الكرد والأقليات غير المسلمة في كردستان

مارتن فان برونسين

 الترجمة عن الإنكليزية: راج آل محمد

إن كردستان، مثل معظم مناطق الشرق الأوسط، موزاييك ديني، حيث عاش البدو، والفلاحين وسكان المدينة الذين يتكلمون لغات ولهجات مختلفة من أتباع الإسلام والمسيحية واليهودية ومجموعة كبيرة من الجماعات الدينية التوفيقية جنباً إلى جنب. شكّل المسلمون السنة من متكلمي الكردية الأغلبية، ولكن كان لهم في كل مكان جيران من عقائد ولغات أخرى. في شمالي كردستان، كان الأرمن هم الأبرز، وفي بعض المناطق يشكلون الأغلبية. كانت العلاقة بين الكرد من مربيي الماشية والأرمن غير متساوية لكنها تكافلية[i].في وسط وغربي كردستان كانت هناك جماعات كبيرة من المسيحيين الذين يتكلمون الآرامية ينتمون إلى الكنائس السورية الشرقية والغربية (والذين يُعرفون في أوربة باسم الآشوريين أو النسطوريين أو اليعاقبة على التوالي)[ii]. هذه الجماعات كانت أنداداً لجيرانها من المسلمين. فتلك التي في وسط كردستان كانت ذات تنظيم قبلي وشكلت،حتى أوائل القرن التاسع عشر، قوة هامة وهو ما شكل عاملاً حاسماً في السياسة الكردية. وقد كان في أغلب المدن الكردية أيضا أعداد صغيرة من اليهود وكانت بعض الأماكن الأخرى، كزاخو وبكلا  Ba-kale  وبارزان موطناً لعدد كبير من السكان اليهود.

   ربما كانت الجماعات المسيحية على نفس القدر من عدم التجانس مثل المسلمين، وربما كانت البِدع منتشرة بينهم على نفس القدر أيضا.(وبدعة البوالصة[iii] التي ظهرت بين الأرمن فيما يسمى حالياً شمال غربي كردستان في القرن الثامن والتي سحقها البيزنطيون في القرن التاسع هي أكثرها شهرة.)[iv]. إن العناصر المسيحية واليهودية التي ادعى المراقبون ملاحظتها في الدينين العلوي وأهل الحق، من المحتمل ألا تكون قد استُمدِت من الأشكال “العليا” للدينين بل من اختلافاتها الشعبية. ربما كانت “الاعتناقات [لأديان جديدة]” متكررة في فترات قصيرة نسبياً، إذ افترضتا أن قسماً صغيراً منها فقط قد دوِّن. لقد أشار كارستن نيبور  Carsten Neibuhr في القرن الثامن عشر أن أعداداً كبيرة من طائفة الشمسية (التي يُعرف عنها القليل جداً) قد ارتدت إلى الكنيسة اليعقوبية، كما فعل عدد كبير من اليزيديين فيما بعد[v]. إن وجود أعداداً كبيرة من الأرمن واليعاقبة ممن تعتبر الكردية لغتهم الأم تشير أيضا إلى وجود تاريخ من الاعتناق لأديان جديدة. ففي ديرسم ارتد كثير من الأرمن إلى العلوية، ولكن كانت هناك أيضا فترة قصيرة من الانتقال من العلوية إلى المسيحية حينما ظهر أن البعثات التبشيرية الأجنبية توفر الحماية.

   إن وصول البعثات التبشيرية إلى كردستان- الروم الكاثوليك أولاً، ثم اتبعهم في القرن التاسع عشر البروتستانت من طوائف مختلفة- جعل الموزاييك الديني أكثر تعقيداً وذلك ببروز جماعات اثنو-دينية. فالجاليات السورية الشرقية التي ربطت نفسها بكنيسة الروم الكاثوليك وباتوا يُعرفون بالكلدانيين فيما بعد بتنا نرى الأرمن البروتستانت والكاثوليك جنباً إلى جنب مع الكنيسة الغريغورية، والبروتسانت السوريين الغربيين إلى جانب اليعاقبة. إن النشاط المتزايد للبعثات التبشيرية كان مظهراً من مظاهر تزايد نفوذ القوى الأوربية في المنطقة، وقد فهمها على هذا النحو المسيحيون والمسلمون على حد سواء. كان المسيحيون المحليون غير ميالين كثيراً لقبول مكانتهم الثانوية التقليدية، وبالنتيجة، أصبحت العلاقات بين المسيحيين والمسلمين تتسم بمزيد من العداء. وكانت الدولة والمسلمين في المدينة متوجسين من أن المسيحيين ربما يتعاونون مع الأعداء الأجانب.

   وقد أدى ذلك إلى سلسلة من الصدامات المسلحة والتي وصلت إلى أوجها في مجازر الأرمن لعام 1915 والتي أدت في النهاية إلى تطهير عرقي كامل تقريباً (أو ردّة) المسيحيين. إن مجازر الأرمن بين 1894-1896، والتي شكلت طوراً حاسماً في هذه العملية، غالباً ما تُعزى إلى قوات الفرق الحميدية الكردية التي أسسها السلطان عبدالحميد الثاني. ولكن الأبحاث الجديدة تؤكد على دور المسلمين المدنيين من أبناء المنطقة في المجازر، حيث مجموعة منها ذات هوية إثنية غامضة.[vi] إن التهجير الجماعي وعمليات الإبادة الجماعية لعام 1915 طردت عمليا الجاليات الأرمنية من كردستان. وقد ترك نسطوريو وآشوريو وسط كردستان معاقلهم الجبلية لصالح إيران في تلك السنة أيضا. وقد جندهم البريطانيون كقوة لمحاربة العثمانيين أولاً ومن ثم وطّنوهم في شمالي العراق، وجعلوهم قوة شرطة واستعملوهم، من بين أشياء أخرى، ضد التمردات الكردية المسلحة. ولكن مجازر 1933 (من قبل الكرد المحليين وضباط الجيش الوطني العراقي) حطمت أعداداً كبيرة منهم، وقضت عليهم كقوة عسكرية.عانى السوريون الغربيون كثيراً أيضا في الحرب العالمية، وبعد تشكيل الدولة السورية عبرها كثيرون من تركيا واستقروا هناك. والجماعة المتبقية في جبال طور عابدين فقدوا أكثر أفرادها فعالية بسبب هجرة العمل إلى ألمانيا وبالتالي أصبحوا عرضة للاضطهاد من قبل جيرانهم المسلمين، والذي تسبب في هجرة جماعية من المنطقة.[vii]

