[1]

الترجمة عن الكردية: أحمد قطو

 

عندما نقرأ ملحمة ” مم و زين ” بعناية, علينا قبل كلّ شيء أن نميّز بين الروايات الشفوية المتعددة لهذه القصة من جهة و النظم الشعري الأدبي لأحمدى خاني في القرن الثامن عشر من جهة أخرى.

مما لا شك فيه أنّ الأصل و المصدر واحد: ففي كليهما تظهر الشخصيات نفسها ( مم , زين, قره تاج الدين..الخ)و كذلك أحداث العشق التراجيدي قريبة من بعضها, و لكن هناك بعض الاختلافات الهامة بين العمل الأدبي لأحمدى خاني و الروايات الشفوية التي يجب أن نبحث فيها كلاً على حدة, و الهدف من هذا البحث معرفة الاختلافات الجوهرية بين الروايتين، و في الوقت نفسه، البحث عن أصول الروايتين حتى نستطيع أن نرد على التساؤل التالي :هل عمل أحمدى خاني أقدم أو الروايات الشفوية؟

أصرّ المستشرقان الفرنسيان ” روجيه ليسكو” و ” جويس بلو” على الاختلافات بين الروايات الشفوية المتعددة و عمل أحمدى خاني, فقد استخدما عنوان : ” ممي آلان ” للروايات الشفوية و ” مم و زين ” لرائعة أحمدى خاني, حتى و إن كانت التسميتان دقيقتين فإنّ الأكراد أنفسهم لا يجدون فرقاَ بينهما. ففي اللغة الكردية تستخدم التسميتان لملحمة ” مم و زين “.

 للأسف الشديد لم تجد الغالبية العظمى من الأكراد فرصة لدراسة لغتهم و ثقافتهم لذلك يظن الكثير منهم بأنّه لا فرق بين الروايات الشفوية للقصة و عمل أحمدى خاني و لهذا نجد الاختلاف بين رؤية المستشرقين ” ليسكو ” و ” بلو” من جهة و الأكراد من جهة أخرى.

 وعلى غرار هذه القصة, هناك قصص و ملاحم شعرية أخرى عند الأكراد لها اسمان، و خير دليل على ذلك ملحمة ” سيامند و خجي ” التي تعرف أيضاَ باسم ” سيامند السليفي ” مثلها مثل ” ممي آلان ” التي سميت باسم بطل الملحمة   و عشيرته .

نتناول الاختلاف بين شعر أحمدى خاني الأدبي و الروايات الشفوية المتعددة في جانبين : جانب يتعلق بالشكل و جانب يتعلق بالمضمون (المحتوى ) .

الشكل : الهدف منه إظهار مدى قدرة المؤلف على الإبداع في الجمال الفني الخارجي للعمل الأدبي و ربطه بمضمونه سواء أكان هذا العمل شعراَ أم نثراَ .

إذا تحدثنا عن بناء غرفة فإنّ المكونات الداخلة في بناء الغرفة كالاسمنت و الحديد و غيرها تمثل الشكل في العمل الأدبي , أمّا عدد الغرف و الأبواب و النوافذ فهي تمثل المضمون أو المحتوى في العمل الأدبي.

الآن سنتحدث عن الشكل : كتب أحمدى خاني أغلب أعماله الأدبية على شكل  مثنويات ( أبيات ثنائية ) أي الشكل الشعري المقتبس من الأدب الفارسي القديم . حيث كل بيت يقسم إلى شطرين و قد نظمه على بحر الهزج و تفعيلاته : مفاعيلن – مفاعيلن – مفاعيلن “.

و لا تخلو الروايات الشفوية من الأبيات الشعرية و إن كانت في أغلبها مؤلفة من قصص نثرية , و يستخدم الشعر في مواقف خاصة مثلاَ، في كل مرة يتحدث فيها مم مع زين إضافة إلى مواقف أخرى, و لكن هذا الشعر يختلف عن الأبيات الشعرية لأحمدى خاني فمن حيث شكلها فهي ليست أبياتاَ ثنائية و لا وزن لها و لا يقسم البيت إلى شطرين و في نهاية كل بيت قافية .

