يستهل  المؤلف حلمي يلدرم كتيبه ” الحضارة التركية في كردستان في القرن العشرين ” بهذه العبارة ” كتابنا صغير بحجمه لكنه قيم بمعانيه وموضوعاته” والكتيب  عبارة عن رسالة ، مدونة بالتركية العثمانية، يوجهها المؤلف إلى رئيس وزراء الجمهورية التركية عصمت إينونو ( 1884م – 1973م) ، الذي قام بجولة تفقدية في مناطق  كردستان، بتكليف من رئيس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك ( 1881م – 1938م )، و أعد خلالها تقريراً سرياً عن الكرد والسياسات التي ينبغي إتباعها إزاءهم. وقد صدر في الآونة الأخيرة، في تركيا، كتاب “التقرير الكردي لعصمت باشا” للكاتب والصحفي التركي “سايغي اوزتورك” يتناول المؤلف فيه تفاصيل التقرير وانعكاساته على الكرد، ولمعرفة المزيد حول هذا الموضوع يمكن قراءة مقالة الكاتب مصطفى إسماعيل على موقع كلكامش. يستعرض السيد حلمي يلدرم في رسالته، على غرار الرسالة التي أرسلها الأمير جلادت بدرخان ( 1893م – 1951م )إلى مصطفى أتاتورك، الانتفاضات والثورات التي فجرها الكرد، بعد الحرب العالمية الأولى، لنيل حقوقهم المشروعة والمآسي والمعاناة التي حلت بالشعب الكردي جراء ذلك. إن خيانة الجمهورية التركية وغدرها بالكرد و آمالهم وارتكابها المجازر بحق الكرد باسم المدنية، بعد أن حاربوا معاً المحتل الأجنبي في حرب التحرير، دفعت المؤلف إلى عدم التمييز بين الحكومة التركية و الشعب التركي الذي عانى بدوره من الطغم العسكرية في تركيا. يتناول المؤلف، فترة زمنية تمتد من نهاية الحرب العالمية الأولى حتى عام 1936م، يروي خلالها بعض الأحداث والوقائع التي انفرد بذكرها وقد لا نجدها في المصادر الأخرى التي أرّخت لهذه الحقبة من تاريخ الكرد، وعلى سبيل المثال، يسمي المؤلف “جمعية الدفاع عن حقوق الأناضول” باسم “جمعية الدفاع عن الحقوق القومية الكردستانية” بالإضافة إلى أمثلة أخرى نتركها لنباهة القارئ ليستخلصها من قراءته لرسالة المؤلف.

لا نملك معلومات وافية عن المؤلف حلمي يلدرم ولا عن دوره النضالي في صفوف الحركة الكردية في بدايات القرن العشرين ولا يرد ذكر لاسمه في الكتابات السياسية و الأدبية الكردية (التي اطلعنا عليها)، لكن الباحث “خالد عيسى” نشر مقالاً موثقاً في موقع “روجآفا” يتضح فيه احتجاج السلطات التركية لدى السلطات الفرنسية على كتابات المهندس حلمي يلدرم “المعروف كقومي كردي ناشط، الذي يعمل بين الوقت و الآخر على نشر كراسات دعائية واستفزازية ضد تركيا” ، كما تطلب السلطات التركية من السلطات الفرنسية العمل على جمع نسخ  منشورات حلمي يلدرم. وبسبب أهمية الوثيقة التي نشرها الباحث خالد عيسى، قامت إدارة موقع مدارات كرد بنشرها في صفحة الموقع على الفيسبوك “مدارات كرد”. و هنا نقوم بنشر النص الكامل لكراس (الحضارة التركية في كردستان في القرن العشرين).

هيئة تحرير الموقع.

862614_441423215937291_1403130908_n

الحضارة التركية في كردستان في القرن العشرين

(إستغاثة وطن الأكراد) 1-2

 تأليف : المهندس الميكانيكي-الكهربائي شعبان زاده موشلي حلمي يلدرم

الترجمة عن التركية العثمانية: سالار آشتي

كتابنا صغير بحجمه لكنه قيم بمعانيه و موضوعاته

1- رسالة مفتوحة إلى رئيس وزراء تركية السيد عصمت إينونو.

