مارتن فان برونسين

الترجمة عن الإنكليزية: راج آل محمد

يُعد الإسلام بالنسبة لكثير من الكرد المسلمين السنة الورعين عنصراً أساسيا من الهوية الكردية. إنهم لا يعتبرون اليزيديين كأكراد خلّص حتى وإن كان معظم اليزيديين لا يعرفون سوى الكردية. وفي بعض الأحيان لا يُعترف بالعلويين الذين يتكلمون الكردية أو الزازية كأكراد. إن هذا الرأي ليس هو الغالب دائماً فقد تحدث المؤلفون الكرد والترك من القرن السادس عشر- القرن التاسع عشر بحرية عن اليزيديين أو القزلباش الأكراد.وقد عاملت الإدارة العثمانية عرضياً كلتا الجماعتين على أنهما مسلمون من أجل الضرائب والأغراض القانونية الأخرى-والتي لم تمنع من عمليات اضطهاد من حين لآخر. إن الحدود الاجتماعية الفاصلة بين الجماعات الدينية المختلفة كانت موجودة على الدوام، ولكن الأهمية التي نُسبت إليها تغير من وقت لآخر وبشكل كبير. وقد ازدادت في العقدين الأخيرين لدرجة أن بعض الجماعات اليزيدية والعلوية أعلنت عن نفسها كقوميات مميزة، ومختلفة عن الكرد السنة.[i]

   لقد لوحظ وبشكل متكرر بأن أول انتفاضة كردية كبيرة في تركيا بقيادة شيخ سعيد في عام 1925 كانت انتفاضة للمسلمين السنة من متكلمي اللهجة الزازية والتي عارضها بشكل فعّال بعض القبائل العلوية المجاورة التي تتكلم الزازية أيضاً، وأن ثورة 1937 في منطقة ديرسم شملت العلويين فقط ولم تلق دعماً من لدن الكرد السنة. وقد وُضعت الهوية القومية الكردية لكلتا الثورتين موضع التساؤل من قبل الباحثين والسياسيين من مشارب مختلفة. ألم تكن هذه انتفاضات سنية مسلمة أو علوية أكثر من كونها ثورات قومية كردية؟[ii] في كلتا الحالتين نجد أن القيادة على الأقل مؤلفة من عدة شخصيات مدنية مثقفة تحمل مثل القومية الكردية العليا، ولكن محاولاتهم لتجاوز حدود الجماعة من أجل تعبئة الجماهير قد أخفقت.بالنسبة لمعظم المشتركين لم تكن الثورتان مختلفتان كثيراً عن سابقاتها والتي مثلت مقاومة ضد تدخل الحكومة المركزية في الشؤون المحلية. وكان الدفاع عن الإسلام دافعاً قوياً آخر في ثورة شيخ سعيد. من ناحية أخرى، ربما كانت ثورة ديرسم قد استعملت رموزاً علوية ولكنها لم تكن أبداً انتفاضة باسم العلوية. لقد تصادف أن كانت الانتفاضة للعلويين ولذلك لم تلق الكثير من التضامن من قبل الكرد السنة.

   إن مواقف العلويين من متكلمي الكردية والزازية من الهوية الكردية، التي ارتبطت في نظر الكثيرين بالإسلام السني، بقيت متناقضة في العقود التالية. لقد كان لدى العلويين أسبابهم لأن يكونوا علمانيين، حيث دعم الكثير من المثقفين الكرد العلويين ساندوا الكمالية لأن الأصولية الإسلامية في نظرهم شكلت تهديداً أكبر لجماعتهم. وكان الشبان العلويون في الستينيات والسبعينيات [من القرن الماضي] من الأتراك والكرد يفضلون السياسات اليسارية أكثر من القومية-ولكن في معظم التنظيمات الكردية التي برزت في ذلك الحين، نجد العلويين من القياديين البارزين أيضاً. بعد ثورة شيخ سعيد فقدت القومية الكردية علاقتها الواضحة مع الإسلام حتى الثمانينيات. ورغم أن الشعور القومي على العموم أقوى بين الكرد السنة منه لدى العلويين وأهل الحق واليزيديين والشيعة، ورغم أن الأغلبية من الكرد السنة من الأتقياء، فإن كل الجمعيات الثقافية والأحزاب السياسية التي نشأت كانت علمانية وبإصرار. من ناحية أخرى، لم يؤكد الكرد النشيطين كمسلمين ملتزمين بهويتهم العرقية الكردية ودخلوا في أغلب الأحيان في صراع مع الحركة الكردية، التي كانت، وخاصة في التسعينيات، متأثرة وبقوة بالماركسية. وبزوال الماركسية كقوة سياسية عاد الإسلام إلى السياسة الكردية كعامل هام في سياسة الهوية الكردية تجاه الإسلام.

