ترجمة: عمر رسول

فصل من كتاب مترجم معد للطباعة ينشر في مدارات كرد على حلقات

 الحلقة السادسة من الرسالة السادسة

لقد أصبحنا الآن تماماً في الموطن الذي كان يسمى في الماضي بآشور، في الواقع دخلناه مُـذ أن قطعنا ذاك المضيق الذي انحدرنا منه إلى سهل السليمانية. لكنني لم أجد إلاّ القليل جداً من المعالم التي يمكن أن توحي بأن هذه البلاد كانت في الماضي مهداً لإمبراطوريات عظيمة. حتى أن المرء لا يقتنع بأن تكون هذه السلسلة السوداء من التلال المكونة من الصخور والأحجار، المنقسمة بالأخاديد العميقة، والتي بالكاد تجد فيها شيئاً من الكلأ؛ أن تكون مسرحاً لتلك الأحداث العظيمة التي ينسبها التاريخ إلى الملكة سمير أميس وسلالتها التي قادت حروباً طاحنة من أجل النصر والسيادة! في الحقيقة، لا يستطيع العقل أن يتأمل إلاّ بصعوبة كبيرة بأن تكون هذه المشاهد هي نفس المشاهد التي كانت في الماضي مهداً للعظمة. يقال أن هذه البقعة شهدت ميلاد مؤسِّس إمبراطورية وسلالة عظيمتين. وهكذا فإن ألكسندر، فاتح العالم، لا يزال ألكسندراً لـ”مقدونيا”. ومحمود, فاتح الهند ووسط آسيا، لا يزال محموداً لـ “غزنة ” Ghiznee (أو Ghazni تقع في شرق أفغانستان-المترجم)، وما زالت إمبراطوريات مثل بابل ونينوى وفارس تحتفظ بأسماء سلالاتها الحاكمة، وأن هذه الإمبراطوريات لم تستمد عظمتها وغناها وروعتها من هذه الأقاليم الفقيرة الضيقة التي ولد فيها مؤسسوها، وإنما استمدتها من البلدان الغنية التي أخضعها هؤلاء المؤسِّسون أو خلفاؤهم إلى نفوذهم. وهكذا نستطيع القول لولا غنى البلدان الأخرى لما استطاعت مقدونيا وحدها أو غزنة  أو ميزوبوتاميا، رغم أنها بلاد خصبة ومنتجة، أو آشور البلاد الصخرية، أو حتى فارس البلاد القاحلة، أن تؤسِّس ذاك المجد من الثروة والعظمة، بل الفضل يعود إلى المناطق الآسيوية الواسعة والغنية التي أصبحت فريسة لهذه الإمبراطوريات لبعض الوقت حتى استطاعت أن تبني مثل تلك الشهرة وذاك المجد. لهذا لا أظن أن عاقلاً سيعتقد بأن الأراضي القاحلة التي نسير فيها الآن كانت في يوم من الأيام آهلة بالسكان أو أنها كانت منتجة، بل أنه سيفكر بأن هذه المناطق والجبال الكردية التي تطل عليها بعبوس، قد ولّدت، بدون أدنى شك، مقاتلين شجعان وأشداء غاروا على السهول الغنية المجاورة بقيادة قادة شجعان مثل “الصياد الجبار” ليستولوا عليها ويؤسسوا بذلك إمبراطوريات تحكي فيها الأجيال فيما بعد. ما الذي تهم نينوى من الأراضي القاحلة التي تزحف من إحدى أطرافها إلى ضواحيها بالذات، طالما تحيط بها الحدائق المتنوعة التي تسقيها مياه دجلة، وخازر سوGhazer-su ، والزاب، وتستولي على خيرات السهول الخصبة لميزوبوتاميا، والأودية الخصبة من سوريا، والمناطق الغنية والمتنوعة من أرمينيا وآسيا الصغرى، وبالتأكيد سوف لن تؤثر تلك الأراضي الجدباء القاحلة بأي شكل على الإمبراطورية الآشورية القوية!