2- حملة تهجير الأكراد

3- بقر بطون النساء الحوامل بالحراب

4-اغتصاب البنات وقطع الآذان

5- توعية الشبيبة الكردية ودعوتهم إلى الاتحاد و اليقظة

6- جمعية الدفاع عن الحقوق القومية لكردستان المستقلة862297_441423072603972_731857499_n

7- لجوء رئيس جمهورية تركيا مصطفى كمال باشا إلى كردستان

8- تقسيم تركيا بموجب معاهدة سيفر

9- تحرير الأناضول بفضل جمعية الدفاع عن الحقوق القومية لكردستان المستقلة

10- محاربة القوات الشركسية للجيش اليوناني قبل مجيء القوات الكردية

11- إجبار قسم من أهالي الأناضول بترك ديارهم وقتل من بقي منهم

12- القرار الصادر عن جمعية تركيا الفتاة بالقضاء على الشعوب غير التركية

13- القانون المتعلق بالقضاء على الأرمن

14-القانون المتعلق بتهجير المواطنين العرب والقضاء عليهم

15- القانون المتعلق بتهجير الأكراد

16- القانون المتعلق بالقضاء على الأكراد في العهد الجمهوري

17- السيدان يوسف بك و خالد بك

18- إنتفاضة الشيخ سعيد

19- القانون المتعلق بعلمانية الدولة التركية الحديثة

20- مجزرة الأكراد

21- ثورة البطل الكردي إحسان نوري باشا في آگري

22- الانتفاضة الكردستانية عام 1936م

                         زيارة السيد عصمت باشا رئيس وزراء تركيا إلى كردستان

على ضوء الرسالة التي بعثتها بتاريخ 14 – 6 -1935م  إلى رئيس وزراء تركيا السيد عصمت باشا بخصوص حقوق كردستان ، خرج المذكور بزيارة تفقدية إلى الولايات الكردستانية و توجيه النصح و الإرشادات الخادعة للأهالي . لكن أيها الباشا لا تتعب نفسك ، سبق أن  سمع الشعب الكردي نصائح مماثلة من نظرائك لسنين عديدة ، سوف لن ينخدع الكرد من الآن فصاعدا ولن يستمع إلى أمثالك . لقد أسديتم النصح الكثير أثناء التهجير القسري للأكراد في عام 1928م ، وأغريتم قسما من أكراد حيدران و حسنان بالنزوح من ديارهم والسكن في الأناضول بضمان تأمين السكن والأراضي الزراعية والثيران بالإضافة إلى تقديم الأموال اللازمة لمعيشتهم  لمدة ثلاث سنوات .

