة الواقعية وامتدادها الواقعية الجديدة التي تحاول أن تعكس أحداث و حقائق المجتمع .
لقد كان يلماظ غونيه ـ الذي أضاف محتوى ( الشاهد على العصر ) على أعماله السينمائية ـ مرآةً حقيقية متعددة الجوانب , و ذا شخصيةٍ غنية ومتنوعة المزايا , وكل من ينظر في الجهة التي تقابله من المرآة يرى ما يرغب في رؤيته ..
فمنهم من كان يرى في هذه المرآة الفنان الذي قال عنه ” اليا كازان ” (2) : ( عبقري السينما ) , ومنهم من يرى فيه المحارب والمفكر الشيوعي الأممي , ومنهم من يرى كاتب ” ماتوا وأعناقهم ملوية ” المبدع , ومنهم من يرى بطل أفلام العنف , المزيج من ” أررول فلاين ” (3) و ” بالماندا ” (4) ممثل فيلم ” رجل حتى الجذور ” الشجاع , ومنهم من يرى ” النبي ” يلماظ , الكريم , الإنساني , الأب , من يقاسم رفاقه في السجن كل ما يملك , ويسمع همومهم ويهبهم كل ما يستطيع من عون مادي ومعنوي .
ومنهم من كان يرى في هذه المرآة الوطني الكردي , المتمسك بهويته الكردية والمدافع عن استقلال كردستان.
يا ترى , من يكون يلماظ من بين هؤلاء ؟
أولا يكون اختصار هذا الفنان الكوني المتعدد الجوانب والأبعاد في واحد أو أكثر من أبعاده إساءةً له ولذكراه , وخيانة للحقيقة ؟
كنت أفكر ـ كصديق لـ ” يلماظ ” عايش أيامه الأخيرة التي أمضاها في المنفى ـ أن أساهم في تقييم هذه الحقيقة المعقدة ؛ وبلا شك فإن حق الحديث عنه يعود أكثر مني لأناس يعرفونه قبلي بكثير أمثال ” فاتوش غونيه ” (5) .
وكعادتها , استعجلت الحياة ولم تأبه بمشاريعنا ومخططاتنا ….
محمود باكسي , الذي كنت أظنه في استنبول , ترك لي رسالة في المعهد بباريس , بينما كنت أنا في كاليفورنيا , في آخر العالم , طالباً مني أن أتصل به فوراً ؛ ولعلمي بسوء حالته الصحية , قلقت كثيراً واتصلت به في ستوكهولم على الفور .
ــ ” لقد عدت مؤخراً من تركيا يا كندال , إنهم يكتبون الكثير من الأشياء التي لا تمت إلى الحقيقة بصلة عن يلماظ . إنهم يريدون تتريكه عنوةً بعد وفاته . لذلك قررت أن أؤلف كتاباً بعنوان ( يلماظ الكردي ) لأرد على هؤلاء . أنتظر عودتك , يجب أن أذهب إلى باريس فوراً وأقوم ببعض اللقاءات ” .
ــ ” فهمت .. الأمر ملحّ ” .
كان باكسي ـ الذي سيجري عملية جراحية في أوائل تشرين الأول ـ قد قرر , رغم وهنه ومرضه , أن يخصص ما تبقى من طاقته لسداد دين الوفاء لصديقه الحبيب يلماظ .
كان سيشعر بعذاب الضمير إن لم ينته من الكتاب قبل موعد العملية . وضعه أثّر فيّ كثيراً , وقررت أن ألغي بعض المواعيد و بعض الأعمال اليومية التي حسبتها هامة من قبل , وأتفرغ لمساعدته .
ولتحديد ما نراه ـ نحن كأكراد ـ في مرآة يلماظ المتعددة الجوانب والأبعاد , شرعنا ننظر إلى ” يلماظ غونيه بعين الأكراد ” ونقيّم ما بين أيدينا من وثائق وكتابات إلى جانب ذكرياتي الشخصية معه .
كيف سنتمكن من تقييم يلماظ ؟
بلا شك , نحن نملك مادة غنية , قلما يملكها أي إنسان , عن حياة يلماظ غونيه وفنه وأفكاره , منهلها أفلام يلماظ وكتبه ومقالاته ومقابلاته الصحفية و والكلمات التي ألقاها , بالإضافة إلى ذكريات أقربائه وشهاداتهم .
من حيث أفلامه , نجد أنه ولأول مرة قدم الإنسان الكردي على الشاشة البيضاء ؛ وعلى الأغلب , مثل بنفسه هذه الأدوار . ومواضيع كل أفلامه تقريباً , تدور حول الإنسان الكردي . إن ( سيد خان ) و ( الذئاب الجائعة ) و ( قانون الحدود ) و ( كوجرو ) و ( النحيب ) و ( القلق ) و ( الأمل ) و ( القطيع ) و ( الطريق ) هي أفلام مستوحاة من المجتمع الكردي , وأحياناً , من التجارب الحياتية لمحيط يلماظ العائلي .
يلماظ غونيه , لم يكن قادراً على تصوير هذه الأفلام باللغة الكردية , في تلك الأيام الموبوءة بالعراقيل والرقابات من ناحية , ولأنه أراد مخاطبة مشاهديه الأتراك والأكراد معاً من خلال هذا الحوار التركي في أفلامه , من ناحية أخرى
لماذا لم يصور يلماظ فيلماً يتناول قصةً ” لاذيّة ” (6) أو عربية أو شركسية ؟ أو فيلما يدور حول إنسان تراقيا
أو الأناضول الأوسط أو إيجة ؟
إنه السبب نفسه الذي جعل أفلام الأخوين ” تافياني” (7) تتخذ من إيطاليا موضوعاً لها , وأفلام ” ساتيا جيت راي ” (8) من البنغال موضوعاً لها , وأفلام ” كوروساوا “(9) من اليابان موضوعاً لها .
السبب واضح : لقد كان الواقع الكردي الحقيقة الأكيدة التي يعرفها يلماظ غونيه أكثر من أي شيء آخر . تلك الحقيقة التي تعلمها في طفولته من أمه ” الموشية ” (10) ووالده ” السويركي ” (11) , ومن أقربائه ومعارفه الأكراد وحياتهم وسيرهم .
لقد اكتملت معالم تكوين يلماظ العاطفي والنفسي , وصفاته الشخصية , وقيمه الأساسية , بشكل كبير , خلال طفولته وشبابه التي عاشها في هذا الجو العائلي الكردي .
إن عواطف هذه السنوات وانفعالاتها وأصواتها ,ألوانها ,أضواءها وروائحها وعاداتها الغذائية وتجاربها .. تؤثر فينا ـ كصبغياتنا الوراثية ـ إلى آخر حياتنا ..