ولكن أياً كانت عظمة وفضائل المقاتلين القدامى للشعب الآشوري، لا يمكنني أن أصف خلفاءهم أو مناطق سكناهم، في الوقت الحاضر، إلاّ بالبسيط والبدائي بكل المعاني. أما قرية إبراهيم خانجي، موطن رستم آغا، فكانت تتألف من مجموعة من الأكواخ يصل عددها إلى مائة كوخ مبني من القش والطين، أما مضافة هذا الزعيم فكانت من الهشاشة إلى درجة أن هبّة من الهواء، أو وابلاً من المطر يكفي أن يدفننا بين ركامها. استقبلنا ابنه الصغير الجميل، كان محباً للأسئلة، لا يعرف الخجل، ومثل البقية هنا، كانت أصابعه طويلة كصنارة السمك، يمسك بكل شيء يقع في متناول يديه. أما رستم آغا فقد جاء إلى البيت مع المساء فرحاً طلق المحيّا ببشرته الداكنة، ووجه الدائري، رحّب بنا بطريقة مدنية صاخبة، وبضحكة طائشة. كان واحداً من أولئك الهمج الرائعين إن لم “يعاكسه” أحد، كما تقول الأم الاسكتلندية عن ابنها المدلّل، لا يعرف غير الابتسامة إذا تركته يتصرف ويقول ما يشاء، أما إذا عارضته بكلمة فإن وجهه الضاحك سينقلب إلى وجه كالح كغيمة سوداء، وكأنه يريد أن يقول: “أستطيع أن أكون شيطاناً إذا كان ذلك يسرني، ومستبداً إذا ما شئتُ”.

لقد تحفظنا قليلاً في البداية، ولكنني سرعان ما بدأتُ بترطيب الجو بقدر ما سمح لي الظرف بذلك، فبدأنا نفهم من بعضنا البعض، ودخلنا في حديث مألوف؛ لكن طريقته في الحديث كانت ملفتة للنظر. وحالما انتهى من تحياته وسلاماته، نادى خادمي الذي كان واقفاً آنئذٍ في الغرفة، وسأله: “ما اسمك؟ من أين أنت؟ كم صار لك من الزمن مرافقاً لهذا الصاحب؟ هل تتلقى منه أيّ راتب؟ من الذي أرسلك معه؟ هل أنت مسرور من خدمته”؟ وعندما تلقى الأجوبة على هذا السيل من الأسئلة الهامة، قال له بمزاج مرح ولكن بطريقة فظّة لا تقبل الرفض: “أي نوع من المسدسات جلبها سيدك لي”؟ أومأت لخادمي أن يجلب المسدسات التي هي من نوع المسدس الذي كان بحوزة الزعيم من قبل. وعندما حمل الزعيم المسدس في يديه وعرف بأن جرابه يغلق بالقفل، رماه جانباً وقال باحتقار: “أعرف هذه الخردة، لقد جاء اثنين من طائفتك إلى هنا قبل فترة وكان بحوزتهم مثل هذه المسدسات. لقد قدموا اثنين منها لكنني رفضتهما، وقلت: ما وجه النفع فيهما لي؟ إنني أحب هذه المسدسات أكثر”، ومع آخر كلمة له أظهر لي مسدسين من نوع مورتيمر الجيد، لكن كانا قديمين كثيراً. وقال: “إذا كان لديك من هذا النوع، لكنت قد قبلته منك، ولكن النوع الذي أعطيتني إياه قبل قليل لا نفع فيه. والآن ماذا لديك أيضاً؟ إن الأشياء التي أولع فيها هي المسدسات، والمعاطف، والشال، وأشياء أخرى مثلها”؛ عندها أشار إلى عباءته ذات اللون القرمزي، وقال: “هل لديك أي نوع من أنواع الشال الكشميري؟ انظر.. مثل هذا الشال”! مشيراً إلى شال قديم مزينٍ بالفضة من الأعلى، فقلت له بوصفنا رحالة، ونسير باتجاه بغداد، فمن غير المعقول أن يكون معنا أي شي من هذا القبيل، وليس لدي حتى بشكل شخصي أي شيء من طلبك، ليس لدي سوى فرشتي والألبسة التي أستر بها جسدي فقط. عندئذٍ قال: “ماذا! لاشي؟! انظر ما الذي أعطاني ذينك الإفرنجييْن اللذين تحدثت عنهما”، وأبرز لي، من بين الأشياء التي أعطوه، سكيناً من صنع إنكليزي يحمله الرياضيون عادة، ثم قال: “انظر إليه أنه من صنع بلدكم، والآن اعذرني ينبغي أن أقوم للصلاة”. هكذا مدّد سجادة الصلاة على البساط بالقرب مني وبدأ بصلاته، ومع صلاته ارتاح أذني من أسئلته الكثيرة لخدمه وأوامره لهم، ومن أسئلته وتحقيقاته حول شخصية خادمي وشخصيتي.

