ديباجة

الأدب و الآثار الأدبية

لكل أمة أدب و تراث يشكل أساساً متيناً لبنيانها.

فالشعوب صاحبة الآداب يمكنها إعادة تشييد بنيانها حتى لو انهارت أسباب وجودها المادي.

إن الشعب اليوناني على سبيل المثال، رغم ضعفه و قلة عدده و غيابه الحضاري لعدة قرون و تبعيته للعثمانيين، قد تحرر من سطوة العثمانيين بفضل آدابه و علومه التي كانت منتشرة في أوروبا.

و إيران التي لم يتبق لها أثر مادي ظاهر بعد أن أصبحت أسيرة العرب و الترك، برزت للوجود ثانية بفضل لغتها و آدابها، بعدما كانت إسماً من غير كيان .

أما العرب الذين أضاعوا الحكم قرابة ثمانية أو تسعة قرون حتى الآن ، فسيعيدون، بهمة اللغة و أدبهم المنتشر في أرجاء المعمورة، سلطانهم بأي وسيلة .

بناء على هذه الحقيقة فان أي شعب يأمل في تشييد دولته القومية، يجب أن يولي اهتمامه بآدابه القومية.

ولقد أدرك حضرة أحمدى خاني هذه الحقيقة منذ ما يقارب أربعة قرون وسعى من أجلها ، حيث يقول :

“لقد رتبت درر اللغة الكردية في نظم بديع

حتى لا يقول الناس إن الأكراد يفتقرون إلى المعرفة والأصل النجيب.”  1

وخاصة في هذا العالم المتمدن حيث تعتبر  اللغة و الأدب هوية الأمم . فلا يمكنك لفت الانتباه إلى قضيتك ما لم تستند إلى تلك الهوية إذا ما صودرت منك. و من أجل هذه القضية وتمكين أسسها كرس بعض شبابنا حياتهم من أجل نشر الآداب الكردية القديمة و إبداع أعمال حديثة. و من تلك الآثار مم و زين التي ألفها درة تاج الكرد ومفخرتهم ، أحمدى خاني ، في سنة 1105هـ . كان خاني ذاتاً تقية متدينة ذا باع طويل في العلوم الدينية والفلسفية و الأدبية وصاحب مقدرة عظيمة في التربية القومية ، مثله مثل الفردوسي. ولد خاني سنة 1061هـ، حسب قوله :

“لأنه حينما انفك من الغيب، كان التاريخ الفاً وواحداً وستين.”  2

هذا البيت هو تاريخ تدوين مم و زين أي 1105هـ .

وقد أشار ، رحمه الله و غفر له ، إلى تاريخ ولادته عند انتهائه من كتابة مم و زين قائلاً :

“و ها قد بلغ إمام العصاة الرابعة والأربعين من عمره.” 3

للأسف الشديد لا نعلم تاريخ وفاته ، لكن مزاره موجود في بايزيد ولا يزال محجاً للأكراد .

دون خاني عدة مؤلفات باللغة الكردية منها (نوبهارا بچوكان) و هو عمل نفيس جداً ألفه سنة 1094هـ حيث يقول مبينا سبب تأليفه :

“ما ألفته للكبار، إنما لأطفال الكرد.”

ورغم أننا لا نملك معلومات كافية عن حياته ، لكننا نستخلص من أعماله أنه كالفردوسي خدم شعبه وكرس جل حياته في هذا السبيل .

ولأجل ذلك تلقى آثاره وشخصيته في كردستان احتراما وعناية فائقتين .

لكن تأثيره لم يرتق الى مستوى تأثير الفردوسي، لأن الفردوسي أحيا ايران بأدبه، أما خاني فقد حال دون موت كردستان التام و أنقذها من الموت المحتم .

إن عصر الفردوسي كان مساعدا لفكره ، أما عصر خاني فقد كان في غاية الصعوبة والتشتت ، كانت كردستان مقسمة بين الدولتين العثمانية الإيرانية ومكبلة لا تستطيع حراكا أو سكونا. حيث زرعت الدولتان الخلاف والشقاق بين الكرد بإرسال الجيوش عليهم تارة وبالحيلة والدسائس تارة أخرى .

تأثر مولانا أحمدي خاني غاية التأثر فصرخ من فرط غيرته و توجعه بهذه الأبيات:

“لقد حار فكري في حكمة الله لماذا جعل الكرد في هذه الدنيا

محرومين محكومين بالجملة!”  4

ثم يتأمل خاني الكرد و كردستان فيستشف شجاعة الكرد وحماستهم التي قلما يتمتع بها شعب أخر فيقول مادحاً الكرد:

“كل أمير منهم في حاتم في الجود، وكل رجل منهم رستم في القتال

فانظر إلى الأكراد وقد أصبحوا كالبروج من بلاد العرب حتى بلاد الكرج.” 5

إنه يعزو سبب مصائب كردستان الى تهورهم وسخائهم المفرط فيقول:

“لأنهم أشتات متفرقون فهم دائمو التمرد والعصيان.”  6

ولأن اللغة الكردية لم تصبح لغة رسمية منتشرة ورائجة يتأسف خاني بحسرة قائلا:

“فلو كان لنا حاكم ذو لطف وكرم

لرفعت راية الشعر خفاقة في السموات

لكن مالعمل والسوق كاسدة جداً، ولا أحد يشتر ي قماشنا.”   7

في الواقع أن  سوق بضاعتهم كاسدة كسوق أحمدي خاني، فمهما أظهروا من حمية وغيرة وتضحية فإنهم لا يسلمون من شر الخونة (الأفاعي السامة) وتبقى حسرة الوطن تعكر صفو حياتهم. وفي الختام أدعو الله أن يحفظ الكرد ويوفقهم .

3 / أيار / 1335هـ

الترجمة عن الكردية: هيئة التحرير

__________________________________________________________________________

1-(الأبيات 238-239-240)

2-(البيت 2653)

3-(البيت2654)

4-(216-217)

5-(البيتان 219-220)

6-(البيت 230)

7-(الأبيات 247،250،253)

*ترجمة الأبيات منقولة من شرح الأديب جان دوست لملحمة مم و زين.

المصدر: من مقدمة كتاب مم و زين. مطبعة آراس، حلب، 1947.