تحسين إبراهيم الدوسكي

 

من المعلوم لدى الباحثين في تاريخ مذهب الإمام الشافعي أن للكرد على اختلاف طوائفهم ومشاربهم دور بارز في خدمة ونشر المذهب الشافعي، ليس بين بني جلدتهم فحسب بل كان لهم دور في نشر هذا المذهب في بلدان بعيدة عن بلادهم أيضاً، وذلك عندما تولوا الحكم في تلك البلدان، كما كان للعلماء الكرد من الشافعية دور غير خفي في تثبيت مسائل المذهب وتمحيصها وتدريسها على مدى قرون مديدة، حتى أمسى اسم الكرد في كثير من الأحيان مقروناً باسم المذهب الشافعي.. فما هي حقيقة العلاقة بين الكرد والمذهب الشافعي؟ وما هو دور الكرد في تثبيت ونشر هذا المذهب؟ وما هي الدوافع وراء انتساب الكرد إلى هذا المذهب؟

هذا ما يحاول الباحث في بحثه هذا أن يكشف النقاب عنه من خلال الرجوع إلى المصادر التاريخية.

والبحث مقسم على مقدمة وأربعة مباحث، كما يلي:

المقدمة وهي تمهيد موجز في التعريف بالإمام الشافعي ومذهبه الفقهي وأبرز ما يميز مذهبه.

المبحث الأول : اعتناق الكرد للمذهب الشافعي.

المبحث الثاني: انتشار المذهب الشافعي في بلاد الكرد، أسبابه ودوافعه.

المبحث الثالث: من أوائل من (تشفع) من العلماء الكرد، ودورهم في نشر المذهب بين الكرد.

المبحث الرابع: دور العلماء الكرد والمدارس الكردية في خدمة ونشر المذهب الشافعي قديماً وحديثاً.

 

المقدمة

تمهيد موجز في التعريف بالإمام الشافعي

ومميزاته وآثاره

الإمام الشافعي هو أبو عبد الله، محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن سائب المطلبي القرشي، ينسب إلى جده الأعلى شافع بن السائب الذي كان صحابياً هو ووالده السائب العائد في نسبه إلى المطلب بن عبد مناف الجد الأعلى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه إحدى مناقبه التي لا يشاركه فيها أحد من أئمة المذاهب الأربعة عند أهل السنة.

ولد في مدينة غزة (أو بعسقلان) بفلسطين يوم الجمعة الثلاثين من شهر رجب من سنة 150 هـ (المصادفة لسنة 767 م) ووافق تاريخ وفاته أيضاً الجمعة الثلاثين من شهر رجب من 204 هـ (المصادفة لسنة 820 م).

مات والده وهو دون السنتين، فحمل إلى مكة، و بها نشأ، فحفظ القرآن صغيراً، وروى الحديث، فأرسلته أمه إلى البادية ليعيش بين أهلها، فعاش فصيح اللسان، عارفاً باللغة حافظاً لأشعار العرب وأيامهم.

ومع أنه توجه صوب الأدب أول أمره، إلا أنه تحول إلى الفقه، وقصد مجلس مفتي مكة مسلم بن خالد الزنجي، كما تلقى العلم من الإمامين سفيان بن عيينة وفضيل بن عياض. وفي المدينة تلقى العلم من إمامها مالك بن أنس، وقرأ عليه الموطأ حفظاً.

توجه بعد ذلك إلى منطقة نجران باليمن، واشتغل في بعض الأعمال الإدارية، فعرف بنزاهته ومواجهته لأهل الفساد، وحدث أن قام بعض العلويين بثورة ضد العباسيين فقبض على بعضهم، ولما كان الشافعي مطلبياً قبض عليه هو الآخر، وأرسل إلى بغداد، وهناك التقى بالخليفة العباسي هارون الرشيد الذي أعجب بمنطقه وأفرج عنه، وكان لانتقاله إلى بغداد خير كبير له وللعلم، حيث انصرف عن الأعمال الإدارية واتجه ثانية صوب العلم، وتلقى العلم عن الإمام محمد بن الحسن وارث علم أبي حنيفة، وبذلك جمع بين فضائل مدرستي أهل الحديث بالحجاز وأهل الرأي بالعراق.

وتنقل بين العراق والحجاز، وكان له في المسجد الحرام بمكة حلقة للتدريس، وبعد طول دراسة وتدريس توصّل إلى وضع أسس وضوابط للاستنباط، وقد مكّنه ذلك من الاستقلال بطريق خاص في الاستنباط، أصبح فيما بعد مذهباً فقهياً عُرِفَ باسمه.

