لـ شاهين بكر سويركلي ترجمها عن الكردية أحمد قطو.

لم أزر حلب منذ مدة طويلة، ففي ريعان شبابي كنت طالباً في مدارسها, و قضيت أياماً رائعة في ربوعها, في تلك الأيام كانت حلب مدينة نظيفة و جميلة, أو هكذا كانت تبدو لي,كان المسنّون عندنا يصفونها:  “حلب أم الدنيا”.

سنحت لي الظروف بعد سنوات طويلة من الاغتراب بأن أذهب إلى هذه المدينة القديمة.

أراها بعد ثلاثين عاماً وقد اتسعت, لكن بعض شوارعها كشارع القوتلي بقي كما هو, فيما مضى من السنوات كانت هذه الشوارع تتألق جمالاَ و نظافة وتلتمع المصابيح الملونة فيها, كان المرء يبقى مشدوهاً و هو يسير فيها, واليوم تبدو هذه الشوارع و قد شاخت و بانت عليها آثار الدهر, و بدا بريقها يخف شيئاً فشيئا, و تراكمت فيها القمامة.

يقول بعض الحلبيين الأقحاح بحسرة : “القرويون خنقوا حلب”, ويردد بعضهم : “الحلبيون الأقحاح هاجروا إلى دمشق و بيروت و أوروبا و أمريكا و الريفيون الذين قدموا إليها عاثوا فيها فساداً”, و يقول آخرون : “الحكومة لا تهتم بحلب”, هكذا يستمر الناس في إبداء آرائهم, و لكن تبقى حلب مع كل سلبياتها ” أم الدنيا” للكثيرين.

و في الوقت الذي يرى المرء التخلف البادي على بعض الحارات, يجد بعض التطور أمام عينيه, حيث دشنت حارات جديدة في غربيها و شماليها, و اتسعت الطريق الذي يوصلها بكل من دمشق و العراق, وأضحت الطائرات القادمة إليها من الخارج تهبط في مطارها, و تمتلئ محلات المدينة و مخازنها بالبضائع فكل ما ترغب فيه موجود, و لا نهاية لطعامها و شرابها, فهي تشتهر بأطعمتها, أمّا فنادق الـ”خمس نجوم”, و أماكن المتعة و اللهو, فإنّ الأثرياء يجدون فيها ضالتهم.

في حلب،كغيرها من مدن الشرق الأوسط القديمة, تلتقي العصور المختلفة جنباً إلى جنب, فقد يجد المرء نفسه في بعض الحارات في نهاية القرن العشرين, و في أحياء أخرى يرى بأنّ الزمن لم يحرك ساكناً منذ مئات السنين, ففي الحارات المجاورة لـ”سوق المدينة” يجد المرء نفسه في عالم جديد, إنّه عالم القرن الثاني عشر أو قبله.  بالإنكليزية يقولون عن مدينة حلب ” مدينة التناقضات”

 تجد النساء المحجبات من الرأس إلى القدمين جنباً إلى جنب مع النساء اللواتي يرتدين أحدث أنواع الألبسة و الموضة القادمة من باريس.

تجد العربات التي تجرّها الحمير بجانب السيارات الفارهة, و الباصات القديمة التي تسمى ” هوب – هوب” بجانب البولمانات الحديثة التي تأخذك إلى دمشق في غضون  5 ساعات.

عندما تتجه من القلعة إلى مركز المدينة, تجد أمامك المطاعم التي علّقت أمامها الخراف المذبوحة, فتشعر بأنّك في مدينة من مدن الشرق الأوسط القديمة, و قبل أن تصل إلى “باب الفرج” يصادفك “فندق الأمير”, هذا الفندق الذي يأخذك خلال لحظات إلى جو أوربي, سواء بقهوة اكسبريس أو بطعامه و شرابه أو حتى بـ “تواليتاته”.

