تلقيت رسالة من بصراوي آغا*
كان بصراوي آغا رئيساً لعشيرة الـ “كيتكان” الكردية، التي كانت تعيش قرب “آروج”. كتب لي طالباً مساعدتي عند الفرنسيين الذين كانوا يسجنون عشرة من الأكراد. أرادني بصراوي آغا أن أتدخل من أجلهم عند الضابط الفرنسي المسؤول و أسعى لإطلاق سراحهم من الحجز. كنت أعرف بصراوي آغا بالاسم فقط. لم أكن قد قابلته و لم أكن أعرف الضابط الفرنسي المشار إليه. علمت لاحقا أن بصراوي آغا كان جاراً لقرية كبيرة لوالد زوجتي تدعى: “شيخ جوبان”. كان سكانها من عشيرته. لقد تم إخراجهم من القرية لأنهم تصارعوا و اقتتلوا فيما بينهم. كان بعضهم في السجن الآن، أما البعض الآخر فقد فر بعيداً. أصبحت القرية أطلالا تقريباً. و كانت ثمة عائلتان أو ثلاث عائلات كردية مهاجرة إلى هناك آتية من منطقة “وان”. لقد كتب لي كي أذهب و أطالب بالقرية و وعد أن يساعدني و يحميني. لم أتوقع الشيء الكثير بخصوص إطلاق سراح السجناء، لكنني ذهبت في اليوم التالي لمقابلة الضابط الفرنسي و قدمت المعروض إليه من خلال مترجم. كان لطيفاً و وعد أن يولي القضية اهتمامه. و بالفعل تم إطلاق سراح المعتقلين العشرة في اليوم التالي. و قد قدموا بشكل مفاجئ إلى منزلي و راحوا يقبلون يدي و قدمي كي يعبروا عن مدى امتنانهم لي باعتباري منقذهم. سمعت لاحقاً أن بصراوي آغا كان أيضا قد أرسل إلى الضابط الفرنسي فرساً جميلة كهدية. بعد ذلك، كلما ذهبت إلى قرية شيخ جوبان أو إلى “عرب بينار” للعمل، كان المعتقلون السابقون مع زعيمهم، “أبو حنوش” يسلمون علي و يقبلون يدي. و كانوا يخبرون الحاضرين بأنني كنت مخلصهم. (ص 113)……
رجوع المهربين (قاجاغجي) إلى أورفا لجلب الخيل لنا
لأن الطريق إلى الحدود السورية طويلة، قرر المهربون العودة إلى أورفا للحصول على بعض الأحصنة. أرسلت رسالة معهم إلى زوجتي أطمئنها فيها عن نفسي. غادر المهربون قبل الفجر، جلسنا على الأرض الرطبة في الكهف منتظرين رجوعهم. بعد أن جن الليل بوقت طويل لم يكونوا قد رجعوا بعد. بدأ القلق يساورنا. ترى هل اعتقلوا؟ هل ضربوا؟ هل خانونا و وشوا بمكاننا؟! فجأة؟ سمعنا وقع خطوات و صهيل أحصنة، فدب الرعب فينا. لكن الحمد لله فقد كانوا أصحابنا. لقد بعثت زوجتي ورقة تقول فيها أنها كانت مرتعبة جداً ليلة البارحة. إذ سمعوا أصوات أعيرة نارية من الحراس، بعد رحيلنا بقليل، و خافوا من أن نكون قد اعتقلنا أو قتلنا. لقد سرَّت بتلقي رسالتي و أعطت المهربين ليرة ذهبية امتنانا منها. امتطينا الخيل على الفور، كل اثنين على حصان، و سرنا لمدة 5-6 ساعات. توقف أدلاؤنا فجأة. أصابتهم الحيرة و أدركوا أنهم قد سلكوا الطريق الخطأ. كان الوقت فجراً تقريبا و كنا قريبين من “كَرى كَاور”، و هي قرية على مسافة لا بأس بها من الحدود السورية. أخبرنا “هاكَوب ديفيدجيان” أنه يعرف القرية و على معرفة بعائلة كردية-أرمنية كانت تعيش هنا. كانت هذه العائلة قد تحولت إلى الإسلام. ذهب و طلب منهم المأوى. و لحسن الحظ، وافقوا بكل سرور على مساعدتنا. ترجلنا و تركنا الخيل مع أصحابنا الذين وعدوا أن يلتقوا بنا في الليل في مكان معين. سرنا على الأقدام و وصلنا إلى كوخ مخروطي الشكل (قُب – المترجم). بعد أن مررنا خلاله دخلنا كوخا آخر. رحب بنا صاحب البيت بحرارة. كان اسمه “كَيراكَوس” في السابق، لكنه قد غيره إلى “كاراكوز”. كانت إحدى الأكواخ على جانب الطريق و قد حوله إلى دكان يبيع فيه السجائر و السكاكر. جلب لنا طعاماً و بما أنه أدرك أننا متعبون جدا، فقد تركنا ننام. نمنا حتى الظهيرة و قدموا لنا الطعام ثانية. و بعد حلول الظلام بقليل، تلقينا خبرا بأن أصدقاءنا كانوا ينتظروننا على أطراف القرية. فقام “كاراكوز” و قادنا إليهم. افترقنا و مشينا بحذر إلى مكاننا الموعود، كنا حذرين كي لا نلفت الانتباه. شكرنا كاراكوز و انطلقنا. بعد ساعة تقريبا من سير الخيل، وصلنا أخيرا إلى الحدود السورية. كانت سورية تحت الانتداب الفرنسي في ذلك الوقت و كانت مفصولة عن المنطقة التركية بخط سكة الحديد. ترجلنا عن الخيل و تركناها مع أصحابنا. دفع لهم كل واحد منا من 5-10 ليرات ذهبية. بالإضافة إلى ذلك, أعطيت أحدهم و يدعى “أيوب” المسدس الذي و عدته به. بعد الوداع، مشينا ببطء من فوق سكة الحديد و دخلنا الأراضي السورية.
في سنوات لاحقة، عندما بدأت بالزراعة في قريتنا “شيخ جوبان” قرب “عرب بينار”، قابلت ابن “كاراكوز” و كان اسمه “أوسى كاراكوز”. كان قد أصبح أرمنياً حقيقياً، إذ رجع إلى اعتناق المسيحية و غير اسمه إلى “هوفسيب كاراكَوزيان”. كان تاجراً ناجحاً و وطنياً إلى أبعد الحدود و قد ساعد الكنيسة و المدرسة بكل سخاء. كان لديه ولدان يافعان قد افتتحا محلاً تجارياً كبيراً في منطقة “نوركيوكَـ” (الميدان) في حلب. كان الطبيب “زاكار كيليجيان”،الذي فر إلى سورية معنا، يمارس مهنته في “عرب بينار”. و كان دائما يقوم بمعالجة “هوفسيب كاراكَوزيان” و كل عائلته بدون مقابل. كان هذا بسبب مساعدة “هوفسيب” و والده لنا في وقت الحاجة. سأكتب أكثر بكثير عن “شيخ جوبان” في الصفحات التالية. (ص 141) ……..