فأنا لا زلت حتى الآن , حين أنوي كتابة أي شيء باللغة الفرنسية , هنا في باريس التي قضيت فيها أكثر من نصف عمري , أفكر , وأستلهم الوحي من كردستان طفولتي وناسها .
و باكسي الذي عاش أكثر من عشرين عاماً من حياته في السويد , بلد القطب الشمالي البارد , ما برح يتحدث عن ” كوندكه دونو “(12) , ويدخل موسوعاتهم وكتبهم بحكاياته التي يكتبها باللغة السويدية . ويشار كمال دائماً يتحدث عن ” جوكور أوفا ” (13) .
فالوطن , قبل كل شيء , هو تلك القرية أو الحارة , أو الناحية التي عشنا فيها طفولتنا , وأولئك الناس الذين عرفناهم , وشكلوا عواطفنا وأحاسيسنا …
قبل سنوات , التقيت بكردي مسن ٍ منفي من القفقاس في عهد ” ستالين ” إلى قرية ” دروجبا ” (14) الحدودية مع الصين , والتابعة للعاصمة القرغيزية ” فرونزة “(15) , وأعطاني مخططاً لقرية في ضواحي ” قارس ” (16) أمضى فيها طفولته , تبين جميع البيوت والمناهل والمساجد والسكان القاطنين فيها آنذاك فرداً فرداً . وطلب مني أن أستقصي له أخبار من بقي منهم , إذا مررت بها .
وأولاد هذا الرجل المسن الذين ولدوا وكبروا وعاشوا على حدود الصين , كانوا أيضاً يعرفون هذه القرية وناسها وقصصهم , وحفظوها عن ظهر قلب , واتخذوا من قرية والدهم وطناً خيالياً لهم .
ومن خلال قوة الخيال المؤثرة وأبعادها الفانتازية , اكتسبت هذه القرية أهمية وقداسة , كتلك التي اكتسبتها مدينة ” القدس ” في نفوس اليهود الذين عاشوا ألفي عام في شوق إلى ” أرض الميعاد ” .
وعلى الأغلب , كان يلماظ أيضاً , كـ( رمزي ) بطل رواية ” ماتوا وأعناقهم ملوية ” , حين يصطدم بمصاعب حياته الفقيرة , يتخيل وطنه الممتد بين ” وان ” و ” موش ” كجنة الله على الأرض , متأثراً بمبالغات عائلته الكردية المهاجرة , ويخطط للرجوع إلى هذا الوطن يوماً ما ؛ هذه الجنة , تشبه تماماً ( جنة وان ) التي وصفها يشار كمال في حديثه مع ” ألاين بوسكوت “(17) حلم طفولته وسلواه ومبعث فخره .
إن تصور مثل هذه الجنة الخيالية المفقودة , أمر قائم عند أول جيلين مهاجرين على الأقل , لدى جميع الثقافات .
وربما لهذا السبب , كان يلماظ يستمع للأغاني الكردية بتلذذ , وبنشوة تفوق كثيراً تلك التي يدركها الذين ولدوا وعاشوا في كردستان ؛ إذ كان يقول بأنه حين صدرت أول اسطوانة لـ ” عايشة شان “(18) باللغة الكردية , اشتراها على الفور , واستمع إليها مراتاً ومرات لأيام عديدة .
لقد اعتقدت لفترة طويلة , أن هذه الحالة النفسية , خاصة بالتواقين للماضي , المهجرين عن أوطانهم والممنوعين من العودة إليها , المشبعين برغائب الوصال . كشوق ” ناظم حكمت ” لاستنبول * ؛ وعدم استبدال أخوه بالرضاعة الأمير الكردي ” كاموران بدرخان ” (19) عاصمة أجداده ” جزرة ” (20) بباريس ؛ وقضاء ” فيكتور هيجو ” سنوات نفيه الثماني عشرة إلى انكلترة , في جزيرة ” جرساي ” (21) الأقرب إلى وطنه فرنسا في بيت مواجه للسواحل الفرنسية … إلخ .
لكنني فهمت مع الزمن , أن النفي ليس فقط مسافة أو بعداً فيزيائياً . إن النفي هو المحال الوصول , والمحال المنال , والتطلع إلى المحال التحقق كثيراً من الأحيان .
وبهذا المعنى , يمكن للإنسان مقيد الحرية , الممنوع من قول ما يريد , و من كتابة ما يريد , والتعبير عن أفكاره وأحاسيسه بحرية , أن يحس بالنفي حتى وهو في وطنه .
وقد يكون يلماظ , الذي لم يتمكن من التعبير عن أفكاره وأحاسيسه بحرية في بلد القيود والعراقيل , قد أحس بالنفي أيضاً في تركيا وسجونها .
إن استخدام لغة ” التورية ” (22) بدافع من القيود , وتقديم أنغام الأغاني الكردية بلا كلماتها , أضافا قوة أسطورية لأحد أهم أفلام يلماظ , والتي تعتبر من روائع السينما العالمية . إن هذه القوة , لا يمكن أن يمنحها أي غريب ؛ صديقاً كان أو ديمقراطياً أو جاراً .. إنما يمنحها من عرف هذا الواقع وسمعه وعاشه بنفسه .
لقد تعلمت من مخرج إيطالي شهير , عرضنا عليه تصوير فيلم عن الثقافات , أن معرفة المجتمع بكل دقائقها من الداخل , هي الشرط الصعب ـ ولكن غير الكافي ـ لتحقيق النجاح في فن السينما الصعب والمعقد .
قال لي صديق الأكراد هذا :{ إن قصتكم جميلة جداً ومدهشة , لكنني لا أستطيع أن أخرج هذا الفيلم , رغم كل تعاطفي مع شعبكم . أنا أجهل المجتمع الكردي ؛ كيف يجلس الأكراد , كيف يقفون , كيف يمارسون الحب , لماذا يحزنون , لماذا يضحكون .؟…. هذه الأشياء لا يمكن أن يعرفها إلا من نبت بينهم .
إنه من المستحيل أن يخرج ” القطيع ” و ” الطريق ” إلاّ مخرج كردي يعرف المجتمع الكردي من الداخل ؛ ولا ” زمن الغجر ” إلا مخرج , هو نفسه ينحدر من أصول غجرية مثل ” أمير كوستوريكا ” (23) وليس أنا أو أي مخرج آخر غريب عن هذه المجتمعات .