في النظم الشعري ” الأدبي ” : مم و زين من سكان جزيرة بوطان بينما في الروايات الشفوية كلها : زين من جزيرة بوطان أما مم فهو من مدينة أخرى هي إما مغرزمين أو اليمن , و خاصة في مدن الشمال ( بهدينان و مهاباد  ) فبعد منطقة مهاباد قصة مم و زين غير معروفة لدى الكرد الذين يتكلمون باللهجة السورانية , و لهذا فإنّ قسماَ هاماَ في الروايات الشفوية لا يظهر أبداَ في شعر أحمدى خاني كسفر ممي آلان و ركوبه على ظهر فرسه ” بوزى روان ” من مدينته حتى وصوله إلى جزيرة بوطان .

و شخصية مم تختلف من جوانب عديدة في عمل أحمدى خاني عن شخصيته في الروايات الشفوية فمم عند أحمدى خاني صاحب دور عظيم و رجل نبيل لا يطعن في كرامته بينما ممي آلان في الروايات الشفوية يبدو وسيماَ جدّاَ لكنّه بلا كرامة , والده آل باشا يقول له :

–         يا بني مم أعد إلى نفسك اعتبارك.

–         لا تترك مدينة مغرزمين لرجل عجوز مثلي .

لكنّ مم يخالف أمر والده و يخرج من المدينة و يقول :

–         والدي ماذا سأفعل بهذا المال و بهذه الدولة.

–         لن أعود إليكم إلى يوم القيامة.

و في رواية أخرى : – من غير المجدي أن أكون ابناَ لك بعد هذا اليوم .

نحن أمام ملحمتين مختلفتين تماماَ سواء من ناحية الروح الشعرية و الأسلوب من جهة و من ناحية المضمون من جهة أخرى أي ” ممي آلان ” المغناة و ” مم وزين ” المكتوبة ” المنظومة شعراَ ” لأحمدى خاني .

هناك تساؤل يطرح دوماَ : هل أصل الروايات الشفوية هو شعر أحمدى خاني أو على العكس أن رائعته اقتبست من الروايات الشفوية؟

لنتتبع الدلائل في ذلك : أولاَ : المعروف أن عمل أحمدى خاني كتب قبل القرن السابع عشر أمّا الروايات الشفوية فقد جمعت و طبعت في عامي 1869م و 1870م , و لكن يجب أن لا ننسى أنّه قبل أواسط القرن التاسع عشر لم يفكر أحد بجمع الحكايات الشفوية من أفواه المغنين و رواة القصص, و بهذا لا نعثر على تدوين للأدب الفلكلوري الشعبي, و لا يعني هذا بأنّ هذه القصة أو تلك لم تكن موجودة لأنّها لم تجمع من أفواه الرواة الشفويين و إلا سنكون مخطئين في حكمنا.

هناك حقيقتان عامتان تخدماننا في مجال بحثنا عن الإجابة، الأولى: أنّ نسبة كبيرة من الناس لا يعرفون القراءة و الكتابة في كردستان, و الثانية: انتشار ملحمة ” مم و زين ” في معظم أنحاء كردستان الشمالية , و في بعض مناطق كردستان الجنوبية و الشرقية هذا الانتشار الواسع بين هذا العدد من الناس الأميين يجعلنا نشك بأن يكون عمل أحمدى خاني الأدبي أصلاَ للروايات الشفوية المتعددة و بهذا فإنّ كل المصادر تقودنا إلى أنّ الروايات الشفوية أقدم من عمل أحمدى خاني .

و حسب رأي “قناتى كردو” فإنّ ملحمة ” مم و زين ” كانت معروفة لدى الأكراد قبل القرون الوسطى و قد ورد ذكر ” مم و زين ” في ديوان الشاعر الكردي ملايى جزيري ” في القرن الرابع عشر ” فهو عندما يتحدّث عن حبّه لمحبوبته عائشة يقول لها : أنت زين و أنا مم .

