تعليق من جان دوست:

في اليوم الأخير من فعاليات مؤتمر الترجمة في أبو ظبي، الذي حضرته كضيف شرف بدعوة من مشروع كلمة الرائد، ذهبت إلى معرض الكتب والذي أقيم قريباً من الفندق الذي أقيم فيه. كان معي الأخ مصعب إبراهيم أحد الموظفين في المشروع، قال لي ونحن نمشي: سأعرفك على أحد المثقفين..ولم نمش إلا خطوات حتى صادفنا رجلين جالسين أمام شاشة كبيرة مدون عليها “الموسوعة الشعرية”. سلمنا عليهما فقاما احتراماً وردا التحية بأحسن منها، وجرى بيننا حديث سريع خاطف كالذي يجري عادة على هامش النشاطاتا الثقافية، وهو عادة ما يكون حديثاً عابراً ينساه المرء بمجرد أن يدير ظهره لمن لقيه وتحدث إليه. كان أحدهما الدكتور أحمد إيبش والآخر الأستاذ زهير ظاظا..وسرعان ما أدركت أنني أمام مثقفين جديرين بالاحترام. خاصة الأستاذ زهير ظاظا الذي يعمل في الموسوعة الشعرية فينقح ويزيد ويضيف  بدأب الباحث الصبور الذي لا يعرف معنى للتعب والإرهاق.

لم يكن الأستاذ زهير باحثاً وشاعراً فقط، بل رأيت أنه فياض العاطفة لدرجة كبيرة فقد جاش صدره مرتين  وفوجئت به يبكي وهو يتذكر قصيدة بعثها له أحدهم عن شرناخ! ارتبكت أمام دموعه التي لمعت في عينيه.لم أدر ماذا أفعل..ابتعد قليلاً..فحدثني الدكتور أحمد إيبش عنه وقال إنه رقيق جداً ..وعاطفته جياشة وهوكردي حتى النخاع محب لقومه ووطنه. بعد ذلك لمحناه عاد وقد كفكف دمعه، فتحدثنا مرة أخرى عن الأدب وعن الموسوعة الشعرية  وهو عمل جبار يشرف عليه فأراني مقاله هذا الذي ننشره هنا، وطلبت منه الإذن بنشره في مدارات فرحب بالموضوع ووعدني خيراً..طال بنا الحديث حتى دمعت عيناه ثانية..واضطررنا للخروج لكي يروح عن نفسه بالتدخين.لم يبق أمامي إلا أن أودعهما بقلب كسير وغصة مؤلمة. نترككم مع المقال والقصيدة.

سوف أنقل لكم هنا طرفا من ترجمة رائعة لشاعر  كتب قصيدة مطولة عن مفاخر الكرد وهذه الترجمة من إعداد المحبي كبير مؤرخي القرن الحادي عشر في كتابه (خلاصة الأثر) وأقتتطع من الترجمة القطع الشعرية التي ساقها المحبي في ترجمته كيلا تطول هذه المقدمة، وأنبه هنا إلى معلومة مهمة جدا فقول المحبي في آخر الترجمة (هكذا ذكره البديعي) يعني في كتاب البديعي (ذكرى حبيب) وهو كتاب ضخم في تراجم شعراء القرن الحادي عشر نسجه على منوال ريحانة الخفاجي، وقد تكلمت عنه في التعريف بكتاب (هبة الأيام). قال المحبي:
الأديب حسين بن أحمد بن حسين المعروف بابن الجزري الشاعر المشهور الحلبي أحد المجيدين جمع في شعره بين الصناعة والرقة نشأ بحلب وأخذ بها الأدب عن إبراهيم بن أحمد بن المنلا والقاضي ناصر الدين محمدا الحلفا وشغف بتعلم الشعر صغيرا وحفظ قصائد عديدة وفحص عن معانيها وأكثر من مطالعة كتب الأدب واللغة حتى صار له رسوخ ثم أخذ يمدح الأعيان وكان إذا تكلم لا يظنه الإنسان يعرف شيئا وكان له خط نسخي في غاية الحسن إلا أنه كان سيئ الأخلاق ولما تنبل اقتعد غارب الاغتراب فرحل إلى الشام والعراق ودخل الروم في سنة أربع عشرة وألف وقرأ فيها على محمد بن قاسم القاسمي الحلبي حصة من هداية الفقه وفي ذلك يقول في قصيدته البائية يمدح بها القاسمي المذكور وهي
لقد آن إعراضي عن الغي جانبا وأن أتصدى للهداية طالبا
وهي مذكورة في ديوانه فلا حاجة بنا إلى ذكرها ثم عاد إلى حلب واستقر بها وكان أحيانا يتردد لبني سيفا أمراء طرابلس وله فيهم المدائح الكثيرة جمع له ديوانا وهو موجود بأيدي الناس وكان مغرما بشعر أبي العلا المعري كثير الأخذ منه وأخبر أنه رآه في منامه وكان يقرأ عليه اللزوم وفهم من تقريره في تلك الرؤيا الخير كل الخير فيما أكرهت النفس الطبيعية عليه والشر كل الشر فيما أكرهتك النفس الطبيعية عليه وكتب على ديوانه اللزوم
قوله:
إن كنت متخذا لجرحك مرهما فكتاب رب العالمين المرهم
أو كنت مصطحبا حبيبا سالكا سبل الهدى فلزوم ما لا يلزم
……. وسافر في آخر عمره إلى حماة لرجاء عن له بها فرأى ليلى سيره كأنه يودع أهله فاستيقظ
وهو ينشد
قومي احسني منك وداعى فما بعدك حسنا يا ابنة القوم
وزودي جفني طيف الكرى فليس بعد اليوم من نوم
…. وبعد مدة توفى وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وألف هكذا ذكر البديعي وفاته في السنة المذكورة ثم رأيت في نسخة من ديوان ابن الجزري مات بعد إنشاد البيتين المذكورين بثلاثة أيام ولم يقل بعدهما شعر وإن وفاته كانت في سنة أربع وثلاثين وناقض أبو الوفاء العرضي في وفاته فذكر أنها في سنة اثنتين وثلاثين ولست أدري أي المقولات أصح وزاد العرضي أنه توفى غريبا بحماة كما توفى والده بالبصرة غريبا وعمره نحو الخمس والثلاثين ودفن بالتربة المعروفة بالعليليات والجزري نسبة إلى جزيرة ابن عمر من بلاد الأكراد وبها كان أجداده ولهم فيها المكانة والجاه كما أشار إلى ذلك في بعض قصائده
إن الجزيرة لا عدا جوديها الغيث الهتون
خلقوا بها آباي آساد الشرى وهي العرين
ولهم بها البيت المؤث ل في قواعده المكين
وبركنه المجد المتين وظله المجد المبين
ولنا بهم نسب على الدن يا له شرف ودين
وهذه القصيدة من غرر قصائده وهي طويلة فنكتفي منها بهذا المقدار ففيه كفاية.
انتهى كلام المحبي وإليكم القصيدة كاملة

