مما لا شك فيه أنني عندما أكتب رواياتي أفكر في القارئ, لديَّ رغبة ملحّة في أن يشاركني في أعمالي وأن يتفاعل معها.

هذه الرغبة تبقى ملازمة لي حتى بعد انتهائي من إعداد اللغة والأسلوب وطريقة السرد وترتيب الحوادث في رواياتي .

وأنا على يقين بأن هذه الرغبة هي التي جعلت الأسلوب وطريقة السرد في روايتي ” في ظل العشق ” تعتمد على الإيجاز في العبارة والبلاغة في الوصف الشعري, أما في روايتي ” يوم من أيام عفدالي زينكى ” فهي أقرب إلى الأسلوب الكلاسيكي للمغنيين .

غايتي من ذلك مشاركة القراء وتشويقهم للقراءة بالكردية  وبناء روابط وثيقة وحميمة معهم .

لنعد إلى علاقة التاريخ برواياتي, ففي رواياتي ( الأحداث الواقعية ) أي الأحداث الحقيقية  التي جرت فعلاً قليلة وهي لا تشكل عائقاً أمام حركة السرد فيها .

وبعبارة أخرى أقول بأنني أوظف الأحداث التاريخية وأنثرها هنا وهناك على صفحات الرواية دون أن أجعل منها بطلاً. بعض الكتّاب يجعلون من الأحداث أبطالاً في رواياتهم ويركّزون على الأحداث, و لكنني لا أجد نفسي قريباً من هذا النوع من الروائيين . بالنسبة لي الإنسان وأحواله وأوضاعه هو الأساس وهو نقطة الارتكاز أما الأشياء الأخرى فهي أدوات لبناء العمل الروائي.

ما قيمة التاريخ من دون إنسان وما قيمة الحدث من دون الحيوية والجهد والعرق والدموع , الإنسان هو الأساسي .

عندما يرغب المرء في أن يبعث الحياة في أجواء الماضي بأسلوب أدبي عليه أن يعود إلى تلك الأجواء لأنها لا تأتي إليه بنفسها, على المرء أن يتحول إلى شخصين: شخص يعيش اليوم ويرغب في أن يعيد الحياة للأمس, و شخص يغوص في أعماق الزمن ويذهب إلى عالم الموتى ليرقص معهم ويصبح صديقاً لهم, يرافقهم إلى المدن و الأمكنة و القرى المهجورة, و يشم و يشعر و يتذوق معهم .

من المؤكّد أنَّ المرء لن يستطيع أن يعيد الحياة لتلك الأحداث و الأيام الخوالي ثانية اليوم إذا لم يسافر بخياله إليها و لم يثابر في السعي إلى اللحاق بها.

إنَّ الروائي يفكر ملياً بوسائل الإيصال, و في هذا المنحى لا بدَّ له أن يقرأ و يحلل الكثير من الكتب و الآثار الأدبية حتى وإن لم يستفد منها بشكل مباشر في عمله, فإن ذلك يبقى ضرورياً .

بهذا الصدد تقول الكاتبة الفرنسية ” مارغريت يورسنار ” التي ألّفت رواية جميلة و رائعة عن ملك روما         ” مذكرات هادريانوس”  في مقال لها حول هذه الرواية: ” أعرف مجريات أحداث حياة هادريانوس أكثر مما أعرفه عن مجريات أحداث حياة والدي “.

الروائي يقرأ آلاف الصفحات, يفكر آلاف المرات, و يكتب, و يرى, و يقول, و يسمع حتى يستطيع أن يكتب رواية مؤلفة من مئة  أو مئة وخمسين صفحة  .

هذه هي القاعدة إذن ولكن لماذا هي هكذا؟ لأنه علينا أن نكتب الماضي ” الأمس ” حسب ظروفه, بطعمه و لونه و أحواله المعيشية و إلاّ فلن نفلح في عملنا الأدبي .

في بعض الأفلام التاريخية التركية نجد في ساحة المعركة جيشين يتقاتلان  بالسيوف و الرماح و السهام والأقواس, و في تلك الأثناء تظهر طائرة أو حوّامة تحلّق من فوق رؤوس هؤلاء الناس !

وعندما تجتمع الرماح والسيوف والطائرة لا يستطيع المرء أن يتحدث عن النجاح في هذا العمل الفني .

إنَّ علاقة الخيال بالأحداث التاريخية مسألة حساسة جداً في الفن الروائي, فالروائي لا يستطيع أن يغيّر تاريخ الأحداث, فإذا كان الأمير جلادت قد ولد في سنة 1893 فإنّه لا يستطيع أن يغيّر هذا التاريخ إلى 1923 أو 1933 أو 1943 أو 1953, و لكن هذا التاريخ بمفرده أيضاً لا يستطيع أن يقدّم شيئاً للفن الروائي .

يلعب الخيال دوراً في غاية الأهمية في نسج الثوب الأدبي للحقائق و ( الأحداث الواقعية ) و قلبها إلى حقائق أدبية التي هي حقيقية وغير حقيقية في الوقت نفسه .

________________________________________________________________________

جريدة آفستا ” Avesta” العدد /11/حزيران 2001

www.avestakurd.net

الترجمة عن الكردية: أحمد قطو