إن مهنة الإخراج تختلف عن الصحافة , إذ لا يمكن الاكتفاء هنا بالمعلومات والانطباعات السطحية . فأنا مثلاً لا أستطيع حتى أن أخرج سيناريو مفصلة لكاتب كردي , لأن السينما الحقيقية تملك سحراً لا يمكن كتابته , بل فقط يمكن التعبير عنه بالمشهد التصويري ؛ ولتحقيق هذا تجب معرفة هذا المجتمع جيداً } .
وقد سمعت رداً مشابهاً لاقتراحنا , من المخرج الشهير ” كوستا كافراس ” (24) الجار اليوناني ذو العواطف الأقرب إلى عواطفنا .
هذا يعني أن يلماظ غونيه كان على دراية عميقة بأحوال المجتمع الكردي .
هذه كانت حقيقته . يا ترى , هل كان يلماظ مدركاً لحقيقته وهويته ؟
لم يخفِ يلماظ جذوره الكردية في أقواله وكتاباته خلال السنوات التي تلت خدمته العسكرية في ” موش ” . أما عن قبل ذلك , فلا أستطيع أن أقول شيئاً .
لم يكن يلماظ كبعض الشباب الأكراد , الذين يشيرون إلى هويتهم الكردية في كل مكان باندفاع , رداً على سياسة الإنكار الرسمية ؛ بل كان ثورياً , أممياً من أصول كردية . لقد كان انتماء يلماظ الكردي طبيعياً , تماماً كانتماء ” ناظم حكمت ” الأممي التركي .
لعله شعر بالقلق من احتمال حدوث انشقاق في صفوف الثورة , فيما لو فهم تعبيره عن هويته الكردية , نزعةً قومية , وسط الأجواء السياسية لتلك الأيام التي أراد فيها توحيد صفوف الثوريين الأتراك والأكراد .
لقد وقع معظمنا في هذه المغالطة الثورية , لقد كان هدفنا , أن نكون ثوريين أمميين مثاليين . أن ندافع عن وحدة وأخوة شعوب العالم . وكان أحد أكبر مخاوفنا , أن نتهم بـ ” قومية البرجوازية الصغيرة ” .
لقد كان إلقاء ثوري أممي تركي , كلمة ً باللغة التركية , في اجتماع أو حفل , أمراً طبيعياً . أما إلقاء ثوري كردي كلمته باللغة الكردية , فكان يعتبر ” قومية برجوازية صغيرة ” .
هكذا كانت أوامر مشايخ وأقطاب الاشتراكية التركية , المرتدين عن ” الكمالية ” (25) ولم تكن فتاويهم قابلة للنقاش.
لقد كان تجاوز هذه الضغوط الأيديولوجية الثقيلة , أصعب من الإخلال بالقيود التي وضعتها الجمهورية التركية على الهوية الكردية , ووجود الأمة الكردية , من وجهة نظر المثقفين الأكراد , عديمي التجربة , الناظرين إلى العالم من نافذة تركية , وبنظارات تركية .
إذاً , علينا أن نقيم على ضوء هذه الظروف السبب الذي دفع يلماظ إلى عدم منح الأولوية لمشكلة الهوية ؛ رغم كون معظم أصدقائه المقربين من الأكراد , ومساندته الفعلية للتنظيمات الكردية على قدم المساواة مع التنظيمات الثورية التركية .
ولكنه مع الزمن , تمكن حتى من التغلب على هذه الظروف . فقد قام يلماظ اعتباراً من أواسط ,1970 ومن خلال مقالاته التي نشرها في المجلات , بالدفاع الصريح حرية الشعب الكردي , واستقلال كردستان .
ومن خلال كلمته التي وجهها من خلف القضبان إلى مهرجان السينما الدولي الذي أقيم في مدينة ” فالادويد ” (26) الإسبانية , طلب الدعم لنضال الشعب الكردي التحرري و كردستان المستقلة الموحدة .
وقد كان يريد أن تعرف حقيقته بشكل صحيح , لا في تركيا فقط , بل في كل العالم , فقد كان يصرح للصحفيين وممثلي قنوات التلفزة الذين كانوا يزورونه في السجن , أن أبواه كرديان .
إن هدفي من سرد هذه الأمور , هو أن أبين مدى بطلان وانحياز تصرف هؤلاء الذين ادعوا أن يلماظ قد تبنى الهوية الكردية بعد قدومه إلى فرنسا .
فأجواء الحرية في فرنسا , ربما وفرت ليلماظ , إمكانات أوسع كي ينفذ أفكاره التي طورها في السجون التركية ويضفي إليها صدى عالمياً . فلو أن يلماظ أنجز مونتاج فيلم ” الطريق ” في تركيا , لربما كان من المحال أن يطلق تسمية ” كردستان ” على ما بعد الفرات , ولمّا كان في الفيلم موسيقا كردية أو حواراً كردياً .
بعد هذا الفيلم ــ رائعته التي وثــّق من خلالها خلاصة تجربته الحياتية الطويلة , ونظرته إلى ناس ومشاكل وطنه ورؤيته العالمية , وفلسفته ؛ وأوصل من خلالها كلمتي ” كردي ” و” كردستان ” إلى أبعد أصقاع الأرض ــ أصبح يلماظ بطلاً قومياً , لا في ( كردستان ـ تركيا ) حسب تسميته , بل في جميع أجزاء كردستان المجزأة , ولدى جميع الأكراد المنتشرين من كندا إلى جمهوريات آسيا الوسطى . إنها لحادثة نادرة في تاريخ الفن , أن يتوحد شعب مع عمل فني ما , ويثيران معاً هذا الصدى القوي .
لقد كانت مدعاة فخرٍ لشعب ٍ مستهجن ومحتقر ومرفوض الوجود , يناضل من أجل استقلاله ووجوده , أن ينبت من بين صفوفه فنان مقاوم , محارب , أبي ؛ ويفرض اسمه على أوساط السينما العالمية من خلال فيلم عن الأكراد , أنجزه بجهده ودهائه , وينال بها جائزة ” النخلة الذهبية ” التي تعتبر ” نوبل السينما ” .
لقد جرت حادثة مشابهة في أوبرا ” نابوكو ” (27) حيث لفت الموسيقار الوطني ” جوسيبّا فيردي ” (28) الأنظار إلى الواقع الإيطالي المحتل بلغة التورية من خلال معالجته حياة الأسر التي عاشها العبرانيون في مصر . حيث اعتبر ” فيردي ” فناناً ناجحاً من قبل محبي الفن في العالم , لكن الشعب الإيطالي اعتبره ” بطلاً قومياً ” تماماً مثل ” شوبان ” (29) المحبوب عالمياً الذي اعتبر بطلاً قومياً حين عبر بموسيقاه عن روح وطنه بولونيا المحتلة .