زار بغداد مرة أخرى سنة 198هـ ، وبعد مدة وجيزة خرج إلى مصر واستوطنها، حتى وفاته، وكانت تلك المرحلة من عمره مرحلة النضوج الفكري، حيث أعاد النظر في كتبه وآرائه، وغيَّر وأضاف، وأسس ما عرف بالمذهب الجديد([1]).

تميز الإمام الشافعي بميزات كثيرة قلما شاركه فيها من عاصره من العلماء، منها:

1– المواهب الكثيرة التي منحها الله تعالى له كالذكاء وعمق التفكير وحضور البديهة.

2– فصاحة اللسان وقوة البيان وعذوبة الأسلوب وجزالة التعبير، التي اكتسبها من حياته التي عاشها في البادية، وفي حلقات الأئمة من مشايخه.

3– شاعريته وتذوقه للأساليب الأدبية، واطلاعه على أشعار العرب وآدابهم وأيامهم، ومعلوم أن الإمام كان شاعراً مجيداً، وأبياته السائرة أكبر دليل على ذلك.

4– علمه الواسع بأيام العرب وتاريخهم وحياتهم الاجتماعية، وقد مكّنه ذلك من التعرف على أساليب القرآن والسنة، وما له صله بأسباب النزول والورود التي تعين على شرح النصوص شرحاً صحيحاً.

5– تنوع مصادره العلمية، وجمعه بين محاسن مدرستي أهل الحديث وأهل الرأي، فقد تلقى العلم من أفاضل أئمة عصره، كالإمام مالك، ومحمد بن الحسن، ويحيى بن حسان صاحب الليث بن سعد، وعمر بن أبي سلمة صاحب الأوزاعي، وغيرهم([2]).

ترك الإمام الشافعي تراثاً علمياً ثرياً، وله مصنفات سار بها الركبان كما يقال، أشهرها:

– كتاب الأم في الفقه، وهو مطبوع ومشهور.

– المسند في الحديث.

– الرسالة في أصول الفقه.

وغيرها.

وقد ألفت الكثير من الكتب والمصنفات والأجزاء في مناقبه وفضائله قديماً وحديثاً.

 

المبحث الأول

اعتناق الكُرد للمذهب الشافعي

يعود بدء اتصال الكرد بالإسلام على المستوى الفردي إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك عندما شد جابان الكردي الرحال إلى المدينة، وأسلم على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعُدَّ بذلك من الصحابة([3])، أما على المستوى الجماعي فيعود اتصال الكرد بالإسلام إلى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 18 للهجرة، وذلك عندما وصلت الفتوحات الإسلامية إلى بلاد الكرد، ولكن لم يذكر للكرد في العهد الراشدي أي دور يذكر لا على المستوى السياسي ولا على المستوى العلمي والدعوي، وذلك لأن الكرد كانوا قريبي عهد بالإسلام واللغة العربية، وكان الأمر كذلك تقريباً في العهد الأموي أيضاً.

في بدايات العهد العباسي، وبعد ظهور عصر تدوين العلوم المختلفة، وانتشار المدارس في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وتقدم عجلة العلم بين شعوب الأمة الإسلامية، بدأنا نشهد حضوراً كردياً ملموساً في الميادين العلمية المختلفة بل وحتى في الميدان السياسي والحضاري، وأصبحنا نجد أسماءً كردية لامعة في مختلف المجالات، ومن تلك المجالات مجال الفقه الإسلامي، الذي ناله انتعاش واضح بعد ظهور المدارس الفقهية المختلفة التي ظهرت على أيدي أئمة مجتهدين، تلك المدارس التي عرفت فيما بعد بالمذاهب الفقهية.

ومع أن هذه المذاهب الفقهية في بدايات انتشارها بين المسلمين اعتمدت أساساً على فقهاء انتسبوا فكرياً إلى إمام من الأئمة المجتهدين، واعتمدوا أصولهم في الاستنباط، و بنوا آراءهم على تلك الأصول، وأفتوا حسب اجتهاداتهم تلك، ولم يعتمد ذلك الانتشار على اعتبارات قومية أو قبلية أو طائفية، إلا أننا وبمرور الزمن بدأنا نلمس أن قوماً معيناً، أو أهل بلدة معينة، اعتنقوا مذهباً ما من المذاهب الفقهية، وتجمعوا حوله حتى بدا وكأن هذا المذهب جزء من مكونات أولئك، كما حدث على سبيل المثال مع الكرد والمذهب الشافعي.