بعدما انتهى من صلاته عاد إليّ ثانية. أثناء ذلك أخرجت له مدية جيب كبيرة كنت قد احتفظت بها لنفسي، وقدمتها له كسلاح ذي نفع كبير، يصلح استخدامه للسلم وللحرب على حد سواء، والمدية كانت من أفضل الصناعات الإنكليزية. لقد أخذها مني برحابة صدر، ويبدو أن المدية قد فتحت قلبه قليلاً، لأنه عاد إلى طبعه المرح تماماً. عندئذٍ سألني وهو يلمس البساط الذي كنا نجلس عليه: “من أين حصلت على هذا البساط الرائع؟ وبكم اشتريته”؟ أخبرته بذلك. عندئذٍ قال لي”لقد خدعوك، أنه سجاد بسيط ، يمكنك أن تشتري مثله في بغداد بنصف القيمة”. سألته إذا ما كانت قبيلته تصنع البسط أم لا. قال: “لقد بدأت بصنع البسط، ويوجد هنا الآن بساطاً رائعاً من صنعها”. طلبت منه أن يريني إياه، فإذا ما أعجبني، وكان للبيع، فسأشتريه. فقال: “كلا، كلا، إذا أعجبك فأنه لك…سأجد النقود”. فأجبته: “لم أكن أقصد هذا يا آغا، حقاً إنني أريد أن أشتري مثل هذه الأشياء”. ثم قال ضاحكاً: ” ها، لقد فهمت، تخشى إذا ما أعطيتك إياه دون مقابل، فتعطني بدورك شيئاً آخر بدلاً منه، أنك مخطئ بهذا التفكير، لا أريد شيئاً منك”…فقلت له: “يا آغا أنت المخطئ بهذا التفكير ولست أنا، فإذا توجب علي إعطاء شيء فأنني أعطيه بكل رحابة صدر، ولكن نادراً ما يكون لدى الرحّالة أشياء تزيد عن حاجته، ثم أنها ليست من عادتي أن أخذ شيئاً ثميناً دون أردّ هدية في المقابل”.

لقد تحدثنا بما فيه الكفاية حول هذا الموضوع، لكنني استنتجت أن البيك يريد أن يطلب مني شيئاً مداورةً. لقد أشار مراراً إلى الهدايا الثمينة التي تلقاها من الرحّالة الآخرين، وعندما وجد فرصته ذكر بعض من الهدايا المقبولة لديه، ولأنني أريد أن احتفظ بالأصدقاء قدر ما أستطيع لزيارات أخرى في المستقبل وبنفقة معتدلة، وجدت فرصتي أن أقدّم له مقصاً جيداً من الصنع الإنكليزي بدلاً من مقصه الإيراني الكليل الذي كان يقطع بها قطعة قماش بصعوبة. لقد استقبل مني هذه الهدية بفرح أكبر من المدية التي أهديته من قبل، وبدأ يمدح بالإنكليز وببضائعهم الرائعة، ولكنني لم أسمع شيئاً آخر عن البساط الذي كان من المفترض أن يعطيني إياه.

