أحمد حسن

نظرا لعدم وجود معلومات مؤكّدة حول أصول الأدب الكردي المكتوب و بداياته, فقد اختلف مؤرّخو هذا الأدب أحيانا في ترجمة حياة بعض الشعراء أو في إسناد تاريخ معين إلى بعضهم الآخر. عموما كان لدى الكتاب الكرد ميل إلى جعل أدبهم المكتوب أقدم عهدا مما هو عليه في الواقع. و في هذا المنحى, درجَ بعضهم على اعتبار علي ترماخي مؤلّفاً لأول كتاب في قواعد اللغة الكردية، وذهب بعضهم إلى أنّه أول شاعر نظم بالكردية في القرن العاشر الميلادي. فعلى سبيل المثال لا الحصر, يقول الأمير ثريا بدرخان في مقاله الذي قدّمه إلى المؤتمر الدولي السادس عشر للانثروبولوجيا المنعقد في بروكسل عام 1935: ” يُعتبر الشاعر الكردي علي ترموكي الذي عاش في القرن العاشر مؤسّساً للمدرسة الشعرية الكلاسيكية الكردية و مؤلّفا لأول قواعد للغة الكردية ” 1. كذلك يقول د. بله ج شيركو في كتابه القضية الكردية: ” علي الترموكي: هو من العلماء الأفاضل و المدرسين العظام مولده سنة 1000 هـ في قريته الكائنة بين حكاري و مكس, و كان له يد طولى في العلوم و الفنون الجميلة [؟!], و ولع بالتدريس, و هو مؤلف الصرف و النحو الكردي, و له رحلات قيمة كثيرة إلى البلدان المجاورة, ذكر فيها أشياء مفيدة و ملاحظات سديدة. و قبره بقريته التي ولد بها2 “. و قد ظلّ هذا الرأي متداولا بين قسم كبير من كتّابنا يرددونه و يتناقلونه دون أن يتثبّتوا من صحته. لكنّ الباحث الكردي الدكتور معروف خزنه دار تنّبه إلى الأمر في كتابه ” الصرف العربي باللغة الكردية” و نفى أن يكون علي ترماخي شاعرا, بل اعتبره لغويا كرديا ألّف كتابا في الصرف العربي باللغة العربية 3.
على الرغم من أنه نُسبت إليه بعض القصائد, فلم يرد ذكره في مقدمة ديوان ” مم و زين” للشاعر الكردي الكبير أحمدي خاني الذي يذكرّنا بأساطين الشعر الكردي الكلاسيكي من أمثال الحريري و الجزري و فقي طيران، يقول خاني:
لرفعتُ راية الشعر في أعالي السماء
وبعثتُ روح (ملي جزيري)
و أحييت بها ( علي حريري)
و أبهجتُ (فقي طيران)
كي يبقى مشدوها إلى الأبد 4
لو كان الرجل شاعرا فعلا فهل يُعقل أن يهمل خاني ذكره خاصةً و أنّه كان على جانب كبير من العلم و الشهرة ؟! كذلك لم يظهر اسمه في رسالة الكاتب و المترجم الكردي الملا محمود البايزيدي حول الشعراء الكرد, هذه الرسالة التي ورد فيها أسماء عشرة شعراء كلاسيكيين و التي ضمنّها أوغوست ألكسندر جابا في كتابه الموسوم “جامع الرسائل و الحكايات” 5.
أمّا فيما يخصّ تاريخ ولادة ترماخي الذي يرجعه البعض إلى سنة 1000 ميلادية، فهذا عائد إمّا إلى خلط بين سنة 1000 هجرية التي شهدت ولادة علي ترماخي وفق الكتاب الآنف الذكر و سنة 1000 ميلادية, أو أن أحدهم تعمّد ذلك في محاولة منه ” لجعل الأدب الكردي ضارب الجذور في أعماق التاريخ ” على حد قول توماس بوا 6. و هكذا انتقلت هذه المعلومة الخاطئة – عمداً أو سهواً- من مقال إلى مقال و من كتاب إلى آخر.
