ترجمة: عمر رسول

فصل من كتاب مترجم معد للطباعة ينشر في مدارات كرد على حلقات

 الحلقة الرابعة من الرسالة السادسة

 

قبائل جاف وهماوند

في صبيحة اليوم التالي شرعنا في رحلتنا حوالي الساعة السابعة، وفي طريقنا وجدنا العديد من القرى المهجورة التي منحت يوماً الحياة والجمال للزوايا والأودية التي تركن فيها؛ لكن الناس هربوا منها الآن لتبقى فريسة للمستبدين واللصوص. لقد وجدت اليوم في طريقنا الكثير من العلامات التي تدلّ على العنف والعداوات، حيث أننا، وكبرهان على ذلك، اضطررنا أن نغيّر الحراس والأدلاء مرتين خلال مسافة لا تتجاوز أكثر من عشرين ميلاً، لأن سكان هذه القرية لا يتجرؤون الدخول إلى حدود القرية الأخرى؛ وقد أخبرني دليلنا خدر آغا أن قبيلة هماوند التي تقطن في المناطق المجاورة، والتي لا تتجاوز عدد الأسر فيها أكثر من خمسمائة أو ستمائة أسرة فقط، قد ادخلوا الرعب في قلوب أبناء عشيرة جاف الكبيرة التي تصل عدد بيوتها أو خيمها إلى أكثر من عشر أو اثنتي عشرة ألف خيمة، إلى درجة لا يتجرأ أحد من أبناء هذه القبيلة الكبيرة أن يقترب من مناطقهم، وإذا ما تجرأ أن يفعل ذلك فإنه سوف يلاقي حتفه المؤكد، بينما يسير أكثر من عشرين أو ثلاثين فارساً من فرسان قبيلة هماوند معاً ويغيرون على قبيلة جاف لينهبوهم في بيوتهم. أعتقد ثمة مبالغة في هذا الحديث، لأن قبيلة جاف تستطيع أن تقدّم أكثر من ألف فارس جيد إلى الباشا عند الضرورة. إن هذه القبيلة تسكن بشكل أساسي في المنطقة الواقعة حول شهرزور، ولكنها توزعت الآن على طول خط الحدود، لقد أستغل أحد أبناء جاف قليلي الحظ مرور قافلتنا فاحتمى بها في هذه المنطقة الخطرة.

لقد تم استبدال حراسنا للمرة الأخيرة في جَفَّران Jefferan القريبة من طريق سكرمه suggramah، إحدى البوابات الرئيسية لكردستان في هذه المنطقة؛ تم استبدالهما بشخصين ريفيين قويين شبيهين باللصوص، وقد قال دليلنا أن وجودهما معنا يعادل وجود عشرة فرسان بالتمام والكمال، “يخاف اللصوص منهم، لذا فإنهم لا يتجرؤون الاقتراب منّا؛ ولكن، مع ذلك، ينبغي أن لا نتخلى عن حراستنا الخاصة، وأن تكون أمتعتنا كلها في نقطة واحدة، وأن نرسل في المقدمة واحداً من هؤلاء الحراس”. بهذه النصيحة كان زملائي ينضمون إلى بعضهم البعض وعندما تجمعوا كنا قد وصلنا إلى أطراف الطريق.