فراري الأخير من أورفا و وصولي إلى حلب في 5 شباط 1923

الآن و قد أصبحنا في سورية، كان علينا الوصول إلى عرب بينار لكي نستقل القطار الذاهب إلى “جرابلس”. قادنا “هاكَوب ديفيدجيان” في ليلة حالكة و لم يكن واثقاً من الطريق. تجولنا جيئة و ذهاباً لمدة ساعتين. اتجهنا هنا و هناك متعثرين في الظلام حتى أصابنا الإجهاد. أخيرا، وصلنا إلى مكان سمعنا منه صوت تدفق الماء من طاحونة. اقتربنا أكثر و طرقنا الباب. لم يساورنا القلق لأن الطحّانين كانوا من الأرمن في الغالب. سأل شخص ما من الداخل بالكردية:”من هناك؟” أجبنا أننا أرمن و طلبنا منه أن يفتح الباب. عندما فتح الباب، عرفته، كان شابا من أورفا. كنا بعيدين مسافة نصف ساعة مشي عن عرب بينار، لكننا كنا مرهقين جدا. دعانا الشاب لنمكث عنده و نصحنا بالذهاب إلى عرب بينار في اليوم التالي. ثم قام و ذبح دجاجة و جهز وجبة لنا. أكلنا ثم نمنا حتى الصباح. في الصباح حضر لنا الشاي. شكرناه و انطلقنا ثانية. سرنا إلى عرب بينار حيث شاهدنا اثنين او ثلاثة من أصحاب المحلات الأرمن و طاحونة أخرى. بعد انتظار قصير، وصل القطار. ركبنا القطار و بعد حوالي نصف ساعة، عبرنا الجسر فوق نهر الفرات و وصلنا إلى بلدة جرابلس النشطة الكبيرة. كان هناك عدد من العوائل الأرمنية من “بيراجك” و قليل من “كَرموش”. علمنا حينها ان “كريكور كاراكاشيان” قد نجح بالوصول إلى حلب. كان نهر “الساجور” يجري بغزارة إلى درجة استحالة عبوره بمركبة عادية. بالإضافة إلى ذلك، لم تتوفر أية سيارة أو سائق هناك. قمت بإرسال برقية إلى أخي طالباً منه المجيء مع سيارتين لتعود بنا إلى حلب. قدم لنا أبناء جلدتنا المضيافون المأوى في منازلهم. وصل “هاروتيون” بعد يومين مع سيارتين كما طلبت. عبرت السيارتان النهر بصعوبة بالغة. و قد ساعدنا بعض القرويين حيث ربطوا السيارتين بحبال ثخينة و دخلوا النهر ثم قاموا بدفع و سحب السيارتين. أعطاهم أخي بعض النقود مقابل مساعدتهم، و أعطيناهم نقوداً نحن أيضا. ركبنا السيارتين و عبرنا النهر و بحلول المساء وصلنا إلى “منبج” حيث تناولنا طعام الغداء و أمضينا الليلة في منزل صديقنا “سركيس طاشجيان” الذي كان أيضا من أورفا. انطلقنا في الصباح و وصلنا حلبَ بعد الظهر. في الأيام التالية لوصولنا، تلقينا زيارات من العديد من الأصدقاء و المعارف. أتوا ليرحبوا بنا و يستعلموا عن أحبائهم في أورفا و عن الوضع العام هناك. كان ذلك في الخامس من شهر شباط سنة 1923 و هذا كان آخر فرار لي من أورفا. و لم أر أورفا بعدها مرة أخرى. مع ذلك كنت لا أزال قلقاً اشد القلق لأن زوجتي و ابنتي، “روز”، التي كانت في عامها الأول ما تزالان هناك. من يدري ما الذي سيحصل للأرمن الذين بقوا هناك؟ كانت الحكومة التركية تنهبهم و تعذبهم من حين إلى آخر. لقد استخدموا أساليب متنوعة لاضطهادهم. فكانوا غالباً ما يلفقون اتهامات باطلة ضدهم و كانت هناك العديد من المحاولات لقتلهم … . (ص143)
…………… يتبع

 

* كان بدروس قد فر في المرة الأولى بعد مجازر 1915  و التقى ببصراوي آغا، و لكنه عاد ثانية إلى أورفا بعد هدوء دام سنين حتى عام   1923 حيث حصل الفرار الأخير.