ترجمة: عمر رسول

فصل من كتاب مترجم معد للطباعة ينشر في مدارات كرد على حلقات

 الحلقة الخامسة من الرسالة السادسة

 

الفرس والطاعون وقطاع الطرق

 مرّت ليلة أمس على خيولي دون أن تأكل حاجتها من الحبوب، رغم كل الجهود التي بذلها خدر آغا مع القرويين بهذا الخصوص ، لذا أخبرت خدمي أن يشتروها منهم. لا أعرف هل اشتروها أم لا، لكنني أعرف أني دفعت ثمنها من النقود. وما يجعلني أن أشك بذلك هو أن مع حلول المساء انتشر النحيب والعويل في طول القرية وعرضها، خمس أو ست نساء طاعنات في السن يبكين بمرارة على سرقة مؤنهن القليلة من الحبوب، وداهمت إحداهن الغرفة التي كنت أنام فيها لتقدّم شكواها مع البكاء كيف أن دجاجتها الوحيدة سُرِقت منها ليقدّموا لحمها مطهوة مع الرز كعشاء لي، لكنها استطاعت أن تنتزعها منهم لحظة وضع السكين على رقبتها. دفعت عدة بنسات لشراء طير آخر، لكن تدخّل مضيفي في الموضوع بدافع الحرص عليّ، فأخذ من صاحب الديك النقود التي دفعتها له ثمناً لديكه الهرم، وأعادها لي. كان من عادتي أن أحل المشاكل والمصاعب التي تتعلق بحاجاتي بالنقود، أي إنني كنت اشتريها، رغم أني كنت أدفع ثمنها سراً، لكن الواجب كان يتطلب مني ذلك لأن الناس كانوا يخشون المضيف أن ينتزع منهم هذه المبالغ البسيطة فيما بعد. خلاصة القول هو أني أرسلت مع أحد الخدم وتحت جنح الظلام مبلغاً من المال لإيصالها إلى المتضررين كتعويض لما فقدوه مع بعض الزيّادة حتى لا تصيبني لعناتهم. أعرف أن الاعتماد على الخدم في مثل هذه الحالات هي بمثابة الاعتماد على قصبة هشة تحت حمل ثقيل، لكن لم يكن هناك بديل آخر، واعتقد أن الخادم قد أدى مهمته على أكمل وجه، لأن معظم القرويين اجتمعوا حولي في صبيحة اليوم التالي يتمنون لي الخير بينما كنت أغادرهم.

كفري، الرابع من تشرين الثاني – بعدما غادرنا “زالة”، آخر محطة لنا، سرنا مسافة ما يقارب أربعة وعشرين ميلاً لنحلّ ضيوفاً، مع حلول الليل، على قرية “إبراهيم خانجي” التابعة لأحد الزعماء الكرد. كانت الأميال الستة الأولى من رحلتنا لهذا اليوم تمرّ عبر مسالك حجرية لم أشاهد مثلها قط من قبل، ولكن ما أدهشني أكثر هو أن المنطقة بأكملها كانت مغطاة بالأعشاب الربيعية اليابسة بل والصيفية أيضاً، رغم أن بعض البقع كانت قد طالتها ألسنة النيران لتتكشف عن أحجارها الرمادية التي تبعث الكآبة في النفس.

بعد ذلك صعدنا هضبة صخرية مرتفعة، وكانت هي الأخيرة في السلسلة التي تفصل بيننا وبين نهر دجلة. كانت الأعشاب وحدها تغطي معظم جهات الهضبة، أما قمتها فكانت تحتضن غابة ساحرة من أشجار السنديان، لا بد أنها كانت تغطي معظم الأراضي في هذه المنطقة ذات يوم. وكان من المحتمل أن تندثر هي الأخرى مع مرور الزمن إن لم يهتم بها الناس، ما أريد قوله هو ثمة تقليد يمارس في هذه المنطقة حتى حافظ عليها من الفناء، على أية حال أنها موجودة الآن ويستطيع المسافرون أن يأخذوا قسطاً من الراحة في ظلال أشجارها بعد الصعود الشاق، ويملؤوا رئاتهم بهوائها العليل لاستعادة طاقاتهم ومتابعة مسيرتهم بنشاط أكبر. كانت الغابة محاطة بجدار حجري يدعى دور المانده  [1]Daur-ul-Mandeh.