لكن كيف كان الأمر مع الكرد قبل بدء تحول غالبيتهم إلى المذهب الشافعي؟

نقول: نحن وللأسف الشديد لا نملك اليوم من المصادر التاريخية القدر الكافي الذي يسعفنا في رسم الصورة التامة لواقع الكرد يومئذ، ولاسيما المذهب الفقهي الذي كانوا يعتنقونه، وعليه لا بد لنا أن نبحث عن الأمر من ناحية أخرى لكي نصل إلى نتيجة تقريبية، وأعني بها البحث عن المذهب الفقهي للعلماء الكرد الذي اشتهروا في تلك الحقبة الزمنية، وورد ذكرهم في كتب التراجم، وبنظرة على تاريخ العلماء والفقهاء الكرد، يمكننا رسم الصورة كالتالي:

1– في القرن الرابع الهجري، وذلك قبل انتشار المذهب الشافعي بين الكرد بشكل واسع، نجد أتباع المذاهب الفقهية الأربعة بين العلماء الكرد، فعلى سبيل المثال كان يوسف بن كج الدينوري شافعياً، وكان  أبو علي الحسين بن أحمد الآمدي مالكياً، وكان  سليمان بن المعافى الحراني حنبلياً، وكان أحمد بن داود الدينوري حنفياً.

هذا بالرغم من أن المذهب الرسمي للدولة العباسية كان حينئذ هو المذهب الحنفي.

2– في القرنين الخامس والسادس الهجريين نجد المذهب الحنبلي هو الأكثر انتشاراً بين العلماء الكرد، ومنهم على سبيل المثال: الشيخ عبد القادر الگيلاني، والإمام عز الدين الرسعني، وعدد من علماء حرّان.. لكن على الرغم من هذا كان المذهب الشافعي في هذه الحقبة الزمنية في طريقه للانتشار في مناطق كثيرة من بلاد الكرد، وذلك عن طريق بعض كبار المشايخ والعلماء، وسنأتي على ذكرهم لاحقاً إن شاء الله تعالى.

3– بعد القرن السابع الهجري، وخلال إطلاعنا على المذاهب الفقهية للعلماء الكرد نجد بأن أغلب العلماء الكرد، بل نكاد نقول كلهم، تشفَّعوا في مذهبهم الفقهي، وأصبح لهم الباع الطويل في خدمة هذا المذهب عن طريق تدريسه والتأليف فيه ونشره والإفتاء على قواعده، حتى أصبحنا نرى (التشفع) وكأنه خاصيّة من خواص الفقيه الكردي.

ولنا أن نتساءل هنا: ما هي الأسباب والدوافع التي تكمن وراء نشر هذا المذهب تحديداً بين الكرد؟ ولماذا اختار العلماء الكرد هذا المذهب ليكون المذهب الرسمي – بل والوحيد- الذي يتم تدريسه في مساجدهم ومدارسهم؟

هذا ما نحاول الإجابة عنه في المبحث التالي.

 

المبحث الثاني

انتشار المذهب الشافعي في بلاد الكرد

أسبابه ودوافعه

من خلال العرض السابق الموجز يتبين لنا بأن بدء اتصال الكرد بالمذهب الشافعي يعود إلى أواخر القرن الرابع وبدايات القرن الخامس الهجريين، أما بدء انتشار هذا المذهب بين الكرد بشكل واسع فيعود إلى القرنين السادس والسابع الهجريين، أي: في أواخر العصر العباسي، وخلال استعراضنا للحالة السياسية والثقافية للعالم الإسلامي حينئذ – و بضمنه بلاد الكرد- يمكننا حصر الأسباب الكامنة وراء هذا الحدث في النقاط التالية:

1– تراخي قبضة الدولة العباسية في أواخر عصرها على البلاد الواقعة تحت حكمها، أدى إلى حدوث تغييرات عديدة في شتى الجوانب الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومنها مسألة التمذهب الفقهي والفتاوى، إذ من المعلوم أن مذهب الدولة العباسية الفقهي كان هو المذهب الحنفي، وكان قاضي القضاة ومن في أيديهم ملاك الأمر لا يعينون في القضاء والفتوى إلا من كان حنفياً، وكان المذهب الرسمي السائد في مدارس العاصمة وكبريات المدن في الغالب هو مذهب الدولة، فلما ضعفت الدولة وانهارت أخيراً، انقلب الأمر، وأصبح الناس في حلٍ من هذا الالتزام، ولم يعد المذهب الذي تتبناه الدولة طريقاً لدى الفقيه للحصول على المناصب الرسمية، أو التزلف للسلطة السياسية، وهذا ما مهّد الطريق إلى انتشار المذاهب الأخرى غير المذهب الرسمي للدولة، وعليه فقد خلت الساحة العلمية والثقافية – إن صح التعبير- للمذهب الشافعي في بلاد الكرد القريبة من قلب الدولة العباسية للانتشار.