   وقد لعبت الثورة الإيرانية دون شك دوراً كبيراً في هذه العملية، رغم أن تأثيرها لم يكن مباشراً. في غضون الأشهر الأولى من عمر الثورة، لم يكن أكراد إيران معترف بهم وبرز من بينهم عدد من رجال الدين كناطقين باسمهم ولاسيما الملا عزالدين الحسيني في مهاباد والمتدرب في جامع الأزهر العالم أحمد مفتي زاده في سنندج. ولكن سرعان ما انتقلت السيطرة على الأحداث والقيادة من رجال الدين هؤلاء إلى ساسة كرد علمانيين الذين كانوا قد عادوا للتو من السجن أو من المنفى والذين نجحوا في إعادة تنظيم الأحزاب الكردية (العلمانية واليسارية) التي كانت في حالة سبات. وكان الحسيني في مرحلة مبكرة قد تحالف مع اليسار الراديكالي وتبنى نهجاً إسلامياً شعبياً اشتراكياً مع التأكيد القوي على حق تقرير المصير لكل الجماعات الاثنو-لغوية في إيران. وحينما أرسلت الحكومة المركزية جيشها وقوات الشيعة غير النظامية للاستيلاء على كردستان كانت هناك حركات مقاومة كردية سنية لمدة قصيرة بقيادة شقيق عزالدين الحسيني في “بانه” والشيخ النقشبنديّ أوصمان في منطقة هورامان، ولكن حينما بدأت حرب العصابات بشكل جدي فقط بقيت القوات العلمانية في الميدان.[iii]

   خلال الحرب العراقية-الإيرانية أعطت إيران الدعم لبعض الأحزاب الكردية العلمانية العراقية (حدك أولاً ومن ثم أوك أيضاً) ولكنها بذلت جهودها من أجل نشوء حركة إسلامية بين أكراد العراق. وقد بذلت العربية السعودية، التي شعرت بأنها مهددة بالثورة الإيرانية، جهوداً مماثلة وإن كان الهدف منها هو إعاقة الجهود الإيرانية.لقد برزت الحركة الإسلامية في كردستان بقيادة الملا أوصمان بن عبدالعزيز من حلبجة في حوالي عام 1957 وأصبح عاملا سياسياً هاماً في أوائل عام 1990. ويبدو أنها أرادت أن توازن الجماعات الدينية الإيرانية والسعودية، رغم أن الملا أوصمان نفسه كانت له علاقات سابقة مع حركة الإخوان المسلمين في مصر الموجهة نحو السعوديين كما هو واضح.دعمت إيران أيضاً الشيخ النقشبنديّ محمد خالد بارزاني، ابن عم مسعود البارزاني، في إنشاء قوة مسلحة وأُطلق عليه اسم “حزب الله الكردي” وهو من طرد أنصار الحزب الشيوعي العراقي والحزب الاشتراكي الكردستاني من منطقة بادينان. وفي التسعينيات برز حزب الله الثوري بقيادة أدهم البارزاني المدعوم من إيران أيضا، ويبدو أنه قد انشق عن الحركة السابقة. لحد الآن يبدو أن الحركة الإسلامية قد أوجدت قاعدة ثابتة من الدعم الشعبي وأصبحت منافساً حقيقياً للأحزاب العلمانية.

   وفي تركيا بدأ تنظيم حزب الله السري، مع ارتباطات بإيران، بالظهور في الثمانينيات. وقد وقف جناح من الحركة بقوة ضد القومية العلمانية ودخل في التسعينيات في صراع عنيف مع PKK حيث تعاونت في أثنائها مع التنظيمات التركية المناوئة للعصيان. ولكن جناح آخر لـ” حزب الله” طوّر نوعاً من الإسلام يوّفق بين الإسلام والقومية الكردية.[iv]

   في المقابل تبنى الـPKK موقفاً أكثر احتراماً للإسلام. مثل كل الحركات اليسارية في تركيا، لم يكن PKK في البداية علمانياً فحسب، بل كان ضد الدين تماماً. ولكن عندما وجد مدى ارتباط الكثير من القرويين الكرد بالدين، تخلى عن موقفه السابق وأوجد فرعيين إسلاميين هما اتحاد المتدينين واتحاد الأئمة الوطنيين. وحتى لا يستبعد الكرد العلويين واليزيديين بسبب هذا الاقتراح الإسلامي السني، أنشأ PKK  جمعية يزيدية وأخرى علوية.