انحدرنا من الهضبة الصخرية، وسرنا لعدة أميال حتى وصلنا إلى قرية كردية بائسة تسمى جانريز Janreze، موطن سليم آغا زعيم الكرد من عشيرة دلو Daloo، وهي فخذ من ببائيي السليمانية Bebahs of Suleimaniah، حيث سنتناول فيها فطورنا، ولكن قبل أن نصل إليها وجدنا أن بيك القرية يستعد للخروج مع أعوانه في رحلة صيد، كان محاطاً بمرافقيه الذين كانوا يتولون مهمة حمل الصقور وقيادة كلاب الصيد لأنها كانت مربوطة بحبال من رأسها.

وما أن تفوه دليلنا، الذي كان يسبقنا في المقدمة بعدة ياردات، ببعض الكلمات حتى بادر الزعيم لاستقبالنا بكثير من اللطف، كان شخصاً جميل المحيّا، متوسط العمر، بلحية بدأت للتو تميل نحو الشيب، لكن ومع ذلك كانت ملامحه تنبئ باعتدال في النفس وقوة في الإرادة. لم يبدِ أية إشارة تنم عن الانزعاج لهذا الاقتحام المفاجئ ومنعه من رحلة صيده، بل حتى أنه لم يقبل أن أقدم له الاعتذار على ذلك، وبدلاً من ذلك أقسم برأس الباشا وبعينيه (اللتين جلبنا لهما النور والسعادة حسب قوله) بأنه في غاية الفرح لهذا المجيء، وأنه يرحب بنا آلاف المرات. لكنه قدم اعتذاره وأسفه الشديدين على عدم وجود ما يليق بمقامنا. وبأنه يخجل من نفسه أن يستقبلنا بهذه الطريقة. وقال: “نحن الكرد أناس قساة في أفضل الحالات؛ نعيش في السهول أو في المناطق المرتفعة، ولا نجد في أي وقت من الأوقات شيئاً نتباهى به، والآن فقدنا ذاك القليل الذي كنا نمتلكه، ولا نريد شيئاً من الأمير أو الباشا سوى الخبز”، ثم استأنف حديثه وهو يرفع قطعة من الخبز الأسود الذي وضعوه للتو أمامنا مع قليل من اللبن: “انظر، ماذا نأكل! نحن وخيولنا صنوان. ذات يوم كان بمقدورنا أن نقدم للضيف الخبز المصنوع من القمح، ولكن لم يعد ذلك ممكناً الآن، لذا لا يسعنا إلاّ أن نكتفي بهذا الخبز المصنوع من الذرة البيضاء”.

يبدو أنه لاحظ التعاطف والتشجيع من جانبي لذا تابع حديثه: “ذات يوم كنا نحن الكرد جنوداً، لم نكن نفكر بشيء سوى الفروسية والتدريب على الرماح والسيوف والصيد وأشياء أخرى من هذا القبيل، لأنه كان يوجد ما نعتمد عليه في معيشتنا، حيث كان فلاحونا يعملون في أراضينا، يزرعونها ويحصدون مواسمها، ولكن الآن وضعنا الرماح والسيوف رغماً عنا، ولجأ الناس، كل من موقعه، إلى زوج من العجول لفلاحة الأراضي؛ كيف يمكن للجندي أن يكون جندياً جيداً عندما يضطر للعمل في الفلاحة؟ ومع ذلك لا يتنازل الباشا والإيرانيين عن طلباتهم، يريدونها كاملة دون أي نقص أو تأخير، وكانت النتيجة هي هروب الفلاحين إلى رواندوز أو كرمنشاه أو حتى الموصل، أو أي منطقة أخرى مفضلين ذلك على البقاء في قرية لا تُحتمل أعباؤها، لهذا ترى كيف أن المنطقة خلت من سكانها تماماً”.