2– بدءاً من أواخر القرن الرابع الهجري بدأنا نرى عدداً من العلماء الكرد سواء القاطنين منهم في كردستان أو الساكنين في البلدان الإسلامية الأخرى -تأثراً بأساتذتهم- يلتزمون في الفروع بالمذهب الشافعي،  وكان لهؤلاء فيما بعد دور مباشر في نشر هذا المذهب بين الكرد من خلال قيامهم بالتدريس والتأليف والفتوى على هذا المذهب، وسنذكر بعض هؤلاء لاحقاً إن شاء الله تعالى.

3– في القرنين الرابع والخامس الهجريين كان النشاط الشيعي، سواء المذهب الإسماعيلي أو مذهب  الشيعة الاثني عشرية، في ازدياد واضح، ومن الوسائل التي كان دعاة الشيعة يعتمدون عليها في بث أفكارهم ومعتقداتهم المدارس التي أسسها الفاطميون والبويهيون في مناطق عديدة من العالم الإسلامي، على حين ضعف من الدولة العباسية، وبعد أن دخل السلاجقة إلى مسرح الأحداث وقويت شوكتهم، وكانوا من المتحمّسين لمذهب أهل السنة، فكّروا جدياً في التصدي للنفوذ الشيعي، ومن الوسائل التي اعتمدوا عليها في تصديهم ومقاومتهم لهذا النفوذ فتح عدد من المدارس العلمية التي عرفت بالمدارس النظامية نسبة إلى نظام الملك أبي علي الحسن بن علي الطوسي (قتله الباطنيون سنة 520 هـ وهو يصلي في الجامع الكبير بالموصل) وكان وزيراً للسلطان ألب أرسلان ثم لابنه ملكشاه، وقد قامت هذه المدارس في الأصول على المذهب الأشعري، وفي الفروع على المذهب الشافعي، وذلك لأسباب يطول ذكرها([4])، وكان لهذه المدارس دور أساسي وبارز في نشر المذهب الأشعري في العقيدة والمذهب الشافعي في الفقه في ربوع بلاد الكرد، حيث أن أغلب شيوخ العلماء الكرد -كما يبدو من سلسلة إجازاتهم العلمية- كانوا قد تخرجوا من هذه المدارس، وبتأثير منها ألزموا أنفسهم بالمذهب الشافعي، وقلّدوها في طريقة التدريس عندما قاموا بفتح المدارس الخاصة بهم في مدنهم وقراهم.

4– أما السبب الأقوى في نشر المذهب الشافعي بين الكرد -في اعتقادي- فهو دور صلاح الدين الأيوبي ودولته، بل إن لصلاح الدين ودولته دور واضح في نشر هذا المذهب خارج كردستان أيضاً، كمصر واليمن والشام، إذ المعلوم أن صلاح الدين الأيوبي كان شافعي المذهب، يقرّب المدرسين والقضاة والمفتين من الشافعية، ويعطيهم الصدارة في الوظائف الرسمية، وبمطالعة أسماء هؤلاء نجد أن غالبيتهم كانوا من الكرد الذين استقدمهم صلاح الدين معه من مختلف بلاد الكرد ليكونوا عوناً له في مواجهة المعتقدات الباطنية الخطيرة التي كانت قد انتشرت في مصر والشام في ظل الدولة الفاطمية وبتشجيع منها، ولأن أجزاءً شاسعة من كردستان أيضاً كانت تدار من قبل الأيوبيين فقد انتشر فيها المذهب الشافعي انتشاراً واسعاً، بل لا نكاد -فيما بعد- نجد فقيهاً كردياً غير شافعي، أو مدرسة كبيرة كانت أو صغيرة في بلاد الكرد تدرّس غير المذهب الشافعي، وكان هذا -كما أسلفنا- بتأثير مباشر من صلاح الدين وعلماء دولته.

 

المبحث الثالث

من أوائل من (تشفع) من العلماء الكرد،

ودورهم في نشر المذهب بين الكرد

من خلال مراجعتنا للكتب التي تؤرخ للمذهب الشافعي، وتترجم لطبقاته، يتبين لنا بأن المذهب قد مرّ بعدة مراحل تاريخية، يقيدها المختصون بما يلي:

أولاً: مرحلة التأسيس، وهي مرحلة الإمام نفسه، وتنقسم على دورين: المذهب القديم، وذلك عندما كان الإمام في بغداد، والمذهب الجديد، وذلك عندما تحول الإمام إلى القاهرة.