لقد قررت الجمهورية التركية , بعد أن لاقى فيلم الطريق صدىً عالمياً , أن تجمع وتتلف أفلام يلماظ , الذي تم تجريده من الجنسية التركية , وتمنع صوره وملصقاته وكتبه . بينما شرع يلماظ بإعداد فيلمه الجديد ” الجدار ” من ناحية , وتمتين علاقته مع الأوساط الفنية والسياسية الفرنسية , والفنانين الأجانب المنفيين إلى فرنسا , من جهة أخرى .
كان يلماظ يصغي للجميع , بصبر وأناة , تليق بالكثير من ثوريي أمريكا الجنوبية , والديمقراطيين , والفنانين , طمعاً في الاستفادة من آرائهم وتجاربهم ؛ وكأنه كان يريد أن يمتحن صحة آرائه , بعد السنوات الطويلة التي قضاها خلف القضبان , وأن يتعلم أشياء جديدة , ويوسع أفق تفكيره عن طريق التحاور مع أناس من ثقافات وقارات مختلفة .
أخبرته يوماً , عن كلمات العالم الإنكليزي الكبير ” نيوتن ” الأخير ة , قبل وفاته :
{ إن العلم بحر , وأنا أشبه طفلاً يعبث بالرمال على شاطئ هذا البحر } .
فاستطرد يلماظ مفكراً بصوت مسموع : { هل يا ترى , ما رأيناه نحن أيضاً , كان انعكاساً بعيداً للعواطف والتجارب الإنسانية الفريدة والعميقة كالبحار ؟ }
وفي خضم مرحلة التحول هذه , بدأ يلماظ يدرك , أن حلمه ” فيدرالية شعوب مقدمة آسيا ” (30) , والثورة العالمية ليست مشاريع واقعية ؛ وشرع يركز طاقته في معركة التشهير بحكم 12 أيلول العسكري في تركيا , وتعريته .
وكان يؤمن بضرورة تنفيذ فعاليات مشتركة بين الثوريين والديمقراطيين الأكراد والأتراك , رغم انتساباتهم التنظيمية المختلفة .
ومن أجل هذه الغاية , شارك في الكثير من الاجتماعات والعروض التي جمعت بين تيارات وتنظيمات مختلفة . وبدأت تتضح في ذهنه فكرة فيدرالية ” تركيا ــ كردستان ” وضرورة قيام الدولة الكردية المستقلة قبل تحقق مثل هذا التوحد الطوعي .
وراح يدافع بعنفوانه وعزيمته المميزة عن فكرة أنه من واجب كل تركي أو عربي أو إيراني , يسمي نفسه ثورياً أو ديمقراطياً , أن يدافع عن هذا النضال التحرري العادل .
و يلماظ لم يعبر عن آرائه هذه , مثل البعض , في الولائم واللقاءات الخاصة ؛ بل عبر عنها في لقاءاته الصحفية والاجتماعات التي شارك فيها آلاف الأشخاص . ومن هذه الكلمات , نُشِـرت في هذا الكتاب ـ كوثائق ـ كلماته التي ألقاها عامي 1983 – 1984 في احتفالات النوروز التي نظمها المعهد الكردي ؛ وقد جمعت هذه الكلمات في أفلام أيضاً . وأنا على قناعة , بأن هذه الكلمات الواضحة والصريحة , لا تحتاج إلى أية شروح أو إيضاحات
إن آراء يلماظ هذه , كانت امتداداً , وشكلاً أنضج , لأفكاره التي انطلق بها ابتداءً من أفلامه , وصرح بها علانية في سنوات سجنه , وأكسبها صفة العالمية في فيلمه ” الطريق ” .
إن جهود يلماظ لإنشاء معهد للثقافة الكردية بباريس بعد ” الطريق ” وقبوله صفة العضو المؤسس في هذا المعهد , وشغله بعد ذلك منصب عضو مجلس الإدارة فيه , حتى رحيله عنا في أيلول 1984 , وإجرائه معظم لقاءاته الصحفية ولقاءاته مع الفنانين الأجانب في هذا المعهد , وكإلتفاتة أخيرة منه , طلبه في وصيته أن ترفع جنازته من المعهد , يظهر جلياً مدى ارتباطه بهويته الكردية , واستخدامه كل شهرته وثقله للتعريف بالقضية الكردية .
وليس فقط الأكراد , بل كل الرأي العام الفرنسي , والعالمي أيضاً , فهموا هذا الأمر ..
لكن جيراننا الأتراك , لا يفهمون , ولا يريدون أن يفهموا الموضوع بهذه الطريقة .
إنه من الطبيعي جداً , أن يرى الأتراك العاديون , القرويون والكادحون , من يلماظ غونيه إنساناً تركياً , بدافع العاطفة , لا سيما وأنه ولد وكبر على أرض الجمهورية التركية و خاطبهم أيضاً في أعماله التي كانت باللغة التركية .
من المعروف أنه لا يلتفت أحد إلى أصل الأشخاص الناجحين والأبطال ؛ فالقومية السائدة , تحاول دائماً ابتلاعهم و التأكيد على تفوقها وسيادتها مرة أخرى , سواءً بوعي منها أم بدون وعي .
عل سبيل المثال , يعتبر الفرنسيون المتطرفون لعرقهم ـ الذين يكرهون الزنوج , ويصوتون لحزب ” لوبان ” (31) اليميني المتطرف في الانتخابات ـ لاعب التنس الزنجي الشهير ” يانيك نواه ” (32) ولاعب كرة القدم الزنجي الشهير ” بولي ” (33) , فرنسيان خالصان , ويتجاهلون كونهما زنجيان .
ومن جانب آخر , يتحمل بعض المثقفين الأكراد ــ الذين يخفون هوياتهم الكردية , وكأنها وصمة عار , حفاظاً على مكانتهم ومصالحهم ــ قسطاً كبيراً من وبال هذا الأمر .
أنا لا أهدف إلى القول , بأن واجب كل كردي أن يحافظ على هويته الكردية حفاظاً مطلقاً ؛ فمثلاً , يمكن أن يتحول الكردي إلى أوربي عن طريق الانصهار الطبيعي , العائد إلى الاختيارات الشخصية والحرة , تماماً مثل الكثير من الأرمن والعرب والأتراك الساكنين في كردستان , والذين تحولوا إلى أكراد نتيجة العلاقات
( الاجتماعية – الثقافية ) التي تربطهم مع من حولهم .