و حسب المستشرق الانكليزي د. ن . ماكينزي في مقال له حول ملايى جزيري يرى بأنّه عاش بين عامي 1570م و 1640م و ليس كما ذكره قناتي كردو بأنّه عاش في القرن الرابع عشر, علماَ أنّ الخطأ الذي وقع فيه كردو قدّم لنا حقيقة هامة جداَ و هي أنّ أحمدى خاني الذي ولد سنة 1650م و توفي في سنة 1706م أو 1707م و هذا يعني أنّ المدة بين وفاة ملايى جزيري و ولادة أحمدى خاني عشر سنوات أي أنّ ملاي جزيري لم يسمع باسم أحمدى خاني قط و مع هذا حسب رأي قناتي كردو بأنّ ملايى جزيري سمع باسمي مم و زين , و هذا يقودنا إلى إثبات أنّه مهما يكن من أمر فإنّ قصة ممي آلان أقدم من الشعر الأدبي المنظوم لأحمدى خاني، و في كل الأحوال مما لا شك فيه أنّ ملايى جزيري عاش قبل أحمدى خاني و شعره أقوى دليل بين أيدينا حول ادعائنا بأنّ الروايات الشفوية المتعددة أقدم من شعر أحمدى خاني .

و الأديب الكردي الكبير “أمير حسن بور ” يؤكد بأنّ ملهم أحمدى خاني في عمله الأدبي ” مم و زين ” هو الروايات الشفوية الشعبية ل” ممي آلان ” التي يغنيها المغنون الكرد اليوم .

و على حد قول فرهاد شاكلي فإنّ أحمدى خاني نفسه متردد حول هذه المسألة فهو من جهة يشير إلى أنّ أصل عمله هو الروايات الشفوية كما تشير الأبيات التالية :

– إنّه رتب درر اللغة الكردية في عقد نظيم, و تجشّم المصاعب في سبيل عامة شعبه.

– سأصدر النغمات بحيث أحيي ( مم و زين ) من جديد[3].

و لكن على العكس من ذلك يشير في أبيات أخرى بأنّه قدّم جديداَ :

– الأسلوب و الصفات و المعنى و اللفظ, لم أقتبس شيئاَ مما سلف من أحد أبداَ[4].

و شاكلي يوضح لنا ذلك بقوله : مضمون شعر أحمدى خاني هو التراث و لكن الجديد فيه نظمه الشعري الذي أخذه من المثنويات الفارسية القديمة .

لقد رأينا أنّ النظم الشعري لأحمدى خاني في مضمونه و شكله يختلف عن الروايات الشفوية و قد لا يكون مستبعداَ بأن يكون الهدف منهما أيضاَ مختلفاَ , ففي الروايات الشفوية : الحمام أو الملائكة أو الأشباح هي التي تقوم بعقد لقاء بين مم و زين و هنا مم من سكان مدينة بعيدة يخرج منها رغماَ عن إرادة والده لكي يلحق بزين بعكس شعر أحمدى خاني فمم و زين كلاهما من سكان جزيرة بوطان و يريان بعضهما بين حشد من الناس في عيد النوروز .

و في رأيي فإنّ سلوك ممي آلان في الروايات الشفوية أقرب إلى الأخيلة الجنسية المرافقة لثورة شاب في التاسعة عشر أو العشرين من عمره ضد سلطة والده و ثورة مم عند الشباب الكرد المستمعين لهذه القصة هي رمز للشجاعة .

هؤلاء الشباب المستمعون لم يكن باستطاعتهم الزواج ممن تحبه قلوبهم و كانوا مجبرين على الزواج من فتاة يختارها لهم والدهم , و لكن نجد ممى آلان قد فعل ما يشاء قلبه و خرج عن سيطرة والده و تزوج من محبوبته زين و لهذا يصبح رمزاَ للشجاعة لدى هؤلاء الشباب .