   بخلاف المسيحيين فإن يهوديي كردستان كانوا (حتى قيام دولة إسرائيل) لا يُعتبرون متعاونين مع القوى الأجنبية، ولم تكن أعدادهم كبيرة بحيث يشكلون قوة ذات أهمية. كانت علاقتهم مع الكرد على العموم ودية وإن لم تكن متكافئة، وهجرتهم إلى إسرائيل حوالي عام 1950 لم تكن بسبب المعاملة التي لاقوها من جيرانهم الكرد. وفي دلالة ذات مغزى فإن الجالية الكردستانية اليهودية في إسرائيل لديها مشاعر قوية تجاه الكرد[viii].

   لقد أعادت الجاليات السورية الشرقية والغربية تنظيم نفسها بشكل جيد في الشتات في أوربا وأمريكا الشمالية. لقد انبثقت حركة آشورية علمانية موحدة في أوربا تسعى إلى توحيد الجاليتين في أمة واحدة وتشجع العودة إلى بلاد ما بين النهرين ودخلت في نقاش مع الحركة الكردية حول قضايا التعددية السياسية والدينية والإثنية[ix].وقد قامت الحركة الكردية بعدة خطوات تعبيراً عن ودهم: ففي برلمان كردستان العراق المستقل والبرلمان الكردي في المنفى هناك ممثلون آشوريون، كما أضافت محطة تلفزيون Med-TV الفضائية الكردية نشرات إخبارية باللغة الآرامية إلى برامجها.



[i]  Helmut Christoff, Kurden und Armenier: eine Untersuchung über die Abhängigkeit ihrer Lebensformen und Charakterentwicklung von der Landschaft. Diss. Hamburg, 1935.

[ii] John Joseph, The Nestorians and their Muslim neighbours (Princeton University Press, 1961); Michel Chevalier, Les montagnards Chrétien du Hakkari et du Kurdistan septentrional (Départment de Géographie de l’Université de Paris-Sorbonne, 1985); John Joseph, Muslim-Christian relations and inter-Christian rivalries in the Middle East: the case of the Jacobites in an age of transition (Albany, SUNY Press, 1983)

[iii] Paulicians  طائفة مهرطقة في الشرق أسسها قسطنطين من منانالي (في القرن السابع الميلادي) الذي أقام أول أبرشية له في أرمينيا حوالي عام 660. وقد حُوكم بالموت بأمر من الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الرابع، ولكن طائفته لم تختفِ بموته. في القرن التاسع تحالفوا مع المسلمين ضد الإمبراطورية البيزنطية ووصلوا إلى أوج قوتهم. رفضت الطائفة، بالإضافة إلى  الهرمية الكنسية،  العهد القديم وأجزاءً من العهد الجديد إضافة إلى السر المقدس للمعمودية، والقربان المقدس، والزواج. وقد كانوا أيضا يقاومون تقديس التماثيل. عن  موسوعة Encarta, Microsoft 2003 (بتصرف).   (المترجم)

[iv] حتى عهد قريب ، أوائل القرن التاسع عشر، كانت هناك جماعة مهرطقة تُعرف باسم تورانكي  Thoranki  في مقاطعة موش، التي اعتبرها الدارسون فرعا من البوالصة  Paulicians . ما نعرفه عن هذه الطائفة يعتمد على مصدر وحيد تم الاحتفاظ به. انظر  Fred. C. Conybreare, The Key of Truth, a manual if the Paulician Church of Armenia (Oxford: Clarendon Press, 1898).

[v]  Carsten Neibuhr, Reize naar Arabië en endere omliggende landen. Vol.2 (Amsterdam, 1780), p376-8 (Dutch translation of vol. 3 of Reisebescherubung nach Arabien und andern umliegenden, Copenhagen,1778)

[vi] Jelle Verheij, “Les frères de terre et d’eau’: sur le rôle des Kurdes dans les massacres arménienes de 1894-1896” , “Les Annales de l’Autre Islam 5 (1998)225-276.

[vii]  Martin Van Bruinessen, “The Christians of eastern Turkey, the state and the local power structure”, ICMC MIGRATION NEWS no. 3-4 (1979), 40-46; Helga Anschütz, Die syrischen Christian vom Tur Abdin, eine altchristliche Bevölkerungsgruppe zwischen Beharrung, Stagnation und Auflösung (Würzburg: Augustinus-Verlag, 1984).

[viii] الدراسة الأشمل لتاريخ وثقافة اليهود الكردستانيين هو عمل إيريك برور  Eric Brauer (completed and edited by Raphael Parai ), The Jews of Kurdistan (Detroit: Wayne State University, 1993).

[ix]  يمكن تتبع هذه الحركة الآشورية الشاملة في أربع صحف تأسست حديثاً هي : نصيبين (تصدر في السويد)، فوركونو (السويد)، حمورابي (فرنسا) ورينو هيرو (سويسرا).