تسحرك المنطقة هنا بجمالها. فالجبال التي تحدثت عنها آنفاً، أي تلك التي تشكّل الحد الطبيعي بين المناطق المرتفعة لكردستان وسهول آشور، والتي تمتد حتى ضفاف نهر دجلة، تشكّل سلسلة تمتد من الجنوب الشرقي باتجاه الشمال الغربي، وتتكوّن بشكل أساسي من الطبقات الكلسية وأخرى مختلطة، مع طبقات من الحصى والرمل الثابت هنا وهناك. وفي الجهة الشمالية الشرقية من هذه السلسلة ترتفع سلسلة أخرى عالية تمتد بشكل مستقيم إلى مسافة أربعين أو خمسين ميلاً وربما أكثر، وهي سلسلة منفصلة عن الوادي غير النظامي الذي يقع في سفوحه (وقد تحدثت عنه من قبل). إن السمة البارزة في هذه السلسلة هي أن قممها ترتفع بشكل رقيق ومدبب لتأخذ في النهايات أشكالاً مختلفة جميلة. وإذا ما استخدمنا تعبيراً هندسياً فإن زاوية الميل في هذه السلسلة هي قريبة من الزاوية القائمة، لا توجد ذرة واحدة من التراب في واجهتها، وعلى مسافة قليلة نرى أنها تتحول إلى صخور قاسية لم يطالها الكسر والتفتت بعد. لكن إذا ما تابعنا السلسلة نجد أن صخورها عند بعض الأطراف قد أصيبت بالكسر. توجد فيها العديد من الفجوات التي تكونت بفعل جداول المياه المنحدرة من الينابيع المنتشرة فيها. إننا نقف أمام إحدى هذه الجداول، نأخذ برهة من الراحة ونسقي خيولنا، ونشد حمولاتها استعداداً للصعود الذي ينتظرنا. إن أطراف السلسلة التي ذكرتها قبل قليل تضيق هنا إلى حد كبير حتى تصل إلى عدة ياردات فقط ومن ثم تنفتح فجأة على أوسع ما يمكن على هيئة لوحة حجرية عملاقة تتسع في الأعلى ليصل عرضها إلى أكثر من مائة ياردة، أما في الأسفل فبالكاد يتسع لمجرى الجدول المائي، وعند السفح يمكن رؤية التراب المتناثر. ولا يربط بين ضفتي الجدول، أو بالأحرى، طرفي الطبقة المصدّعة سوى الجسر الذي يمرّ من تحته الماء وتعبر من فوقه القوافل والمسافرين، وإذا ما نظرت إلى الجوانب المثلّمة من الوادي، الذي يجري فيه الجدول، فإنها ستبدو وكأنها لوحة رائعة لفنان ماهر في الفن الزخرفي، وتمتد هذه اللوحة نحو الأعلى حتى مئات الأقدام. وخلف هذا الجسر مباشرة نجد طبقات أخرى قد انصدعت بنفس الطريقة، ولكن ما يميزها هو أن جوانبها أقل بروزاً، ولكنها تشكّل كسابقتها لوحة فنية مزخرفة مع انتشار أشجار السنديان التي طالتها آثار الخريف فيها. وينفتح الجبل بعد هذا الحد على حوض يذخر بأشجار السنديان، وتتسلق الأشجار تقريباً إلى قمته. إن المنطقة برمتها تبدو كلوحة فنية ذاخرة بالألوان والأشكال، وهي أقرب إلى لوحة مزخرفة منها إلى منظر طبيعي؛ لأنها تفتقر إلى النداوة والخضرة المتواصلة اللتان تعدان من أساسيات الجمال للجبال، ومع ذلك فإنها تبقى لوحة آثرة وأخّاذة، وإنني في غاية السرور من هذه الاستراحة القصيرة التي مكنتني أن ألتقط صورة عامة لمعالم هذه البوابة الطبيعية المعروفة عند الكرد باسم دَرْبَند، أي المضيق.