وكان الموضوع الثاني الذي فرض عليّ النقاش حوله هو موضوع أكل لحم الخنزير. لقد قال: “رأيت قطيعاً كاملاً من الخنازير في طريق عودتي إلى البيت، ولكن الشمس كانت قد غابت حينئذٍ، وإلاّ لكنت قد اصطدت واحداً أو اثنين منها”. سألته: “لماذا كنت ستفعل ذلك، أنت لا تأكل لحمه، أليس كذلك”؟ فقال بتعجب: “استغفر الله، إنه حيوان نجس”. فأجبته: “صحيح، لكنك تأكل لحم الأرنب البري، أليس كذلك”؟ أجابني: بالتأكيد، ولحمه لذيذ في اليخنة”. وقلت متسائلاً: “ولحم الثعالب أيضاً”؟ فأجابني: “لا، لا، فقط بعض الشياطين التعساء يأكلون لحم الثعلب”. فقلت له جازماً: “ولكن يؤكل لحم الحيوانين هنا، مع أن أكل لحم كليهما محرم في الإسلام”. لم يكن بوسع البيك أن ينكر ذلك. فقلت: “حسناً، سوف لن نتكلم الآن عن الجانب الشرعي، فكلها من الحيوانات المحرّمة في الشريعة، لكن دعنا أن نتناول سبب هذا التحريم. على ماذا تعيش الخنازير البرية يا آغا”؟ أجابني: “على العشب والذرة وجذور النباتات”. فقلت: “جيد، لا يوجد شيء من النجاسة أو القرف في الأشياء التي ذكرتها”. قال: “لا، بالتأكيد”. فقلت: “حسناً، وعلى ماذا يتغذى الثعلب والمالك الحزين والطيور المائية الأخرى”؟ أجابني الآغا: “الثعالب تأكل الطيور والحيوانات الصغيرة، أما المالك الحزين فأنه يأكل الأسماك والديدان”. حينئذٍ قلت: “حسناً، أي من هذه الحيوانات هو الأنظف إذاً”؟ قال الآغا وهو يلتفت إلى المحيطين به: “والله إنه لا يقول إلاّ الحقيقة! لو عرفت أنك ستكون ضيفي لاصطدت واحداً من تلك الخنازير البرية وجلبته معي لك”. فقلت: “لا، لا، يا آغا، هذا لا يجوز على الإطلاق، فعندما أكون مع المسلمين أحرم على نفسي لحم الخنزير وشرب النبيذ. لا أستطيع أن آكل أو أشرب مما لا يرضي أولئك الذين أحل ضيفاً عليهم”. فقال بشي من العجلة: “على الإطلاق، على الإطلاق، لو كنت جلبته معي لكان مرافقيك هم الذين قاموا بطبخه لك، أما فيما يخص النبيذ هل لديك شيء منه؟ أستطيع أن أقدم لك النبيذ والبراندي”. لقد قدمت اعتذاري على شرب أي منهما، لقد شكّكت بما يقوله البيك،  لكنه حلّف بأنه كان يشرب، لكنه تاب الآن وترك الشرب تماماً ليبتعد عن هذا الذنب، أما فيما يتعلق بلحم الخنزير فقد استمرت النكات حوله طوال السهرة. وعندما دخل طبق البيلاو[1] كانت حصتي كالعادة في طبق مخصّص، وقال الآغا بأنه أوصى طباخه أن يضيف آخر ما تبقى من لحم الخنزير إلى طبقي، وعندما حان موعد شرب الشاي فضّل أن يغسل الكوب الذي كان يشرب به من قبل. عندئذٍ قلت له: “ها يا آغا، أن كل ما تفعله الآن في حضوري جميل، ولكن لدي شكوك قوية بذلك. أما كنت قتلتني، بطريقتك الخاصة، مثل خنزير من تلك الخنازير البرية الثمينة التي رأيتها اليوم، بمجرد وصولي إلى منزلك بعد رحلة طويلة شاقة”. أجابني ضاحكاً: “لا، لا، أحلف برأسك لا، أؤكد لك أننا لا نفعل مثل هذه الأشياء”. فقلت: “إذا كنت لا تفعل فهناك غيرك يفعل. مثلاً ذاك الرجل ذو النظرات الحادة الجالس في الجهة المقابلة”. كنت أشير إلى عجوز كردي ذي لحية بيضاء وملامح في منتهى القساوة، “أقسم بأنه بارع في القتال، ولا بد أنه قد شرب النبيذ، وأكل لحم الخنازير”. فقال البيك وهو يضحك من أعماقه: “العجوز الأحمق، يقاتل! لا أعتقد أنه يمتلك أي نوع من الجرأة حتى يقاتل، وإذا وجدت الجرأة لديه، فليس لديه أي نقطة دم، إنه لا يستطيع حتى أن يقاتل طفل. هل تعرف إنني لا أستطيع أن اعتمد على العجوز رسول آغا حتى في امتثاله للأوامر، فعندما أطلب منه أن يهمز حصانه للسير في هذا الطريق أو ذاك، فأنه يهمزه للسير في طريق آخر غير الذي طلبت منه، ويكون عادة ذاك الطريق بعيداً عن المشاكل والأعداء، أليس اسمه رسول؟ أما فيما يخص النبيذ، إنه يشربه كلما استطاع أن يحصل عليه، وفيما يتعلق بأكل لحم الخنزير، فأنني أقسم لك بالله أنه يستطيع أن يأكله ويأكل أبوه”؛ هكذا كانت سهرتنا تمضي بالفكاهة والضحك على نحو رائع.

ثم دار الحديث حول الأشباح والعفاريت، لقد أكدّ لي البيك بجهله مدى إهمال الكرد لهذا الجانب في ثقافتهم. لقد شرحت له تقاليدنا المتعلقة بالأشباح، وكيف أن المؤمن بالخرافات يعتقد بأن روح المقتول تظهر على الأرض، في مكان الجريمة، أو في مكان آخر تكشف عن القاتل، أو تحوم حول القاتل ذاته ليدفعه نحو الاعتراف بجريمته. لقد انصعق البيك بسماع هذه الفكرة، فقال متعجباً: “لا إله إلاّ الله! لو كانت الحالة هنا مثلما هي عندكم، فمن كان يتجرأ عندئذٍ أن يرتكب جريمة أو يسرق شيئاً”! لقد كشف البيك بهذا التعليق عن الأعمال التي ترتكب هنا.


[1] [1] البيلاو، أو البيلاف: طعام شرقي من أرز ولحم وتوابل.  (المورد)