كان البيك يحترم الإنكليز والروس على نحو خاص، مع أنه لم يكن يعرف إلاّ القليل جداً عنهم، كنت أتمنى أن أتركه مسروراً من زيارتي، وهذا ما حصل بعدما عرضت عليه مسدساتي الصغيرة، التي كان يستخف بها حتى شاهد مفعولها، لقد أهديته مسدساً من الصناعة الإنكليزية، فأعجب به شديد الإعجاب، ومن ثم غادرناه كأفضل صديق.

بينما كنا نبتعد عن القرية، قلت لدليلنا خدر آغا: “افترض أنك لم تكن معنا، ألا تعتقد أن هذا الآغا الذي استقبلنا بحفاوة وبمشاعر حارة كان سيهاجمنا ويسلبنا لو صادفناه في الطريق”؟ فأجابني: “برأس سليمان باشا، وبحياتك، يبدو أنك عرفت الرجل كما أعرفه أنا، لقد كنت مصيباً في رأيك. حقاً، خلق سليم آغا لهذه الأعمال. إنه مستعد أن يتناول معك الطعام كمضيف، ومن ثم، بعد توديعك بأجمل العبارات، أن ينهض ويربط لحيته، ويغيّر عمامته، ويتنكر بألبسة أخرى، ومن ثم يسبقك مع أعوانه على الطريق، ليكمن في نقطة ما، وما أن تظهر له حتى يهاجمك ويجرّدك من كل شيء حتى لباسك، ومن ثم يعود أدراجه تاركاً إياك عارياً كما خلقك ربك. إنه أكثر الرجال نذالة في كل كردستان، لا يعرف الرحمة، إنه وحش في قساوته. لقد سلب النساء وجردهن من ثيابهن وتركهن عاريات في العراء، وحتى لو لم يكن يلبسن غير الألبسة الداخلية فإنه سيأخذ منهن هذه الألبسة مهما كانت قيمتها زهيدة”.

“ألا تعتبر هذه الأعمال غريبة في كردستان”؟ سألته. “غريبة جداً”، أجابني الدليل، ثم أضاف: “لا أجد الكلمات المناسبة لأصف لك مدى بشاعتها وغرابتها عندنا. ولكن سليم آغا وحش مجرد من القيم والمشاعر. لديه حوالي أربعين إلى خمسين فارساً، يقف معهم على الطريق، وما أن يظهر موكب الحجيج إلى الكربلاء أو أية قافلة أخرى فيهاجمها ويجرِّد كل من يقع في أيديهم من كلِّ ما يملك”. عندئذٍ قلت: “وما رأي الباشا بهذه الأعمال؟ أليس الآغا سليم من رعايا جنابه”؟ أجابني خدر آغا: “لو قلنا الحقيقة إنه أحد رعاياه، وأن الباشا حرق والده عقوبة لما كان يرتكبه من جرائم، ولكن ماذا أقول يا سيدي؟ إن الباشا منهمك بأمور أخرى أهم، ثم إننا لم نتحكم يوماً بهذه المنطقة بما فيه الكفاية لنفرض فيها سلطتنا كما يجب لنضع حداً لهذه الأعمال؛ لذا نعمل بقدر ما نستطيع. ولكن سليم آغا أكثر الأوغاد تجرّداً من المبادئ، لقد شاهدتَ ذراعه (كانت مصابة بمرض القوباء -الأكزيما الجلدية) على نحو خطير، وطلب مني أن أعالجها)، نقول هنا بيننا أن الله أصابه بهذا المكروه عقاباً على جرائمه وأفعاله الشريرة؛ وأعتقد أن ثمة شيء من الحقيقة في هذا الكلام، أو أن الناس سيدنسون قبر والده”!