وغير أفراد هذا الانصهار الطبيعي , وجد انكشاريين , وقواد عسكر أمثال ” ع . إنونو ” (34), ج . غورسال(35) ”
وأيديولوجيين أمثال ” زيا غوكالب (36) , جهادبابان (37) ” ووزراء وكتاب أكراد , توحدوا مع الدولة , طمعاً بالمناصب , وصاروا ملكيين أكثر من الملك , ومنظرين للقومية التركية أكثر تشدداً من الأتراك أنفسهم , لحمل الناس على تناسي جذورهم .والجمهورية التركية , استخدمت وتستخدم هؤلاء الأشخاص , من خلال مفهوم الانكشارية ( التركية – العثمانية ) و ضد شعوبهم بالذات .
فقد لعب ” عصمت إنونو باشا ” دوراً هاماً في تقسيم كردستان ومن ثم تخريبه وتدمير أركانه , تماماً مثل الباشا العثماني ” عمر لاتاس ” (38) المنحدر من أصول بوسنية , الذي عاث فساداً في وطنه بالذات , كما يرد في قصة المبدع ” إيفو أنديرج ” (39) .
ولقد كان تجرد قائد العسكر ” جمال غورسال ” الدنيء من أصله ــ لدرجة يقول فيها للآلاف الذين جاءوا لاستقباله في ساحة بلدية ديار بكر : { ابصقوا في وجه من يقول أنكم أكراد } ــ واحداً من أكثر الأمثلة دلالة على مدى اهتمام نظام التأهيل العسكري التركي , بزرع التحفظ والعداوة في نفوس منتسبيها تجاه شعوبهم و هوياتهم وثقافاتهم .
وبين طرفي النقيض ــ مرشحي الانصهار الطبيعي الطوعي , والمغسولين , المنحازين إلى خدمة الدولة ـ هذين توجد كتلة كبيرة من الأكراد المتعلمين ــ المصنفين كمثقفي المستعمرات , أصحاب عقد النقص ــ المتخبطين بين التترك , والحفاظ على هوياتهم الكردية , نتيجة الضغوط الأيديولوجية والاجتماعية , تماماً كالذين قال عنهم
” فرانتز فانون ” (40) : { سود الجلود , بيض الأقنعة } .
هؤلاء الأطباء والمهندسون والمعماريون والمحامون والكتاب الأكراد , وعلى عكس مثقفي إيران والعراق وسوريا الأكراد , لم يكونوا ليفصحوا عن هوياتهم الكردية , إلا في جلساتهم الخاصة , أو حين عودتهم إلى القرى والمدن التي ولدوا فيها . وفيما عدا ذلك , قاموا بإخفاء هوياتهم الكردية لفترة طويلة كحقيقة مشينة بحقهم , أو كأمر خطر قد يؤثر في مستقبلهم تأثيراً سلبياً .
ولهذا السبب , في تركيا لم تألف أسماع حتى الناس العاديين غير الموجهين سياسياً , سماع تعابير مثل ” فنان كردي ” أو ” عالم كردي ” أو ” طبيب كردي ” ؛ في حين يقبل الجميع في إسبانية , سماع تعبير ” المعماري غودي(41) الكاتالي(42) ” و ” الرسام جوان ميرو(43) الكاتالي ” أمراً طبيعياً .
فحين ذكر كلمة كردي , يتبادر إلى أذهانهم ناطور, أو بواب , أو عتال , أو عامل بناء , أو جارهم المهاجر من شرق الأناضول الذي يتكلم لغة تركية مكسّرة , أو رجل عصابات كـ ” إدريس الكردي ” (44) أو إرهابي ؛ وأبداً لا يتخيلون أناساً متعلمين أو مثقفين أو فنانين .
وحين وقـّـع مصمم رقصات الباليه الشهير عالمياً , وعضو المعهد الكردي الفخري ” ماوريكه بيجارت ” (45) على نداء موجه إلى العالم من أجل تحرير الثقافة الكردية في تركيا , وصرح بأن جدته , من أمه , كردية , استنكرت الصحافة التركية هذا الأمر قائلة ً : { هذا ما كان ينقصنا !! عبقري الباليه ماوريكه بيجارت , كردي ٌ أيضاً } وكأنها أرادت أن تنفي هذا الخبر .
والخلاصة , أنه قد يكون البواب ” مرتضى ” أو رجل العصابات ” إدريس الكردي ” كرديان , حسب مفهوم الأتراك العاديين أو الصحافة التركية الموجهة إليهم ؛ ولكن عقولهم , تنفي على الإطلاق احتمال أن يكون شخص مثل ” ماوريكه بيجارت ” أو مثل ” يلماظ غونيه ” كردياً .
وليس من السهل بالنسبة لهم تقبل أمر كهذا ؛ لأن تقبل أمر كهذا قد يهز بعنف , العقيدة الراسخة في لا شعورهم , تلك العقيدة القائلة : { تركي واحد يساوي الدنيا } . يعني , وإن لم يتفوق الأتراك على الألمان أو الأمريكان أو الفرنسيين , أليس بديهياً أن يتفوقوا على الأكراد على الأقل , حتى وإن لم يكونوا قادرين على إنتاج فنانين شهرين أمثال هؤلاء ؟!!
إن آلية الدفاع النفسية لا تسمح بمناقشة مسائل كهذه , قد تقلب منظومة القيم الراسخة رأساً على عقب , وتفضل أن تتجاهل التصنيف الممكن للمراتب الحقيقية !
ويجب أن لا نستغرب ردة فعل الناس العاديين إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الجمهورية التركية ــ التي ألقت بيلماظ غونيه في غياهب زنزاناتها بسبب نزعته الكردية – الشيوعية , وانتزعت منه جنسيتها , وقامت بمنع وإتلاف أفلامه وأعماله ــ ترى أيضاً يلماظ غونيه فناناً تركياً , وتحاول تتريكه عنوةً !
وهل أبقت هذه الجمهورية منذ سبعين عاماً شيئاً لنا ولم تحاول تتريكه ؟!! , أم هل هناك أمراً طبيعياً أكثر من أن تحاول دولة : ــ [ تطلق تسمية ” شرق و جنوب شرق الأناضول ” على بلادنا المعروفة منذ أيام أرطغرل السلجوقي , وطوال فترة حكم السلاطين والباشوات الأتراك باسم كردستان , ضاربة بعرض الحائط , لا بقيم الإنصاف والعدالة فقط , بل بحقائق التاريخ والجغرافية ؛ وتستبدل أسماء الآلاف من قرانا ومدننا الكردية بأسماء تركية , وتفرض أسماءً تركية على الملايين من أبناء شعبنا , وبقرار واحد تمحو وجود جيرانهم الأكراد الذين هبوا بشجاعة , وبشعور أخوي , لنجدة أخوتهم الأتراك في أيامهم الحالكة وساعدوهم في إنقاذ بلادهم من الاحتلال اليوناني ؛ وتمنع لغتهم وأغانيهم ومدارسهم وثقافتهم ] ــ تتريك فنان كردي أيضاً ؟؟!!!! إن كانت هذه الدولة لم تستح ِ من قبل , من تتريك السومريين والحثيين الذين عاشوا قبل آلاف السنين , ولم تكن لهم علاقة بالأتراك لا من قريب ولا من بعيد , ضاربة بعرض الحائط بالحقائق العلمية , والرأي العام العالمي ؛ فقط من أجل الاستفادة من مكانة هذه الحضارات ووزنها .