مشكلة هذه المدينة كغيرها من مدن الشرق الأوسط, تكمن في تلوث الهواء و قلة المياه, تسلك آلاف السيارات طرق المدينة ليلاً و نهاراً, فليس في المدينة “ترامواي” أو”مترو”,وبعض سيارات الأجرة فيها من موديل الخمسينيات و عوادمها سوداء, لذلك يتنفس المرء بصعوبة في بعض حاراتها.

يشكّل دخان السجائر مشكلة كبيرة في العديد من مقاهي المدينة و خاصة في الشتاء, فتسعة أشخاص من كل عشرة يدخنون و كثيرون منهم يشعلون سيجارة بأخرى. و إزالة القمامة و الأوساخ في الحارات و من أمام المنازل لا تتم بشكل يومي, يصل الماء إلى حلب من نهر الفرات عبر قنوات خاصة, و بما أنّ المدينة كبرت و انخفض منسوب مياه نهر الفرات في السنوات الأخيرة, فقد بدأت تعاني من شح المياه, ليس فقط أشجار المدينة و بساتينها لا تأخذ حاجتها من الماء, بل أهلها أيضاً حيث تنقطع المياه صيفاً لساعات طويلة, و لهذا يخامر المرء شعور بأنّ المياه ستكون سبباً للحروب بين دول الشرق الأوسط.

        يحترم غالبية أهل حلب الأكراد, فهم على معرفة بهم منذ القدم, و هذه المعرفة تعود إلى أيام ما قبل صلاح الدين الأيوبي, و كل هذا لا يعني بأنّه لا يوجد من أهلها من يكره الأكراد, و لكن أعتقد بأنّ عددهم قليل.

يقول حلبي مسن :”عاش الأكراد في حلب منذ زمن بعيد, و لعبوا دوراً هاماً في بنائها و تطورها”.

في حلب حارة تسمى ” بستان كل آب”, و يلفظ الحلبيون هذا الاسم ” بستان كليب”, يقول مسن حلبي بأنّ جدّه أخبره بأنّ

“.Gulavالأكراد عمّروا هذه الحارة, و أطلقوا عليها اسم ” كلآف ”  “

و حسب ما يقوله الكرد السوريون, فإنّه يعيش في حلب حوالي/ 250000/ ألف كردي, ففيها يعيش جنباً إلى جنب أكراد جبل الكرد “عفرين” و أكراد كوباني “عين العرب” و أكراد الجزيرة .

معظم أكراد الجزيرة في حلب, هم أصحاب محلات تجارية أو شقق سكنية, و غالباً ما يقيمون في حلب شتاءً, أمّا أهل كوباني فهم يعملون أيضاً في مجال التجارة أو كعمال, أمّا أهل عفرين فهم موظفون أو أطباء أو ” كراسين ” في المطاعم أو سائقو تكسي أو عمال نظافة, و عدد كبير من أطفالهم يعملون في الشوارع و الأزقة في تلميع “بويا” الأحذية, و على ضوء ما رأيت و سمعت فإنّ هذا الأمر يغيظ بشدّة أكراد الجزيرة و كوباني فهم يقولون “أكراد عفرين إمّا ” كراسين” في المطاعم أو يعملون في “بويا” الأحذية, و بهذا أساؤوا لسمعة الأكراد عموماً”

و لا جدوى من محاولة شرح الأمر لهم بأنّه ليس هناك ما يعيب في أي عمل يقوم به المرء, أو أنّهم يعملون في هذه الأعمال بسبب فقرهم المدقع, أو أنّه هناك الكثير من الأطباء و المهندسين من أكراد عفرين.

و أهل كوباني متشددون جداً في هذا الأمر, فيقول أحدهم : “لو عملت أي عمل شاق أو متّ جوعاً,  فلن أعمل في الـ”بويا” أو “كرسوناً” في مطعم” و أكراد عفرين يجدون في مثل هذه المقولات تخلفاً, و يقول آخرون منهم ” هؤلاء الأطفال الذين يعملون في الـ”بويا”, و النساء اللواتي يعملن كخادمات “لفّايات” في تنظيف المنازل ليسوا من عفرين بل معظمهم من أهالي ماردين “ماردلية”, و لكنهم يعرّفون عن أنفسهم على أنّهم من عفرين”.