قلت: “حسناً، وماذا عن رستم آغا الذي سنحل عليه ضيوفاً هذه الليلة إنشاء الله، أيّ نوع من البشر هو؟ آلا يشبه سليم آغا في أعماله؟ آلا يسلبنا ويجرّدنا من لباسنا إذا استطاع”؟ أجابني خدر آغا: “حقاً فيه شيء من سليم آغا، ولكن بدرجة أقل يا سيدي. رستم آغا رجل قوي، إنه زعيم قبيلة زنكنه، ولكن الحمد لله على أنه من تبعية سليمان باشا، وإنشاء الله سيرسلك بسلام وأمان إلى كفري”. “إنشاء الله، إنشاء الله”! كررت وراءه، “أفهم منك أن أبناء القبائل أو تقسيماتها في هذه البلاد يستطيعون أن يرتكبوا هذه الأعمال بسهولة، أي أنهم يستطيعون أن يقفوا في طريقنا، أو في طريق أي شخص آخر غيرنا، ويسلبوننا ويجردوننا من لباسنا إن لم تكن معنا، أو إذا لم نستطع الدفاع عن أنفسنا”. فأجاب: “باركك الله! لقد قلت الحقيقة، لا يُثَق بأي واحد منهم. إنهم أولاً وأخيراً أكراد، والكرد لا زالوا في أدنى مستوياتهم الإنسانية. ولكنهم ليسوا دائماً هكذا يا سيدي، فعلى أيام عبدالرحمن باشا والد سليمان باشا ومحمود باشا، لم يكن بوسعك أن تصادف شيئاً من هذا القبيل في أي مكان، كان بإمكانك أن تتجول في البلاد التابعة للباشا من سردشت إلى كفري، ومن كوي إلى بانه Bauna ، وعلى رأسك الذهب والجواهر دون أن يعترض أحد طريقك، أو حتى أن يسألك أحد من أين تأتي أو إلى أين تذهب، فقط تُبادِل التحية، السلام عليكم وعليكم السلام، ومن ثم تمضي في طريقك، ولكن النزاعات بين الأخوة على السلطة هي التي جرّت علينا هذه المصائب وخربت البلاد. أحياناً يحكمنا محمود وأحياناً سليمان، لم يحصل أن حكمنا الأخوين معاً لمدة ثلاث سنوات، حتى جاء العجم (الفرس) ليضعوا حداً لنزاعاتهما، لكنهم استولوا على البلاد، وأطلقوا يدهم فيها، يأكلون من خيراتها، هم وجيشهم. وبعد الفرس جاء الطاعون، ومن ثم حلّت المجاعة، فاجتمعت هذه العوامل كلها لتقضي على الناس، وتركتنا من دونهما لأعدائنا. وإذا ما حدث وسُرِق أحد ما، فإن كل فريق سيتهم خصمه من الفريق الآخر بالسرقة. يلصق أتباع سليمان تهمة الاعتداء بأتباع محمود، بينما يرد أتباع محمود التهمة إلى أتباع سليمان، أما الباشا، للحقيقة، لا يمتلك  القوة الكافية لإنزال العقوبة بكل مخطئ يراه بعينيه أو يسمع عنه، أو حتى التحكم بأولئك الذين يكنّون له العداء، لأن الإيرانيين نهبوا كالوحوش الضارية كل شيء، وفرّ الناس الشرفاء، فبقي الوطن مسرحاً يلعب فيه اللصوص وقطاع الطرق”.

وبينما كان موكبنا يسير باتجاه قرية إبراهيم خانجي، لم أجد لديّ أي تعليق على أقواله البسيطة والصريحة جداً.



[1] دور الماندة : لعل الكاتب يقصد دورمادور أو دورمَدور، وتعني بالكردية على مدار المحيط أي الجدار أو السور، ولم أعثر على كلمة دور الماندة في المعاجم الكردية المتوفرة ّ، ربما تكون تسمية محلية محضة.   (المترجم)