هذه هي عقلية ” الحصان لمن يركبه , والسيف لمن يتقلده “(46) .
لقد بحثت , وطلبت من كثيرين أن يبحثوا , لكنني لم أعثر في أية لغة أخرى , على مثل مشابه لهذا المثل التركي النموذجي , الذي يبيح السلب والنهب , ويشرعن عقليةً ـ لا تعطي أي اعتبار للحق والمجهود ـ كهذه .
لقد تمكن الأتراك من تأسيس دول قوية , بفضل عقلية العنف والنهب والتطفل هذه , التي دفعتهم إلى احتلال دول غيرهم موجاتاً موجات , والاستيلاء على ثرواتهم وإمكاناتهم , ونهبهم .
لكنهم لم يتمكنوا , من إضافة أي شيء يذكر إلى العلم , أو الحضارة أو التاريخ الإنساني .
إن الإمبراطورية العثمانية العظيمة , الممتدة على القارات الثلاث , وخلال تاريخها الذي يفوق الستة قرون , لم تنتج مفكراً أو عالماً أو فناناً في المستوى العالمي .
وبعقلية التطفل هذه , قاموا باستعارة كلمات جاهزة من اللغات المجاورة لهم , ليطلقوها على الأشياء والمفاهيم الجديدة التي دخلت حياتهم , بدلاً من البحث عن أسماء تركية لها .
إذ لا يمكن العثور إلا على عدد قليلٍ جداً من الكلمات التركية الأصل في اللغة التركية , حتى تلك المستخدمة منها في أبسط المجالات, كأيام الأسبوع والألوان * والخضار والفواكه والأزهار وأسماء الأسماك وحتى الآلات و الأدوات . لأن الأتراك لم يرثوا عادة بذل المجهود العقلي والإنتاج والإبداع .
لقد كان الجيل العثماني الأخير ــ بما فيهم مصطفى كمال أتاتورك ــ على دراية بهذا الفراغ الثقافي المخيف .
كان البعض يقترح جلب رجال من أوربا لاستخدامهم كفحول ! لتلافي هذا الأمر و ” إصلاح العرق التركي ” والتخلص من عقدة ” التركي البربري ” . و حاول مصطفى كمال ورفاقه إضفاء مظهر خارجي متحضر , وواجهة متحضرة لتركية , من خلال الثورات التي أحدثوها في اللباس والحروف .
وبالفعل , تغير اللباس , وحال الطقم و السموكين والقبعة مكان الطربوش و القفطان , ومكان ” الأنتاري “(47)
حال ” التيور ” (48) والتنورة القصيرة ( الميني جوب ) فيما بعد .
لقد تغير المظهر , ولا نملك ما نقوله في هذا المجال , ولكن إلى أي مدىً تغيرت أو غـُـيِّـرت العقول ؟
وحسب المصطلحات الحاسوبية , لا نناقش المكونات الصلبة ( Hardware ) المستعارة أو المستوردة , ولكن ماذا بشأن البرمجيات ( Software ) التي تشغلها وتفعـّلها ؟؟ .
لقد استطاعت الكمالية , عن طريق جلسات المعالجة النفسية الجماعية , وباستخدام جرعات مثل ” تركي واحد يساوي الدنيا ” و ” طوبى لمن قال أنا تركي ” الفريدة من نوعها , ونظرية ” اللغة الشمس ” ومحاولة اجتياز الدروب الصعبة بواسطة الخرائط .. أن تسكن لفترة , عقدة النقص هذه والجرح الاجتماعي هذا , لكنها لم تتمكن من مداواته بشكل نهائي .
الحل ليس كامناً في تقديم ” مولانا جلال الدين الرومي ” ــ الذي ولد إيرانياً في مدينة ” بالكس “(49) الخراسانية , وكتب جميع مؤلفاته باللغة الفارسية ــ مفكراً تركياً لمجرد أنه أمضى القسم الثاني من حياته في ” قونية ” .
وليس في إعلان أن السلطان الكردي صلاح الدين الأيوبي ــ الذي اعتبرته أوربا في عصورها الوسطى رمز النبل والإنسانية , وذكره ” دانتي ” بكل احترام في ” الكوميديا الإلهية ” ــ هو شخص تركي , وكذلك اليوم ليس كامناً في تتريك يلماظ غونيه .
على الأغلب يمر طريق الحل من تغيير العقول , والتقاليد الثقافية , فقد كان على الأتراك ــ المتطلعين دائماً إلى الغرب , أصحاب عقد الغرب , وخاصة المثقفين والفنانين الأتراك , الذين يحملون أفكاراً هامة جداً , كتشكيل العقول , أو توجيه العقول ــ أن يعتادوا على رؤية أنفسهم من مرآة جيرانهم الأكراد و ( اللاذ ) والأرمن والروم
وبما أننا غير قادرين على تغيير الجغرافيا , فإننا مجبورون على فهم بعضنا و احترام حقوق وقيم بعضنا , والعيش مع بعضنا سواءً في إطار دولة واحدة, أم في دول مختلفة .
ومن أجل هذا يجب تشجيع الإنتاج والإبداع بدلاً من مفهوم النهب الجديد , واستبدال الأيديولوجية الشوفينية الرسمية المصطنعة والزائفة , بتقليد تركي ديمقراطي متسامح إنساني ومتقبل للنقد على ضوء القيم الإنسانية والحضارية العالمية .
إن إيجاد تقليد تركي كهذا لا يتم بـ ” إسماعيل بكجي “( 50) واحد , بل بالعشرات منه , بجهده وجرأته المدنية وشرفه الفكري .
وحين يتم إيجاد تقليد تركي كهذا سوف يثق الشعب التركي بنفسه ثقة حقيقية , ولن يبحث عن السلوى الجوفاء في نشر أخبار صحفية عن سائح ألماني بسيط , لمجرد أنه أحب ” المطبخ التركي ” أو ” الرقصات الشرقية التركية” ولن يحتاج إلى استملاك فن وحضارة الأمم الأخرى .