ومعلوم أن الإمام الشافعي كان قد أرسى قواعد مذهبه، ووضع لبناته الرئيسية في حياته، من خلال كتبه ورسائله، ومنه مباشرة تلقى تلاميذه أصول المذهب بل وأغلب فروعه أيضاً، وبذلك ظهرت طبقة رواة المذهب قديمه وحديثه الذين ساهموا في نشر آراء الإمام، وكانوا غالباً من العراقيين والمصريين.

ثانياً: مرحلة أصحاب الوجوه، وهم الذين نقلوا المذهب عن الإمام لا مباشرة بل عن واسطة، سواء كانوا من تلاميذ تلاميذ الإمام أو الذين جاءوا بعدهم، ويُسَمون في كتب الطبقات بالأصحاب المتقدمين، وفي هذه المرحلة بدأ المذهب بالانتشار خارج العراق ومصر، وكانت كردستان من البلاد التي وصل إليها المذهب في هذه المرحلة.

ثالثاً: مرحلة مجتهدي الفتوى، الذين قاموا بالترجيح وتحرير المذهب، ومن أبرز هؤلاء الإمام الرافعي صاحب المحرر، والإمام النووي صاحب منهاج الطالبين، وتُعد هذه المرحلة مرحلة استقرار للمذهب.

رابعاً: مرحلة النظار، أو متأخري المذهب، وقد تسمى مرحلة التدوين الثاني، وفيه تم إزالة ما بقي من الإشكالات الواردة على آراء المرحلة السابقة، ومن أبرز علماء هذه المرحلة: الإمام الرمْلي، وابن حجر الهيتمي([5]).

وبمراجعة سريعة في كتب التاريخ والطبقات نجد بأن علاقة العلماء الكرد بالمذهب الشافعي بدأت في المرحلة الثانية من تاريخ المذهب، وهي مرحلة أصحاب الوجوه كما أسلفنا، فمن بين أسماء أصحاب الوجوه نجد كتب الطبقات تذكر العلامة أبا القاسم يوسف بن أحمد بن كج الدينوري، وهو -حسب اطلاعنا- أول فقيه شافعي تذكره كتب الطبقات ممن عاش في بلاد الكرد.

وكان يضرب به المثل في حفظ المذهب، تفقه بأبي الحسين القطان، وحضر مجلس الداركي، ومجلس القاضي أبي حامد المروزي، وانتهت إليه رئاسة المذهب ببلاده، وقد قصده الطلاب من شتى البلدان، وأطنب أهل التاريخ في ذكر فضائله، حتى فضّله بعضهم على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وروي أنه قيل له: يا أستاذ الاسم لأبي حامد والعلم لك؟ فقال: ذَلك رفعته بَغْدَاد، وحطتني الدينور!   من تصانيفه: التَّجْرِيد.    كانت وفاته سنة (405) للهجرة([6]).

ومن أوائل العلماء الذين كان لهم دور بارز في نشر المذهب الشافعي بين الكرد نذكر أيضاً: شيخ الإسلام الهكّاري وهو الشيخ الزاهد أبو الحسن علي بن أحمد بن يوسف القرشي الهكّاري، الذي ينتهي نسبه إلى عتبة بن أبي سفيان الأموي (409-486 هـ).

كان صالحاً زاهداً ربانياً، قدِمَ إلى بلاد الكرد واستوطن قرية (دارش/ديرش) الواقعة في الجبال شرقي مدينة العمادية في بلاد هكاري، وابتنى هناك أربطة ومواضع يأوي إليها الفقراء والصالحون. وكان على طريقة السلف في الاعتقاد، كما كان شافعياً في الفروع، وله عناية بالأثر وله تواليف، ولما لم يكن الحديث والرواية صنعته، بل كان أقرب ما يكون إلى الزهد فقد وقع في أسانيده أوهام، لذا شدد علماء الجرح والتعديل على عدم قبول رواياته، وقالوا بأن في حديثه متون موضوعة مركبة على أسانيد صحيحة.

تتلمذ عليه الكثيرون، ونقل من كتبه عدد من أهل العلم، وأثنى عليه الأئمة من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام الذهبي.

