حسين محمد

”Êvar e, cîhan sar e, werin em biçin malê.”  (لقد حلّ المساء, و الطقس بارد, دعونا نذهب إلى البيت). هذه الجملة من فلم كرتون للأطفال. معلوم أن كلمة dinya (الدنيا) تُستخدم في اللغة الكردية بمعان عديدة, منها ” الطقس, الجو”: Dinya sar e = Hewa sar e. (الطقس/الجو بارد).

لكن نظراً لكون هذه الكلمة من أصل عربي و لكونها تستخدم أيضاً في اللغة التركية ”dünya” فإن كثيرين من الكرد حرّموا على أنفسهم استخدام هذه الكلمة, و راحوا يصرّون على استخدام كلمة cîhan التي لم نسمعها قط من أجدادنا و جداتنا. و لدينا بضعة دلائل على أن هذه الكلمة ليست كلمة كردية و أنها استُعيرت مؤخّرا من اللغة الفارسية:

1- مَن منكم كانت جدته تستخدم هذه الكلمة و تتجًنب استخدام كلمة dinya ؟ إن كلمة dinya أخذت مكانها في لغتنا منذ ما يزيد على ألف عام و لا نجد حتى كردياً “بسيطا” لا يعرف معناها.

2- إن كلمة cîhan – على أهميتها – لم ترد في العبارات الاصطلاحية الكردية, فمثلاً نقول:” dîn û dinya” (الدين و الدنيا)؛ dinya û axret” ” (الدنيا و الآخرة)؛ ”darê dinyayê” (دار الدنيا)؛ ”dinyaya derwîn” (الدنيا الكاذبة)؛ ”dûlika dinyayê” (آخر الدنيا) … لا يمكننا أن نستبدل كلمة”dinya”  في هذه العبارات بكلمة”cîhan”  المأخوذة من الفارسية, و لو استبدلناها لشوّهنا هذه العبارات الاصطلاحية التي لا تتبدّل, ممّا يعني أن كلمة”cîhan”  في الكرمانجية ( أو في الكردية عموما) قد تمت استعارتها مؤخّرا من اللغة الفارسية.

3- إن صوت ”îh” غريب عن الكرمانجية: يمكننا أن نكتب ” bî, cî, sî, rî ” أو ” bih, cih, sih, rih ”, لكن أن نكتب ” bîh, cîh, sîh, rîh ” لَهو أمر خارج عن حدود علم صوتيات اللغة الكردية. و مع هذا فإن كلمة”cîhan”  تحتوي على الصوت ”îh”.

تتعرّض اللغة الكردية للتخريب من نواح عديدة. فيما مضى كان عدم السماح باستخدامها يشكّل الضغط الأكبر عليها, و أعني بذلك حظر استخدام اللغة الكردية من قبل الدول المستعمرة. مازال هذا الحظر موجودا لكنه بدأ يتراخى شيئا فشيئا. أما الآن فهناك مصيبة أعظم من تلك ألا و هي لامبالاة الكرد أنفسهم: إنهم لا يتحدّثون الكردية و لا يقرؤون و لا يكتبون بها.

كثيراً ما يجري الحديث عن تلك اللامبالاة, لكن قلّما يتم التطرّق إلى مسألة أنّ بعض مستخدمي الكردية المتحمسين و المخلصين يبذلون جهودا قد تؤدّي إلى تخريب اللغة الكردية و تشويهها: بعض الأشخاص يريدون إزالة الكلمات الكردية ذات الأصل العربي فيستعيضون عنها بكلمات مصطنعة, بائسة. أو يستبدلون تلك الكلمات العربية التي أصبحت جزءاً من بنية اللغة الكردية بكلمات من لغات أخرى لأنهم يجهلون أن الكلمة التي يقترحونها هي أيضا كلمة غريبة (أجنبية).  لتوضيح هذه المسألة نورد بعض الأمثلة:

إن كلمة”behr, behir”  (بحر) تستخدم في جميع أرجاء كردستان و يفهما الجميع. لكن بعض الذين يكتبون بالكردية و ليست لديهم معرفة جيدة بها, غير مقتنعين بهذه الكلمة فيستعيضون عنها في الكتابة بكلمة غريبة على الكردي البسيط, ألا و هي كلمة ”derya” ظناً منهم أنها كردية و أن كلمة ”behr” عربية. و الحق أن”behr”  كردية أكثر من ”derya” : ”behr” مستعارة من العربية و ”derya” من الفارسية. فكلمة ”behr” موجودة في مئات العبارات الاصطلاحية بحيث لا يمكننا استبدالها بكلمة ”derya” الغريبة و إلاّ شوهنا تلك العبارات الاصطلاحية. بأي حق إذن نمارس مثل هذا الظلم على لغتنا فنحرّم على أنفسنا وعلى شعبنا مثل هذه العبارات الجميلة:”binê behrê” (قاع البحر) أو ”beravên behrê” (شواطئ البحر) ؟