أصبحت حلب جسراً للتواصل و المشاركة و الصداقة بين الكرد في مناطقهم الثلاث, فهي تجمع بين كرد عفرين و كوباني و الجزيرة.

عندما يعيش المرء لسنوات طويلة في الخارج ينسى الكثير من خصوصيات الأكراد, و يجانب الحقيقة إذا حاول تفسير الأمور حسب خصوصيات الأوربيين, أو ابتعد عن فهم حقيقة و واقع الأكراد المختلف, و عندما يعود إلى الوطن بعد سنوات طويلة من الغربة, يجد بوناً شاسعاً بين ما يكتب من أفكار في الخارج و بين حقيقة و واقع الأكراد, و بعد هذه العودة وصلت إلى قناعة مفادها : من الصعب تغيير بعض الأمور الراسخة في عقول و أذهان الناس مهما حاول أفراد منهم تغيير جوانب معينة فيها.

في نهاية المقال أعود مرة أخرى إلى حلب, فمع كل السلبيات تبقى حلب ذات شخصية فريدة, مدينة جذّابة, تلتقي فيها العصور القديمة و الحديثة, و هي مكان التقاء عادات و تقاليد شعوب مختلفة من عرب و كرد و أرمن و غيرهم, الغني يعيش إلى جانب الفقير, تجتمع الأفكار المختلفة و الأجيال القادمة من مختلف العصور و العلماء من مختلف مشارب الفكر في قارب واحد و في خضم أمواج هذه الحياة يتوجهون نحو أفق جديد.

 

بعد منتصف الليل كنّا في سيارة صديق من الجزيرة, هذا الصديق الذي عشنا سوياً لمدة سنة قبل حوالي اثنين وعشرين عاماً في برلين الغربيّة, كنّا نمرّ في شارع بارون الذي حظي بشهرة واسعة فيما مضى من أيام, وجدنا في زحمة السيارات حماراً و صغيريه و قد علّقت بذنبه “تنكة” تصدر قرقعة  و الحمار منطلق بكل ما أوتي من قوّة و الصغيران يعدوان خلفه.ضحكت زوجة صديقي الألمانية و قالت : هل رأيتم المرسيدس و الحمير جنباً إلى جنب بعد منتصف الليل في غير هذا الشارع؟

تألمت كثيراً لمعاناة الحمار و صغيريه لكنني كنت أخجل أن أقول لصديقي أوقف السيارة لكي نجد طريقة لفك هذه التنكة من ذنب الحمار, شاورت زوجتي الأسترالية في الأمر فردت بقولها : ما تقوله صحيح, و لكن من يعلم فقد يكون هذا الأمر مستحبّاً لدى الحمار!

لقد شعرت بالبهجة و السرور بعد هذه العودة إلى الوطن, لأنني أصبحت على قناعة بأنني لو أردت العيش في الوطن بعد غربة دامت ثلاثين عاماً فسأستطيع التكيف و التلاؤم بدون صعوبة مع جريان نهر الحياة فيه, و سأنسى خلال شهر السنوات التي قضيتها في المغترب, و لكن هل هذا الأمر حسن أو سيء فهذا موضوع آخر؟.

 


  • نشر هذا المقال في مجلة جرا, الصادرة عن جمعية الكتاب الكرد في السويد باللغة الكردية, العدد الخامس, ربيع 1996,. 1
  • شاهين بكر سويركلي كاتب و باحث كردي, ولد في قرية “مزره سويركلي” التابعة لـ”كوباني” عام “1946”, هاجر إلى أوربا واستراليا منذ أواسط ستينيات القرن الماضي, كتب و ألّف في مختلف المجالات الأدبية, كالشعر و القصة و الرواية و المسرح, ونشر العديد من المقالات باللغتين الكردية و الإنكليزية.