لقد استغرقت عملية الصعود حوالي الساعة والنصف، بعدها بلغنا القمة حيث تمكنت أن ألقي نظرة على المنطقة الجبلية التي قطعناها حتى الآن، وإلى المنطقة المنخفضة التي يجب أن نقطعها قبل أن نصل إلى بغداد العاصمة المشهورة للخليفة، قلت المنطقة المنخفضة وليست المستوية، لأن الأراضي التي نراها الآن يمكن أن نصفها بأية صفة ما عدا صفة التسوية، بالرغم من أنها لا تقارن بالمنطقة التي تركناها وراءنا من حيث الارتفاع. فالتلال المنخفضة ذات الصخور الداكنة تمتد في سلسلة على التوالي، ولم استطع أن أرى نهايتها لأن الغبش الموجود في طبقات الجو منعني من ذلك، ومنعني من أكتشف المزيد من طبيعة المنطقة ، لكنني تمكنت من رؤية بعض التلال المنخفضة والأودية التي شكّلتها السيول في النقاط الفاصلة بين تلّة وأخرى. كان المنظر موحشاً وكئيباً، بالرغم من أن هذه المنطقة كانت في الماضي تعتبر موطناً للآشوريين، مهد إمبراطورية جبارة، ومسقط رأس الكثير من الملوك العظام الذين اشتهروا في الأيام الغابرة. بالتأكيد لا يستطيع أحد يرى ما حل بهذه البلاد مثلما أراها أنا الآن، إنها بلاد أشبه بصحراء صخري، وبالكاد يستطيع المرء أن يتصور أنها كانت ذات يوم موطناً للملكة العظيمة سمير أميس، أو للملك ساردانابالوس Sardanapalus المترف أو حتى موطناً لـ”نمرود الصياد الجبار”، وما رأيته أعتقد أنه كان الجزء الأكبر من موطن الآشوريين الواقع على الضفة اليسرى لنهر دجلة بالقرب من التلال التي تمتد من الموصل، أو نينوى، العاصمة القديمة للآشوريين، وتتجه منحدرة صوب كل من خانقين ومندلي حيث تشكّل الحدود الجنوبية الطبيعية للمقاطعة. أما المناطق المحيطة بالموصل وأربيل وكركوك فإنها تعتبر غنية بالمقارنة مع هذه المنطقة؛ ولكن القسم الأعظم منها هي أراضٍ قاحلة لا تصلح لشيء.

بعدما طوينا المرتفعات الصخرية والحجرية وراءنا، وسرنا لعدة أميال في المنطقة المنخفضة التي وصفتها، وصلنا إلى قرية تدعى زالة، وهي قرية فقيرة بائسة لم أرَ مثلها إلاّ فيما ندر. إن الشخص الأول الذي ظهر لنا كان ذو هيئة غريبة لاحظها الجميع، شعرنا بإحساس يتعذر وصفه أو تحديده من بشاعته غير الطبيعية التي صدمتنا  عند الوهلة الأولى. كان كائناً بشرياً ذي بنية جسدية قوية حوالي الثانية عشرة من عمره، كانت أوصافه الجسدية كاملة ما عدا رأسه. كان هذا العضو صغيراً إلى حد لا يصدق، وعندما أدار المخلوق وجوهه صوبنا وجدناه كائناً ناقصاً. كان وجهه شبيهاً بوجه قرد أو سعدان، وأنفه مفلطحاً وفمه ناتئاً، أما حاجبيه فكانتا منبسطتين ومرتدتين إلى الوراء، وعيناه كانتا جاحظتين، أما جمجمته المخروطية الصغيرة جداً كانت بالكاد تحتوي على الدماغ، إن هذه الصفات هي صفات كائن وحشي أكثر مما هي صفات كائن بشري. وعندما تقدمنا تعرفنا على ملامحه أكثر فأكثر، جاء ونظر إلينا أولاً ومن ثم ركّز نظره على خيولنا، والتكشيرة لم تكن تفارقه، تماماً كما يفعل السعدان، ولكن لم يكن يصدر عنه أية حركة؛ إن هيئة هذا الأبله العاري يمكن وصفها تحت أية تسمية ما عدا الكائن البشري، كان منظره مقروناً بأشد أنواع الألم.

فيما بعد عرفنا أن عمره يناهز الثلاثين، رغم صغر حجمه، أي أنه كان قد أخذ حجمه النهائي، وتوقف عن نموه الطبيعي ولن يطرأ عليه أي تطور بعد ذلك، كائن عقيم لا أب له ولا أم، كان يعيش في كنف الناس الأكثر حظاً من حيث الصفات البشرية التي منحتهم إياها العناية الإلهية من دونه.