و أمّا كتابه الذي ألّفه بالكردية في قواعد اللغة، فهو على قدر كبير من الأهمية و يُعدّ الأول في موضوعه, لكنّه مع ذلك لا يعتبر بأي حال من الأحوال قواعد للغة الكردية. الكتاب عبارة عن رسالة ألّفها الكاتب في شرح أصول الصرف العربي باللغة الكردية, و هي بالأساس موجّهة إلى الطلبة الكرد الذين كانوا يتعلمون في مدارس كردستان الدينية ويجدون مشقّة كبيرة في فهم القواعد الصرفية الخاصة باللغة العربية. يقول ترماخي في مقدمة رسالته هذه: ” اعلم أيها المفرد المذكّر المخاطب أنّه يجب على الأكراد أيضا أن يتعلموا و يتقنوا علم الصرف باللغة الكرمانجية لأنه أساس كل العلوم, و هو كالميزان للعلوم الأخرى…” 7 و في خاتمة رسالته يقول: ” اعلم يا طالب علم الصرف أنّ هذا العلم فن صعب فيه الكثير من الصيغ و الإعلال و الإبدال و الضمائر, لذا فهو يحتاج منك إلى الدقة و العمل الجاد و السعي الدؤوب.. هذه بعض القواعد الجزئية التي نظّمتها قدر استطاعتي, لكنّها جزئية و لكن لا يمكن الحصول على الكلّ من الجزء, لذلك عليك بقراءة الكتب الصرفية..” 8
صحيح أن موضوع هذه الرسالة هو الصرف العربي إلاّ أنّها لم تخلُ من بعض الأمثلة الكردية الصرفة التي أوردها ترماخي بقصد المقارنة, و قد جمع الكاتب الكردي رشيد فندي هذه الأمثلة و علّق عليها في كتابه ” على الترماخي أول لغوي و ناثر كردي” و اقترح أن تكون الأمثلة المذكورة نواةً لقواعد اللغة الكردية 9.
إنّ الأهمية الكبيرة لمؤلّف ترماخي هذا لا تأتي من موضوعه بقدر ما تأتي من كونه نثراً كردياً إذ يمكننا أن نعتبر علي ترماخي بحق رائداً للنثر الكردي رغم أن المصادر تشير إلى وجود كتاب لابن وحشية وضعه في استنباط المياه حوالي سنة 1000 ميلادية .
نظراً لأهمية الكتاب و مؤلّفه, نقدّم فيما يلي ترجمتنا لوثيقة يزيد عمرها عن مائة و خمسين عاما تتناول سيرة صاحب هذا الكتاب مرفقة بأصلها الكردي , و نقصد بهذه الوثيقة المقدمة التي كتبها الملا محمود البايزيدي و نشرها ألكسندر جابا في كتابه المذكور أعلاه 10, و هذا هو نصها :
” مقدّمة في علم الصرف و بعض الأصول اللازمة للتعليم باللغة الكرمانجية
يتمّ فيها بيان سيرة مؤلّف رسالة الصرف بين الأكراد
بسم الله الرحمن الرحيم
ليكن معلوماً لديك أن الطلبة و المعلمين الأكراد كانوا حتى سنة 1000 هجرية يأخذون علم الصرف من الكتب المؤلّفة بالعربية مثل كتاب سعد الدين تفتازاني و المعروف بـ ” سعديني” وكتاب الجاربردي و كتاب سعد الله كوره. و قد كان استخراج قواعد الصرف من مثل هذه الكتب صعبا للغاية. لكن بعد سنة 1000 هجرية, ظهر في قرية ترماخ الواقعة في قضاء مكس التابع لولاية حكاري رجل اسمه علي, عُرف بالذكاء الحاد و الفطنة و الموهبة. و قد اجتهد في طلب العلم فدرس البيان و ألوان البديع, و قد ظلّ مدة طويلة يتنقّل بين بغداد و الموصل و بهدينان و صوران طلبا لتحصيل الأدب و العلوم المختلفة, فبرع في علم الصرف و فنونه و أصبح مشهورا جدا في عصره, و لا يزال اسمه يتردد على ألسنة أهالي كردستان حتى الآن. بنى هذا الرجل على حسابه الخاص مسجداً و مدرسة في قريته ودرّس فيها مدة من الزمن. و عندما أدرك أن علم الصرف صعب و عصيّ على فهم الطلبة المبتدئين و أنّهم لن يستطيعوا استخراج قواعده و إعلاله [ و إبداله] بسهولة من الكتب العربية, ألّف رسالة في الصرف باللغة الكردية سعيا منه لتسهيل الأمر على المبتدئين, و قد لاقت رسالته قبولا و اهتماما كبيراً لدى الطلبة الكرد. و بالطبع أصبح الطلبة الذين يرغبون في دراسة الصرف و النحو و علم الكلام و المنطق و باقي العلوم, لا يستغنون عن هذه الرسالة, إذ يبدؤون بدراستها و حفظها قبل البدء بدراسة العلوم الأخرى, ذلك أن علم الصرف هذا بمثابة الميزان. ولا شك أن كل شيء يحتاج إلى الميزان لكي تتّضح صحته من خطئه.