قضى مدة كبيرة من عمره بين الكرد، و(تكرّد) أبناؤه من بعده، وكان منهم الفقهاء والأمراء، وتقدم بعضهم لدى سلاطين وملوك بني أيوب، وكان للمدرسة (والزاوية) التي أسسها في (ديرش) دور كبير في نشر المذهب الشافعي بين الكرد، لا سيما أن أهل المنطقة كانوا -ولا يزالون- يجلوّنه، وينظرون إليه على أنه من الأولياء الصالحين من ذوي الكرامات والمناقب([7]).

وثالث المشايخ البارزين من الشوافع الذين كان لهم دور كبير في نشر المذهب بين الكرد هو تاج العارفين أبو الفضل عدي بن مسافر الأموي الهكاري (467-555 هـ)، ولد في بلاد الشام ونشأ بها، ثم ساح في البلاد لطلب العلم وجاور بالمدينة أربع سنوات، ثم دخل بغداد واجتمع بزهادها من أمثال الشيخ عبد القادر الگيلاني، وعقيل المنبجي، وأبي محمد الشنبكي الكردي، وسكن الموصل وأربيل زمناً، ثم قصد جبال هكّار (محافظة دهوك حالياً) واتخذ له زاوية في وسط وادٍ عميق يدعى (لالش)، وانصرف للإرشاد والتدريس، فاجتمع عليه أكراد المنطقة وأحسنوا فيه الاعتقاد.

كان الشيخ عدي على طريقة السلف في الاعتقاد، كما يظهر من رسالته (اعتقاد أهل السنة والجماعة) وكان قد تفقه على المذهب الشافعي في الفروع، وبه اقتدى أتباعه ومريدوه، الذين عرفوا فيما بعد بالعدويين، وأخيراً باليزيديين.. وقد أثنى عليه كبار مشايخ أهل السنة من أمثال الشيخ عبد القادر الگيلاني وشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن كثير والإمام الذهبي وغيرهم([8]).

وهذان الشيخان الهكارييان، وإن لم يُعَدّا من طبقة الفقهاء، إلا أنه كان لهما -ولا شك- دور كبير في نشر المذهب الشافعي بين أتباعهما من الكرد، وذلك من خلال زاويتيهما في ديرش ولالش اللتين كانتا بمثابة مدرستين لنشر العلم والزهد والسلوك، وكذلك عن طريق من جاء بعدهما من فقهاء وعلماء أسرتيهما.

 

المبحث الرابع

دور العلماء الكرد والمدارس الكردية

في خدمة ونشر المذهب الشافعي قديماً وحديثاً

انتشرت منذ العهد العباسي المدارس المستقلة والملحقة بالمساجد في أغلب المدن والقصبات بل وحتى في القرى النائية في كردستان، وكانت غالبية هذه المدارس أهلية تُنشأ وتُدار طواعية من قبل علماء ومشايخ من الكرد (ومن غيرهم) ساحوا البلدان ورحلوا في الآفاق طلباً للعلم من الأئمة المشهورين في البلدان الإسلامية كبغداد ومصر والشام والحجاز وغيرها، حتى استووا ونالوا الإجازات، فرجعوا إلى موطنهم، وأسسوا المدارس بدعم من الأمراء الصالحين أحياناً، ومن أهل الخير وعامة الناس غالباً، وما زرعوه من الخير والعلم في حلقاتهم العلمية آتى أكله، حيث التفتت حولهم أعداد غفيرة من طلبة العلوم، ينهلون من علومهم وثقافتهم، ويأخذون منهم الإجازات والأسانيد، ويروون عنهم الكتب والأجزاء، ليقوموا هم -بدورهم فيما بعد- بسلوك نفس السبيل. وبهذا قامت تلك المدارس على مدى قرون طويلة بأداء دور بارز داخل المجتمع الكردي على الصعيد العلمي والثقافي والاجتماعي عموماً.

ويبدو أن المدارس الكردية تلك تأثرت كثيراً منذ بداياتها بطريقة التدريس المتبعة في المدارس النظامية التي أسسها الوزير السلجوقي نظام الملك، لاسيما من ناحية اختيار المذهب الأشعري للتدريس كمادة لأصول الدين، واعتباره مذهب أهل السنة والجماعة، واختيار المذهب الشافعي كذلك للتدريس كمادة للأصول والفروع الفقهية، إضافة إلى الاهتمام الكبير بمواد الصرف والنحو و البلاغة، لغرض إعداد عالم كردي يجيد أساليب العربية بإتقان، ويتمكن من فهم النصوص الشرعية الواردة بالعربية، وعليه كان علماؤنا يسمون هذه العلوم بعلوم الآلة.