إنا لتقتلنا العيون = ونرد ما طبع القيون
ولنا المعزة في الحروب = وفي الهوى ذل وهون
ولنا المكارم والصوارم = في ندى ووغي تدين
ولنا المعاني الغر أبكار = وللشعراء عون
وبنا قوافيها قوى = فيها لمنتقد كمين
وبنا تقاد إلى مقارعة = العدا الحرب الزبون
ونوائب الأيام أعذبها = لأنفسنا المنون
والصعب غير فراق من = تهواه في الدنيا يهون
ان الجزيرة لا عدا = جوديها الجود الهتون
خلقوا بها آبائي آساد = الشرى وهي العرين
ولهم بها البيت المؤثل = في قواعده المكين
وبركنه المجد المتين = وظله الجد المبين
وبهم لنا نسب على الدنيا = له شرف ودين
ولوفدنا العرض المذل = وعندنا العرض المصون
ولضيفنا تعلو القدور = وتنحر الكوم الأمون
لا تستقر على المهاد = لنا ضلوع لو جفون
وهدونا فوق الجياد يرى = وإن قلق الوضين
إن الكرام إلى ظهور = الخيل تدفعها البطون
ونجابة النجباء اسرع = ما يشب بها الجنين
وإذا رأيت الحي تقصده = الركائب والظعون
وتجاهك البيت الرحيب = فناؤه السهل الحصين
متشرع الجنبات طال = عموده الصلب الرزين
ولديه أغلمة تهش = لقاصديه وتستكين
وبجانبيه صواهل = وهواجل حمر وجون
ووراءه شوس تصول = وللذمار به تصون
وبصدره الصامي عمادي = هجان لا هجين
فانزل على حكم الوفاء = فأنت مكلو أمين
واحكم بما تختار في = أمواله وأنا الضمين
فجوابه في أن تكون = مكانه كاف ونون
وحمية الأكراد تأبى = أن يكون بهم ضنين
قومي أولئك والقرين = لقومه نعم القرين
وعشيرتي والأقربون = ومن يعيل ومن يعين
والأسرة الموفون = ما منهم يمينا من يمين
فلئن ترحل عنهم جدى = فقد ساءت ظنون
ولطالما أبصرت من = عبثت بيسراه اليمين
ولقبلنا المأمون = دافع عن تخلفه الأمين
وسمعت بالأخوين كيف = تحكم الدهر الخؤون
حتى أباد أخ أخاه = وفيهما حلم رصين
والمرء منا في تأسيه = بيوسف يستعين
ولنا بقابيل وقتل أخيه = مظلوما يقين
وقرأت من صحف الحوادث = ما تشيب له القرون
وعلمت أن الدهر = قاس العريكة لا يلين
وبنوه لا تصفو وفي = تكوينهم ماء وطين
أفنعتب الأيام فيما بيننا = إن عاث بين
ويود لو هدأ السليم = بها ولو هجع الحزين
ولنا بكلٍ أسوة = وبكلنا الداء الدفين
ولكل ذي جفن قذى = ولكل ذي قلب شجون
وعلى ذوي القربى لنا = تقضى بمظلمة ديون
كلا وإني بالوفاء = وبالوداد لهم قمين
والحلم يصحبك الخدين = وإن نأى عنك الخدين
قسماً بمزجي العيس مطلبها = المشاعر والحجون
تطفو على آل الهجير = ضحى كما تطفو السفين
ولقد تملكها النحول = سرى وأخفاها الحنين
فكأنما البيداء وهي = بها تبين ولا تبين
طرس به سطر يلوح = وكل حرف منه نون
لو لم يكن سكني بشهباء = العواصم والسكون
وسمو جوشنها على = روض جناه الياسمين
فكأنها ورياضها = مخضرة فيها الغصون
وجه بدا خط العذار = به وجوشنها جبين
وقويقها العذب المعين = وحسبك العذب المعين
ينساب مثل الأيم = إلاأنه أيم لجين
وخلاص قلبي من يدي = آرامها ما لا يكون
والطرف من جور الزمان = عدا أحبتنا سخين
وافيت قومي والجزيرة = لا تماثلها الحصون
وقطنت أرضهم وعند = جوارهم يرعى القطين
ونضوت بالنعمى لباس = البؤس والنعمى تزين
فشدائد الدنيا وطيب = رخائها حين وحين