ومع الأسف , يبقى الإنساني التركي اليوم , هزيلاً , أمام أيديولوجية النهب والغش والضغط والرفض والإنكار السائدة في بنية الدولة ومؤسساتها وصحافتها وجامعاتها .
وقد يكون قصد كاتب خبير , ذو وعي وجرأة , وصاحب معرفة جيدة بشعبه مثل ” عزيز نسين ” من قوله :
{ إن 92% من الأتراك أغبياء } هو رغبته في لفت الأنظار إلى الوضع العقيم الهزيل للعقلية الديمقراطية , والتقليد الإنساني في الثقافة التركية , والضمير التركي العام .
وبلا شك , لا يمكن لهذا الكاتب , أو لأي شخص منا , أن يفكر بأن الأتراك أغبياء منذ الولادة ولن يصبحوا يوماً كغيرهم من البشر !!
فمثلاً , رئيس وزراء سابق ـ يفترض أنه يساري ديمقراطي , وشاعر , نجا من الإعدام بأعجوبة , ويحاول
مداواة جراحه تحت حماية أجنبية ـ يصف شعب كردستان العراق ” بالخطر ” هذا الشعب الذي فاز بتعاطف الرأي العام العالمي الكبير نتيجة مؤسساته ونضجه الديمقراطي ؛ ويطلب من أنقرة أن تتفق مع صدام حسين ” أحد أكثر مجرمي عصرنا دموية , ويتطوع صراحة للقيام بدور الوساطة ..
والمثال الآخر .. تصريح ” السيدة تانسو ” (51) الجميلة الأنيقة , بفخر وابتهاج في قنوات التلفزة : ( مقتل أكثر من ألف إرهابي في الأسابيع الأخيرة ) .
وكيف يمكن للبرفسورة , رئيسة الوزراء التي درست في أرقى مدارس بلادها وعاشت لسنوات طويلة في أمريكا , والتي يفترض أن تكون حنونة , لكونها امرأة , وأماً , أن تفرح ــ كجنرال إجرامي القسمات , يتلذذ من تعذيب المعتقلين ــ لمقتل أبنائنا اليافعين الذين أنكر النظام المتسلط الهمجي هويتهم ووجودهم , وحقوقهم السياسية والثقافية , وحرق قراهم وعذّب الوالد أو العم أو أحد الأقرباء المعتقلين , أو قتل بعضهم أمام عيونهم ؛ وراحوا يبحثون عن الخلاص , وعن الدفاع عن أنفسهم وشعوبهم في صعود الجبال .
هؤلاء الشباب الذين دفعهم إلى الجبال ذلك الظلم الذي قال عنه ” برخت ” (52) : { كنا خرافاً فحولنا الزمن إلى ذئاب } وإرهاب الدولة المعمم على المؤسسات .
برفسورة تفرح لمقتل هؤلاء الشباب الذين لم يبلغ معظمهم سن دخول الجامعات , بدلاً من التحاور معهم بحنان , وتفهمهم , والعمل على إيجاد حل إنساني عادل لمشاكلهم .
وهنا يتبادر إلى ذهني اسم ” مهدي زانا ” (53) الذي أعلن في البرلمان الأوربي عن حزنه العميق من أجل الجنود الأتراك الشباب الذين قتلوا في كردستان , ومشاركته لآلام عائلاتهم , وعن إيمانه بضرورة إيجاد حل سلمي يستند إلى الصداقة التركية ــ الكردية , من أجل إنهاء هذه الآلام ومنع إراقة دم الأخوة .
” مهدي زانا ” الكردي المدافع عن القيم الإنسانية والأخوة والسلام , حتى بعد الـ 14 سنة التي قضاها في الزنزانات التركية , والتعذيب البربري الذي عاناه فيها .
وبعد مواقفه الإنسانية هذه تقوم الجمهورية التركية برفع دعوى ضده , بتهمة ” الإساءة إلى اعتبار الدولة في الخارج ” ( ومؤخراً يسقط مجلس الأمة التركي الكبير عضوية سبعة من النواب الأكراد ) دون حساب للوقوع في موقف مضحك أمام الرأي العام الأوربي .
أفكر في الدعاء الكردي , الذي تردده الأمهات الكرديات الأميّات خمس مرات في اليوم : { Xwedêyo tu pêşiyê li heftê û du miletan bê rehmê paşiyê li me jî }
أي ” ربي ارحم اثنتين وسبعين أمةً أولاً , ثم ارحمنا نحنا أيضاً ”
دعاء أمي الذي كنت أسمعه حين أعود من مدرستي التركية , ذلك الذي يحتقر مبدأ ” تركي واحد يساوي الدنيا ” و تلك التربية العرقية العسكرية التي توسم كل أمة غير تركية بالخائنة و العاهرة والعدوة , وتحتقرها , وأفكر بعاداتنا التي تقضي بتقاسم ما لدينا وحتى الطعام المطبوخ في بيوتنا مع جيراننا المحتاجين ..
ولكن , ماذا إن لم يصل إلينا الدور بعد 72 أمة يا أمي .. ؟
وحين سألتها بتفكيري الطفولي المتخبط بين ثقافتين : ( لماذا لا تفكرين بالأكراد أولاً ؟ ) جاوبتني : ( إن الذين لا يفكرون في خير ورفاهية جيرانهم وغيرهم , وأفراد الشعوب الأخرى , لا يستحقون الخير والإنسانية ) إنها عقلية ” يا رب ساعد غيرنا ثم ساعدنا ” وهو ذلك التقليد الإنساني الكردي الذي يمتد جذوره إلى أعماق تاريخنا ويحقن الإيثار والرحمة , وحب الإنسان ؛ والمحمول من جيل إلى جيل من خلال العائلة الكردية , والذي تحكي عنه أساطيرنا وحكاياتنا وأغانينا الحماسية ــ تقليد شامل وفاعل .
وبموجب هذا التقليد الذي يقضي بتقاسم حتى خبزنا اليابس مع جيراننا , اليوم في كردستان العراق الحر , المقام فوق الخرائب بعد حرب ودمار دام 30 عاماً , يتم في قنوات التلفزة المحلية التي افتتحت من العدم , بث برامج لجيراننا الأقليات السريانية والكلدانية و التركمانية والعربية , وبلغاتهم هم ؛ ويمنحون حق إنشاء تنظيماتهم السياسية الحرة المستقلة , وحق التعليم والنشر بلغاتهم , ويراعى بشكل خاص ضرورة تمثيلهم في البرلمان والحكومة .