والسبب المباشر في تأثر المدارس الكردية بالمدارس النظامية -في ظني- يعود إلى تتلمُذِ غالبية الأساتذة الكرد الذين أسسوا المدارس وأجازوا الطلاب على مشايخ درسوا ودرّسوا في المدارس النظامية، ويبدو ذلك واضحاً من سلسلة إجازات وأسانيد العلماء الكرد، إذ تنتهي إجازات أغلبهم إلى علماء من أمثال: الفخر الرازي (ت 606 هـ) وأبي حامد الغزالي (ت 505 هـ) وإمام الحرمين الجويني (ت 478 هـ)، وكان هؤلاء من المشتغلين بعلم الكلام، والمتبعين للمذهبين الأشعري في الأصول والشافعي في الفروع.

وهذا يعلل لنا مسألة انتشار هذين المذهبين بين العلماء الكرد وفي المدارس الكردية كمسألة منهجية صعوداً من القرن السادس الهجري، وإلى يومنا هذا، مع ملاحظة أن الإمام الشافعي رضي الله عنه لم يكن أشعرياً في الأصول بل كان على طريقة السلف كما حققه العلماء المحققون.

إذاً فالمدارس الرسمية وغير الرسمية التي انتشرت في ربوع كردستان اعتمدت المذهب الشافعي كمذهب رسمي منذ ما يقارب تسعة قرون، وطالما كتبت المصنفات الفقهية على هذا المذهب ودرّست في جنبات تلك المدارس، وطالما تخرج في حلقات هذه المدارس العلماء والقضاة والمفتون الذين انتشروا في أقطار العالم الإسلامي ونشروا معهم هذا المذهب، حتى غدا اسم الكرد في أذهان المسلمين مقروناً بالمذهب الشافعي.. أقول: وطالما نال العلماءَ وطلبةَ العلم الكردَ والمدارس الكردية القمعُ والمطاردة والاستقصاء والتهميش من قبل الأنظمة التي تحكّمت في بلادهم بسبب كونهم من الشوافع، كما حدث لهم -على سبيل المثال- من قبل الدولة الصفوية الشيعية المذهب، والدولة العثمانية الحنفية المذهب، لكن مع ذلك بقيت المسألة في المدارس الكردية على حالها، وذهب الصفويون والعثمانيون مع من ذهبوا!

وليس بإمكاننا في بحث مختصر كهذا أن نحيط بالخدمة التي قام بها العلماء الكرد للمذهب الشافعي نشراً وتأليفاً، فذلك موضوع يطول ذكره وتقصيه، لكنني أحب أن أشير هنا باختصار إلى بعض جهود العلماء الكرد في خدمة المذهب الشافعي تأليفاً وتدريساً، للتمثيل على ما قلناه.

فأقول: عندما نطالع الكتب التي أرّخت للمذهب الشافعي، وذكرت كتب المذهب في الأصول والفروع، نجد أسماء عديدة كان أصحابها من الكرد أو الساكنين في بلاد الكرد، والمتخرجين في مدارسهم، مما يعني أن بصمات العلماء الكرد كانت ولا تزال واضحة في هذا المضمار، وأحب أن أشير هنا إشارة عابرة إلى أسماء بعض المشهورين من هؤلاء العلماء القدامى والمحدثين منهم، على سبيل المثال لا الحصر كما قلت.

فمن العلماء الذين تركوا آثاراً في أصول الفقه الشافعي وفروعه:

– القاضي ضياء الدين عثمان بن درباس الهذباني الماراني (ت 622 هـ) له: شرح كتاب اللمع للشيرازي، وله كذلك: (الاستقصاء لمذاهب العلماء والفقهاء) وهو شرح غير كامل في عشرين مجلداً لكتاب المهذب للشيرازي.

– العلامة الأصولي سيف الدين علي الآمدي (ت 631 هـ) له كتاب الإحكام في أصول الأحكام، وهو كتاب مشهور لدى العلماء.

– الشيخ تاج الدين محمد الأرموي (ت 653 هـ) له كتاب الحاصل في الأصول، وهو مختصر لكتاب المحصول للرازي.

– وللشيخ سراج الدين محمود الأرموي (ت 682 هـ) أيضاً كتاب اسمه: التحصيل، وهو كذلك مختصر للمحصول.

– والشيخ شمس الدين محمد بن يوسف الجزري (ت 711 هـ) وله: معراج المنهاج شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول.

–  والعلامة الشيخ ولي الدين أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم الكردي (ت 826 هـ) له: الغيث الهامع شرح جمع الجوامع، وتحرير اللباب وهو اختصار لكتاب اللباب الذي ألّفه المحاملي (ت 415 هـ).