لدينا مثال آخر و هو كلمة ”zengîn” الكردية- الإيرانية . نظراً لأن اللغة التركية استعارت هذه المفردة من اللغات الإيرانية, يعتقد الكرد أن كلمة”zengîn”  تركية أو أنها- مهما يكن أصلها- ليست كردية. و طوبى لمن يهرب من هذه الكلمة الكردية الأصيلة نحو كلمة ”dewlemend” العربية-الكردية (العربمانجية) ليجعلها ملكاً له: و كلمة ”dewlemend” مؤلّفة من ”dewle(t)” (الثروة) و اللاحقة ”mend” الفارسية.

كذلك بإمكاننا أن نورد مثال كلمة”heq”  (الحق) المستعارة من اللغة العربية و التي أخذت لها مكاناً في كل اللغات الشرق-أوسطية. و حدنا, نحن الكرد المساكين لا نرضى بهذه الكلمة التي ورثناها أباً عن جد. فمن لايستخدم كلمة”maf”  بدلا من كلمة ”heq” يُعتبر جاهلاً باللغة الكردية. لكن ما هو أصل كلمة ”maf” هذه؟ إنها من الكلمة العربية “معاف” التي تعني ” المعفي عنه”.

إنّ كلمة ” qanûn” (قانون) التي عمرها آلاف السنين أيضا لا تُعجب اللغويين الكرد. صحيح أنّ هذه الكلمة دخلت اللغة الكردية عن طريق اللغة العربية لكنّ جذورها تمتد إلى اللاتينية و اليونانية و الأكادية و السومرية. يظنّ كرد الشمال أن كلمة ”zagon”(قانون) هي الكلمة الكردية الأصيلة لكنّها من الكلمة الروسية ”zakon”. أمّا كرد الجنوب فيظنّون أن الكلمة الكردية الأصيلة هي ”yasa” . و حتى برلمان كردستان يستخدم هذه الكلمة في نصوصه القانونية. و الحقيقة أن أصل هذه الكلمة تركي-منغولي و كلمة ”yasak” (ممنوع, محظور) التركية التي تشترك معها في الجذر دخلت إلى الكردية بصيغة”yasax” .

كذلك لم يعد أحد يرضى بـكلمة ”ehd” (عهد: عهد الرجال) لكن الجميع يدّعي ملكية كلمة ”soz”. و هذه الأخيرة مأخوذة من كلمة”söz”  (عهد, قول) التركية. فيما مضى, كان الجميع يستخدم كلمتي ”delîl” (دليل) و ”wezîfe” (وظيفة) أمّا الآن- كما لو كان جنكيزخان المغولي يحكم كردستان- فإنّ اللغويين الكرد الذين يدّعون الحفاظ على الكردية النقية يستخدمون ”belge” (دليل) و ”erk” (وظيفة) المأخوذتين من التركية-المغولية.

في جميع اللغات, أغلب الكلمات ذات أصول أجنبية(غريبة)، أي أنها مأخوذة من لغات أخرى. و هذا الأمر ينطبق على اللغة الكردية أيضاً. لكن ليس هناك شعب آخر يلغي الكلمات ذات الأصول الأجنبية من لغته و يشوّه لغته كما يفعل الكرد. و قد سبق أن قام الترك و الفرس بمثل هذه المحاولات لكنهم ندموا على ذلك في نهاية المطاف. لقد عادوا عن هذا الأمر بينما نحن سائرون على هذا الدرب الخاطئ.

نحن نجعل لغتنا الجملية عصية على فهم إخوتنا الكرد البؤساء و نقوّض أركانها. لقد نالت هذه اللغة ما يكفي من الغبن و الظلم من أعدائها, لكن ظلمنا لها أشد وطأة من ظلم الأعداء.

*هذا المقال منشور باللغة الكردية في موقع Nefel تحت عنوان Kurdiya reben rût nekin!

و قد قمت بترجمته إلى العربية بعد أخذ موافقة الكاتب. المترجم أحمد حسن