لقد تعرضنا  في هذه القرية أيضاً مثل ليلة البارحة إلى الكثير من الانزعاج بسبب الجدال الذي دار بين مضيفنا والقرويين حول كمية التبن والذرة المفترضة تقديمها لحيواناتنا والطعام المفترض تقديمه لنا. لقد أشرت في أكثر من مناسبة إلى عادات الناس في هذه البلاد، حيث أن أي أجنبي أو أي شخص آخر يحمل رسائل توصية خاصة من الأصدقاء أو السلطات يعتبر ضيفاً عاماً وليس ضيفاً خاصاً، يُقدَّم له الطعام والمنامة على حساب الحكومة اسمياً، أو على حساب حكّام أو خان المنطقة. إن هذه العادة هي مشكلة أكثر مما هي امتياز. صحيح بدونها سيكون حظ الرحّالة قليلاً في الاحتكاك بالطبقات العليا في المجتمع، ولكن في المقابل قد يمرّ من البلاد من غير أن تتوفر له فرصة الإطلاع على العادات والتقاليد، هذا دون أن نذكر القيود التي تحدّ من نشاطه بوجه عام، حيث أنه لا يستطيع أن يتقدم في مسيرته أو حتى يبقى ماكثاً في المكان دون الرضوخ لإرادة المضيف أو مساعدته، مع أنهما قد يختلفا في وجهات النظر، ومهما كانت نوايا المضيف سليمة فإنها قد تعتبر تدخلاً في أكثر الرغبات جدية عند الرحّالة وإحباطاً لها. مرة أخرى ليس من دواعي السرور أن يرى المرء نفسه مضطراً للإقامة في بيت غريب لا يعرف شيئاً عن عادات أو شخصية صاحبه. إن هذا يعرّض استقلال المرء ومشاعره إلى الكثير من الأذى. إن رحّالة غير محاط بالعادات، ينكمش من وضع نفسه ببساطة تحت التزام مالي فعلي لشخص لا يحق له المطالبة بذلك، ويعرف حق المعرفة أنه سوف لن يعود إليه مرة أخرى، وإنه يصاب بشعور غير سارّ كلما شعر بأنه عبء على مضيفه، لا سيما عندما يدرك أن مضيفه قد ينفق عليه فوق ما تتحمله طاقته، أو عندما يسمع أكثر المناقشات خشونة تدور بين المضيف وخدمه الخاصين حول نمط الترفيه للضيف أو حول مخصصات المؤن المطلوبة لهم ولسيدهم. بالطبع لا يمكنك أن تسمع مثل هذه المناقشات من أناس ذوي أصول كريمة، أو من أصحاب الثروة والرؤى المنفتحة، لا يشعر الضيف بالحرج مع هذه الفئة من الناس، لكنه يشعر بأشد أنواع الحرج والألم عندما يصبح ضيفاً عند قرويين فقراء يفرض عليهم سيدهم الأغنى حمل حسن الضيافة، وربما كان الاعتراف بمثل هذه النفقات من الأشياء المألوفة ذات يوم، وكانت تدخل في حسابات القرية عند سد الضرائب، أما الآن فنادراً ما يتم الاعتراف بذلك.

يمكن أن يعوّض الضيف شيئاً من كرم مضيفه الغني بمنح بعض الهدايا المالية إلى خدمه، ولكن يصادف أن يأخذ المضيف المال منهم أو يشاركهم في الحصة بطريقة خسيسة إذا ما كان جشعاً للمال. أما إذا كان إقامة الضيف طويلة، وبالتالي كانت النفقات كثيرة، فربما يقبل المضيف أن يأخذ الهدية لنفسه. ولكن يصعب عليك أن تكافئ القرويين بشكل علني على ما أجبروا تقديمه لك كضيف، لأنك إذا ما منحتهم شيئاً من هذا القبيل علناً، فمن المؤكد أن الدليل أو أي من المرافقين سينتزعه منهم بالقوة في طريق العودة؛ وإذا ما وجدْتَ الفرصة وأعطيتهم منحة مالية سرّاً، فلا بد أن أحد القادة العسكريين، أو كبير القرية، أو أي شخص آخر يمتلك السلطة أن يأخذها منهم لنفسه، وهكذا لا يحصل أصحاب المعاناة الحقيقيين على شيء.

كنت لا أزال ضيفاً لباشا السليمانية وفقاً لقواعد التشريفات، طالما أنني لم أصبح خارج حدود مقاطعاته. وبما أن تبعات هذه التشريفات تكون مقرونة بالمتاعب للباشاوات، كلِّفت القرى البائسة القيام بهذه المسؤولية وعلى نفقتها، وحتى إن خصص جنابه العالي بعض المخصصات للقرويين لمثل هذه الحالات، فإن ذلك لن يفيدهم بشيء، لأن الخدم المشرفين سيسرقونها حينئذٍ  لصالح جيوبهم الخاصة.