– والشيخ شمس الدين محمد المارديني (ت 871 هـ) له: الأنجم الزاهرات على حل ألفاظ الورقات.

و من كبار مشايخ الشافعية من العلماء الكرد الذين اشتهروا بالتفسير والحديث والفقه وغيرها من العلوم نذكر:

العلامة ابن الأثير الجزري (ت 606 هـ)،

المحدث الشهير ابن الصلاح الشهرزوري (643 هـ)،

المؤرخ أبو العباس أحمد بن خلكان (ت 681 هـ)،

المفسر شهاب الدين أحمد بن أحمد الهكاري (ت 764 هـ)،

الحافظ زين الدين العراقي (ت 806 هـ)،

و غيرهم كثير.

و نبغ من المتأخرين أيضاً عدد كبير من العلماء الكرد ممن كان لهم شأن في نشر وتدريس المذهب الشافعي بين الكرد وغيرهم، نذكر منهم على سبيل المثال أيضاً:

علماء أسرة الحيدري وهم بالعشرات، وإليهم ترجع سلسلة إجازات علماء الكرد وأغلب علماء العراق من غير الكرد أيضاً،

العلامة محمد بن عبد الرسول البرزنجي (ت 1103هـ)،

العلامة ابن الحاج الآلاني (ت 1189 هـ)،

محمد بن سليمان الكردي (ت 1194هـ)،

الملا عبد الله البيتوشي (ت 1213 هـ)،

الشيخ محمد ابن آدم البالكي (ت 1237 هـ)

شيخ مشايخ العراق الملا يحيى المزوري (ت 1252 هـ)،

العلامة الملا خليل الإسعردي (ت 1259 هـ)،

الشيخ محمد أمين الكردي (ت 1332 هـ)

و غيرهم.



الهوامش:

([1]) كتب العلماء قديماً وحديثاً مصنفات عديدة في سيرة ومناقب الإمام الشافعي، أشهرها من القدامى: محمد بن عمر الرازي له: مناقب الإمام الشافعي للرازي، وهو مطبوع ومتداول، ومن المعاصرين: محمد أبو زهرة له: الشافعي حياته وعصره آراؤه وفقهه، وهو أيضاً متداول .

([2]) د. نعمان جغيم: مدخل إلى المذهب الشافعي، دار الكتب العلمية بيروت، ط 1، 2011، ص 14-16.

([3]) حول الصحابي جابان الكردي، يراجع كتابنا: عقد الجمان في تراجم العلماء والأدباء الكرد والمنسوبين إلى مدن وقرى كردستان، الطبعة الأولى، 1429 هـ، مكتبة الأصالة والتراث الشارقة، 1/17-18.

([4]) من أهم تلك الأسباب بالنسبة لاختيار المذهب الأشعري في الأصول هو عداوة الأشعرية لفكر الاعتزال الذي تبناه الشيعة، وردودهم العديدة في هذا المجال، أما بالنسبة لاختيار المذهب الشافعي في الفروع فلقرب الإمام الشافعي المطلبي من البيت النبوي ولكونه واسطة العقد بين أئمة المذاهب الفقهية السنية فهو تلميذ الإمام مالك، ووريث علم الإمام محمد الشيباني تلميذ أبي حنيفة، وشيخ الإمام أحمد بن حنبل.. وانظر: دولة السلاجقة للدكتور علي محمد الصلابي، طبعة 2006، مؤسسة اقرأ، القاهرة، ص: 122 و 278-294.

([5]) المدخل إلى مذهب الإمام الشافعي، فهد عبد الله الحبيشي، من موقع المكتبة الشاملة على شبكة الإنترنيت، ص 16 وما بعدها.

([6]) طبقات الشافعية لابن قاضى شهبة، تحقيق د. الحافظ عبد الحليم خان، ط 1، 1407 هـ، عالم الكتب بيروت لبنان، 1/ 198-199. و(گچ) بكاف أعجمية مَفْتُوحَة وجيم أعجمية، تعني في اللغة الكردية الجص الذي تبيض به الحيطان.

([7]) مجموع فيه ثلاث رسائل (منها رسالة اعتقاد الإمام الشافعي للهكاري) تحقيق وتعليق د. عبد الله بن صالح البراك، الطبعة الأولى، 1419 هـ، دار الوطن الرياض، ص 5، انظر كذلك كتابنا: عقد الجمان، 1/99-102.

([8]) انظر: اعتقاد أهل السنة والجماعة، للشيخ عدي بن مسافر الأموي الهكاري، تحقيق: حمدي السلفي وتحسين الدوسكي، ط 1، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية، 1419 هـ، ص 4-7.