   من بين الحركات الدينية المختلفة في كردستان تركيا، ربما يكون لدى الحركة النورسية [نسبة إلى سعيد النورسي.م] أكبر عدد من الأتباع.   ربما تكون الحركة النورسية هي الأهم في كل تركيا، ولكن ظهرت عدد من الانشقاقات فيها مؤخراً وبنتيجتها عادت القومية إلى قلب الحركة. إن التيار السائد في الحركة (الذي ارتبط بصحيفة  Yeni Asya ) كان على الدوام بمعزل عن السياسات العملية، وبسبب نظرته أن الإسلام يتجاوز كل الانقسامات العرقية والقومية قلل من أهمية الجانب الكردي في مؤسس الحركة. في حين اختار جناح آخر من الحركة النورسية بقيادة فتح الله كولن  Fethullah Gülen ولسان حاله صحيفة “الزمان” التكيّف مع النخبة التركية العسكرية العلمانية والبيروقراطية وتبني موقف تركي قومي واضح. رداً على ذلك بدأت جماعات كردية من النورسية تؤكد على هوياتها القومية وأظهرت الجانب الكردي في سيرة سعيد النورسي الذي كان قد بقي طي الكتمان حتى ذلك الوقت. أكثر هذه الجماعات راديكالية هي جماعة تُلّقب بـ”مد-زهرا” (نسبة إلى مدرسة الزهراء التي أراد سعيد النورسي إقامتها في كردستان مع إشارة إلى أجداد الكرد المفترضين: الميديين.)وصحيفتها Dava مثال واضح على اعتناق القومية الكردية، فقد اختارت زعيم أول انتفاضة كبيرة في تركيا، الشيخ سعيد، كسلف لسعيد النورسي، وقد كتبت تقارير متعاطفة مع الحركة الإسلامية في كردستان العراق. وصحيفة نوبهار، الأقل تسيّساً والأكثر فكرية في المضمون، دعامة أساسية في إحياء الثقافة الكردية. فالمساهمون فيها قريبون من الحركة النورسية، ولكنهم في الوقت نفسه مثقفون أكراد. ترّكز الصحيفة كثيرا على الحوار طالبة شركاء ليس من بين الجماعات الإسلامية الأخرى بالدرجة الأولى، بل بين الجماعات الكردية العلمانية.

   إن بروز هذه الجماعات الكردية ضمن الحركة النورسية، بمطالبها التي تتصل بالشعب الكردي كان جزء من فكر وعمل الشيخ سعيد النورسي مثلما كان حماية الإسلام وإحيائه، تبدو وكأنها إشارة إلى اتجاه عام. لقد كانت النظرة السائدة لدى الحركة الإسلامية هي أن استبعاد الإثنية (ولهذا السبب كان ينبغي رفض كل أشكال التمييز الإثني والإثنو-قومي أيضا.)   ولكن في الثمانينيات فرضت الهويات القومية والإثنية نفسها على الحركة الإسلامية، على الأقل في تركيا. فمن ناحية حاولت القومية التركية أن تكّيف الإسلام على شكل “تركيب تركي-إسلامي”، والذي أصبح تقريباً الإيديولوجية الجديدة للدولة. فأشخاص من أصول تركية أصبحوا أعضاء بارزين في حزب الرفاه الإسلامي، الجناح المؤثر في الحركة النورسية بقيادة فتح الله كولن لم يتبن خطاباً تركياً قومياً فحسب، بل أيضاً وسع نشاطاته في مناطق وسط آسيا التي تتكلم التركية. هذا، من ناحية أخرى، أجبر الإسلاميين الكرد على أن يطالبوا بهوية مميزة خاصة بهم في الحركة الإسلامية.لقد أصبحت السياسة والمجتمع الكرديين أكثر إسلاماً بالنظر لبروز تنظيمات إسلامية-سياسية أكثر وحقيقة الأمر هو أن حتى الحركات السياسية العلمانية باتت ملزمة أن تعترف وتُظهر احتراماً للإسلام. من ناحية أخرى أصبحت الحركات الإسلامية في كردستان أكثر كرديةً مما كانت عليه في الماضي.



[i]  Martin Van Bruinessen, “Nationalisme Kurde et ethnicitès intra-kurdes”, Peuples Mèditerranèes no. 68-69(1994), 11-37; idem, Aslini inkar eden haramzadedir!: the debate on the ethnic identity of the Kurdish Alevis”, in: K. Kehl-Borogi, B.Kellner-Heinkele and A. Otter-Beaujean (eds), Syncretistic religious communities in the Near East (Leiden:Brill, 1997), pp1-23.

[ii] اعتبرت النخبة العسكرية الكمالية البيروقراطية ثورة الشيخ سعيد تعبيراً عن النزعة الانفصالية الكردية، ولكنها في العلن أكدت أنها إسلامية في المقام الأول. فيما بعد أكد القوميون الأكراد، ولأسباب مفهومة، على الطابع القومي الكردي للثورتين، ولكنهم انتقدوها بوصفها “إقطاعية” و”رجعية”. قوميو الزاز، الذين اعتبروا في الثمانينيات أن متكلمي الزازية قومية مستقلة، عرّفوها على أنها زازية أكثر من كونها حركة قومية كردية.

[iii] Martin Van Bruinessen,” Kurdischer Nationalisme unde Sunni-Schi’I Konflikt, in: Kurt Greussig (ed.), Geschichte und politik religioser Bewegungen im Iran (Frankfurt: Syndikat, 1981), pp372-409; idem, ‘The Kurds Between Iran and Iraq”, MERIP Middle East Report no. 141 (July-August 1986),14-27

[iv] قصة حزب الله معقدة ويعُرف عنه في الوقت الحاضر النذر اليسير. هناك كم جيد من المعلومات عن وسائل الإعلام التركية في  : Faik Bulut, Islamci örgütler-2,3rd revised edition (Istanbul: Doruk, 1997),pp.327-331.