و لكن مم لا يكتفي بالثورة ضد سلطة والده , فالشباب في قرى كردستان ما كانوا ليفعلوا مع أحد الاغوات ما يفعله مم مع الأمير.

فمن رأى أو سمع بأنّ شاباَ ما لم يقف في مكانه عند دخول شيخ أو آغا إلى المضافة؟  و مع هذا وقف مم ضد عادات الأجداد دون أن يعلم بأنّ ما يفعله هو الشجاعة ذاتها .

جميع المثقفين الكرد متفقون حول المرامي السياسية لأحمدى خاني عند كتابته لـ “مم و زين” فقد كان هدفه من كتابته لمم و زين هو أن يصبح هذا العمل الحجر الأساس للأدب الكردي و حسب رؤيته فإنّ الشعب الكردي كان قادراَ على أن يصبح أمة عظيمة لولا الأخطاء و النواقص مثل عدم الاتفاق. و كي يشرح لنا رؤيته اختار قصة مم و زين التراجيدية فحسب الأديب أمير حسن ݒور ( المنحدر من مهاباد ) فإن مم وزين يمثلان شطري كردستان الشطر التابع للعثمانيين و الآخر للفارسيين و بكر عوان الحاسد يمثل الشقاق و عدم الاتفاق بين أمراء الكرد، الذي هو السبب الأساس في فشل إقامة دولة كردية مستقلة حسب أحمدى خاني، و كان شاعرنا يأمل أن ينتهي عدم الاتفاق إلى غير رجعة من خلال قصة هذين العاشقين و لكن يا للأسف نشعر اليوم بأن بكر عوان لم يمت بعد!!!.

مصادر و مراجع الكاتب :

Bibliyografya

Chyet, Micheal L. “And a Thornbuch Sprang up between them”: Studies on Mem

û Zîn, A Kurdish Romance. Doctoral dissertation [Berkeley, California, 1991],2

vols.

Dzhalilov [Celîlov], Ordikhane & Dzhalil Dzhalilov. “Mem û Zînê (şax 1)” in

Zargotina Kurda (Kurdish Folklor), Moskova: Nauka, 1978, vol.1, pp. 45-65.

Ehmedê Xanî, Mem û Zîn, wergera tîpên latînî û Kurdiya xwerû M. Emin

Bozarslan, Uppsala, Sweden: Weşanxana Deng, 1995, p. 703.

Hassanpour [hesenpûr] Amir, Nastionalism and Language in Kurdistan, 1918-

1985 (San Francisco: Mellen Research University Press, 1992), p.520.

Jindi [Cindî] Hajie, ed. “Mem û Zîn” In: Kurdskie epicheskie pesni-skazy

(Kurdish epic’song-stories’), Moskova: Izdatel’stvo Vostochnol Literatury, 1962,

pp. 66- [97]; 183-[209].

Qenatê Kurdo [Kurdoev] “Derheqa şovêd Mem û Zîna zargotî û şova Mem û

Zîna Ehmedê Xanî” Govarê Korî Zanyarî Kurd [The Journal of the Kurdish

Academy],6 [1978], pp. 78-110.

Lescot Roger, “Introduction”, Textes Kurdes, voL.2:Memê Alan, Beyrout, Institut

Français de Damas, 1942, pp. [iii]-xxv.

Shakely[Şakelî] Ferhad, Kurdish Nationalism in Mem u Zin of Ehmed-i Xani,

Sweden, 1983, p.65.


[1] نشر هذا المقال في مجلة جرا, الصادرة عن جمعية الكتاب الكرد في السويد باللغة الكردية, العدد, 7  خريف,  1996 ص 28-32 .  ( المترجم )

[2] – باحث و عالم لغويات أمريكي له قاموس كردي- انكليزي, والعديد من الدراسات و الأبحاث حول اللغة الكردية . ( المترجم )

[3] مم و زين, ترجمة جان دوست, ص77, ص ,93 ط1, بيروت, 1995. ( المترجم )

[4] المصدر السابق, ص98, ( المترجم )