إنه ذلك التقليد الإنساني الذي أحياه ودافع عنه بلا مساومة , أمثال ” قاسملو ” و ” برزاني ” في الساحة السياسية في مواجهة بعض التيارات الراديكالية التي أنتجتها المدارس التركية اللاديمقراطية المعروفة بنزعتها الإنكارية , وضغوطاتها , والتي ينطلق أفرادها من مبدأ : ” إننا بهذه العقلية لن نحقق شيئاً , يجب أن نطبق مبدأ العين بالعين , والسن بالسن ” ويرون أن الغاية تبيح كل الوسائل المؤدية إليها ؛ والمبتورين عن جذورهم والمغتربين عن ثقافتهم , والذين حولهم النظام والزمن إلى ذئاب .
قد لا يبدو فاعلاً في المدى القريب ؛ إلاّ أنه تقليد أصيل وشريف .
إن الضمير الكردي العام المتشكل من خلال هذا التقليد , يرى حكام تركيا ــ الذين يمنحون أنفسهم كل الحقوق ويبخلون على الأكراد جيرانهم منذ ألف سنة بإذاعة أو قناة تلفزيون تبث بلغتهم , أو حتى التعليم بلغتهم ــ لا إنسانيين بطبيعة الحال .
وحين ينقذ جيراننا الأتراك ــ الذين أحبهم رغم كل شيء , وأرغب بصداقتهم , وخاصة المثقفين والحكام منهم ــ أنفسهم من الاشتراطات الأيديولوجية اللاعصرية , ويشكلون تقليداً يحترم حقوق 72 أمة ويمنحهم ــ لا نقول الأولوية ــ حق المساواة , أو حق الحياة على الأقل ؛ حينها ستكون عقولهم قد قاربت روح العصر بدرجة كبيرة .
و حينها لن تكون هناك حاجة لتأليف كتب لرسم حدود جديدة , أو ليثبت ” محمود باكسي ” الانتماء الكردي ليلماظ غونيه .

كندال نزان
باريس 14 أيلول 1993

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – Kendal Nezan : كاتب وصحفي كردي – مدير المعهد الكردي بباريس ( المترجم )
2 – Elia Kazan : سينمائي فرنسي . ( المترجم )
3 – Errol Flynn : شخصية سينمائية . ( المترجم )
4 – Belmanda : شخصية سينمائية . ( المترجم )
5 – Fatoş Güney : زوجة يلماظ غونيه . ( المترجم )
6 – Laz : تسمية تطلق على سكان سواحل البحر الأسود في تركيا . ( المترجم )
7 – Taviani . المترجم ) )
8 – Satyajit Ray . ( المترجم )
9 – Kurosawa . المترجم ) )
10 – Muş . ( المترجم )
11 – Swêrek . ( المترجم )
12 –Gundikê Dono . ( المترجم )
13 – اukurova . ( المترجم )
14 – Drujba . ( المترجم )
15 – Frunze . ( المترجم )
16 – Kars . ( المترجم )
17 – Alain Bosquet . ( المترجم )
18 – Ayşe Şan . المترجم ) )
* ( Ben bir çınar ağacıyım gülhane parkında / Ne sen bunun farkındasın ne de polis farkında ) أنا سنديانة في حديقة ( كول خانة ) | لا أنت ولا الشرطي لاحظتما هذا ” – ناظم حكمت – (المؤلف ) ”
19 – Kamuran bedirxan . ( المترجم )
20 – Cizre . المترجم ) )
21 – Jersey . المترجم ) )
22 – (Ezop ) يستخدم المؤلف هنا كلمة . ( المترجم )
23 – Emir Kusturica . المترجم ) )
24 – Costa Gavras . المترجم ) )
25 – Kemalizm . المترجم ) )
26 – Valadoid . ( المترجم )
27 – Nabucco . ( المترجم )
28 – Giuseppe Verdi . ( المترجم )
29 – Chopin . المترجم ) )
30 – “Önasya Halkları federasyonu ” كما ورد في النص التركي . ( المترجم )
31 – Lepen . المترجم ) )
32 – Yanick Noah . ( المترجم )
33 – Boli . المترجم ) )
34 – Ismet Inönü . المترجم ) )
35 – Cemal Gürsel . ( المترجم )
36 – Ziya Gökalp . ( المترجم )
37 – Cihat Baban . ( المترجم )
38 – Ömer Latas . ( المترجم )
39 – Ivo Andirç . ( المترجم )
40 – Frantz Fanon . ( المترجم )
41 – Gaudy . ( المترجم )
42 – Katalan . ( المترجم )
43 – Joan Miro . ( المترجم )
44 – ” Kürt Idris ” كما ورد في النص التركي ( المترجم )
45 – Maurice Bejart . المترجم ) )
46 – ” At binenin Kılıç kuşananın ” المثل كما ورد في النص التركي ( المترجم )
* مثلاً أخذت تسمية اليوم الأول من الأسبوع ( Pazar) من التسمية الفارسية ( Bazar ) وبالكردية ( Yekşem ) , وتسمية اليوم الثالث ( Salı ) من كلمة ( ثالث ) العربية والعبرية , وبالكردية Sêşem ) ) وتسمية اليوم الرابع و الخامس ( Çarşamba Perşembe , ) من الكردية القديمة والفارسية , بالكردية ( ( Çarşem , Pêncşem وتسمية اليوم السادس ( Cuma ) من اللغة العربية , باختلافات لفظية طفيفة . وقد قاموا بترقيع كلمتي ( Pazar ) و ( Cuma ) الأجنبيتين بإضافة كلمة ( ertesi ) التي تعني ( التالي ) إليها للحصول على تسمية لليوم الثاني , بالكردية ( Dışem ) و اليوم السابع , بالكردية ( Şemî ) وكلمة ( Hafta ) ” التي تعني أسبوع ” مأخوذة من كلمة ( Heft ) التي تعني سبعة , و ( Hefte ) سباعي ذو سبعة , الكردية .
وكلمة ( Renk ) ” التي تعني لون ” مأخوذة من ( Reng ) المشتركة بين جميع اللغات الإيرانية { الكردية , الفارسية , البلوشية , البشتوية } وجميع أسماء الألوان في اللغة التركية , باستثناء( أحمر Al ) و ( أبيض Ak ) و ( أسود Kara ) مأخوذة من لغات أجنبية كالعربية والفارسية والرومية . ” المؤلف ”
47 – Entari لباس المرأة التركية التقليدي ( المترجم )
48 – Tayyör طقم نسائي ( المترجم )
49 – Balx . ( المترجم )
50 – Ismail Bekçi . المترجم ) )
51 – Tansu Çiller . المترجم ) )
52 – Brecht . ( المترجم )
53 – Mehdî Zana . ( المترجم )