كان فيما مضى مدارس كثيرة منتشرة في أرجاء كردستان, و قد كان للعلوم نصيب كبير من الشهرة في هذه المدارس. و كان في كل مدينة أو قضاء أو قصبة أو قرية يسكنها المسلمون في كردستان مدرسة أو اثنتان أو أكثر. و قد كان الولاة و الأهالي يولون اهتماماً بالغاً لشؤون المدارس و العلماء. كان للعلم شأن رفيع بين الأكراد كباراً و صغاراً. و كان في الجزيرة و العمادية و صوران و سعرد و ما حولها كثير من المدرسين(الملالي) الأكفياء. و كان الطلبة الأكراد يذهبون إلى بغداد و البصرة و الموصل طلباً لتحصيل العلم. كان الطلبة المبتدئون يتعلمون أولاً التهجئة [مبادئ القراءة] و قراءة القرآن ثم ” المولد الكردي” ثم ” نوبهار” ثم ” بند” العطار و بعد ذلك يدرسون من الشريعة ” الإيجاز” و ” المحرر” و ” الأنوار” و من ثمّ يدرسون ” الصرف” و ” الظروف ” و ” التركيب” للملا يونس حلقه طيني [هلكه تيني] و هذه الرسائل الثلاثة باللغة الكردية, و بعدها يدرسون ” صرف” سعديني و سعد الله كوجك, ومن المنطق يدرسون ” حسامكاتي” و ” قول أحمد” و ” شرح الشمسية”. و الخلاصة أنهم يدرسون بالترتيب اثني عشرة علما و بعدها يحصلون على الإجازة [ إجازة التدريس و حضور حلقات العلماء].
قبر كل من العالمين علي حريري و يونس حلقه طيني موجود في قريتيهما.
أماّ الآن فقد تناقص عدد المدارس و العلماء بشكل كبير, و أصبح و جودهم نادرا. لا شك أن تناقص العلم و العلماء من علامة من علامات الآخرة و الله أعلم. ”
م. البايازيدي م. البايازيدي2 م. البايازيدي3

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – La Littérature populaire et classique kurde, le Prince Sureya BEDER-KHAN, Paris, 1936, p..
2 – القضية الكردية, د بله ج شيركو, ص 33, الطبعة الأولى, بيروت 1986.
3 – نقلا عن كتاب ” على ترماخي أول لغوي و نائر كرد” للكاتب الكردي رشيد فندي, انظر
Reşîd Findî, Elî Termaxî, rûp., 5- 7, 68, Bexda, 1985.
4- انظر مم و زين, ترجمة جان دوست, الأبيات من 250 إلى 252 , ص 87 , الطبعة الأولى, بيروت لبنان, 1995.
5 – Recueil de Notices et Récits Kurdes, Alexandre Jaba, St. Pétresbourg, 1860, p. 8-11.
هذا الكتاب يجمع بين دفتيه ” رسائل و حكايات ” الملا محمود البايزيدي بالكردية مع ترجمتها الفرنسية .
انظر كذلك القسم الكردي من الكتاب نفسه, ص 13-16 .
6-Bulletin d’Etudes Kurdes, al Machriq, p. 527, Beyrouth, juin 1964.
7- Reşîd Findî, heman jêder, rup. 53.
8-Heman jêder, rûp. 54.
9- Heman, rûp 49-52.
10 – انظر الكسندر جابا, المصدر المذكور, ص 17-19 من القسم الكردي.