 مرت قافلة المذكورين في مسقط رأسي،مدينة موش، و قد طلبتم من أهالي موش باسم الأخوة القومية سيارات لنقل النساء و الأطفال المرضى و وعدتم بإرجاع السيارات إلى أصحابها عن طريق السلطات المحلية في مدينة ملاطية فور وصول القافلة إلى أمكنة إقامتهم، و على ضوء هذا الوعد تم تأمين ثلاث سيارات بما فيها سيارتي بقيادة سائقي “مامو اللولاني” تحركتم من موش بمرافقة طابور من المشاة و مفرزة خيالة جبلية … “في ذلك الوقت كان المتمردون يسيطرون على منافذ و ممرات جبال (أردوشينَك). و بحجة ألا يفر رجال القافلة و ينضموا إلى هؤلاء المتمردين قيدوا أيادي جميع الرجال و اقتادوهم إلى واد عميق بعيدا عن الحيوانات و الأشياء المحمولة و على مشارف المساء طوِّقت قافلة الرجال بأسلحة آلية ثقيلة و سمع الضباط يتحدثون فيما بينهم سيختبرون هذه الأسلحة الثقيلة من خلال الرمي الحي على أفراد القافلة، و بعد عدة دقائق بدؤوا بإطلاق النار بكثافة و من مسافات قريبة فوقعت غائبا عن الوعي و عندما استعدت الوعي وجدت نفسي بين القتلى و تحتهم. بذلت جهودا كبيرة لأنقذ نفسي من تحت هؤلاء القتلى.تكومت أجساد جميع أفراد القافلة من الرجال و النساء و الأطفال فوق بعضها البعض مثل الأغنام المذبوحة في المسالخ وسط بركٍ من الدماء المراقة. تفحصت جسدي فلاحظت جرحاً عميقا في ساعدي الأيمن. نهضت من بين القتلى بصعوبة و اتجهت نحو الغابة التي كانت تغطي ذروة الجبل.”  هذه هي الشهادة الحية لسائقي “مامو اللولاني” من قرية “سرجوق” الذي أصيب في ساعده الأيمن و ما زال حياً يرزق. حيث يقرع باب منزلنا في منتصف احد الليالي فيسرع الخادم لفتحه لكنه يقع مغشيا عليه أمام الباب عندما يجد “مامو” بهذا الوضع، يصرخ مامو قائلاً:  “إنني السائق مامو، لا تخف مني. لقد أصبت في الحادث و سأروي لكم تفاصيلها فيما بعد” تقوم زوجتي و تسمح لمامو بالدخول إلى المنزل ثم تخلع ملابسه الملطخة بالدماء و تكسر قيود يديه (كلبشة) لنخفيه في مكان آمن إلى أن نعرضه أمام أعين العالم في الوقت المناسب ليأخذوا فكرة حية عن حضارة الأتراك.

أيها المسلمون! الذين تفتخرون و تعتزون بإسلامية الأتراك هذه هي صورة حية عن الأتراك المسلمين و عن ضميرهم و عن رأفتهم. و الله ثم و الله إنني لا اكذب ول لا أبالغ في كلامي، على الخلاف من ذلك لم أستطع رواية كل ما قيل و ما حدث لقد بقروا بطون النساء الحوامل و اخرجوا الأجنة برؤوس الحراب بدم بارد. كما قاموا باغتصاب الفتيات و قطعوا أياديهن و آذانهن التي تحمل الخواتم و الأقراط الذهبية- هل للحضارة صلة بهذه الوحشية؟ أيها المسلمون! خذوا العبرة من وحشية و ضمير و ظلم الأتراك لتفكروا ملياً فبإسلامهم و حضارتهم. يا شباب الكرد! انهضوا و تيقظوا! انهضوا من هذه الغفلة و النوم العميق! شرف و كرامة الكردي في أي بقعة من العالم شيمتان مشتركتان بين جميع الأكراد دون استثناء. يا شباب الكرد ابذلوا جهودكم  و ناضلوا من اجل إنقاذ هذا الشرف و هذه الكرامة بحمل سيف الحرية لتسلطوا على أعناق المتسلطين على شرفكم و كرامتكم.

أيها الباشا الغادر اخش الله  و احتكم إلى ضميرك لكي لا تهرق دماءً أخرى للأكراد و تهتك أعراضهم. كن على ثقة أنه إذا بقيت فتاة كردية واحدة على قيد الحياة فستناضل دون شك من اجل تحقيق استقلال كردستان. لن يركض الأكراد من الآن فصاعداً خلف الأوهام و الوعود الكاذبة بل سيتشبثون بالحقيقة و الواقعية. أدعوك أيها الشعب الكردي البطل إلى الانتقام و إلى الثأر من هؤلاء الوحوش دعاة الحضارة و التقدم. جواباً على رسالتي التي أرسلتها لك بتاريخ 26/10/1935 نشرتم تكذيباً في صحيفة (كورأوغلو) الصادرة بتاريخ 30/11/1935 تزعمون فيها بأن الحكومة التركية لا تفرق بين الولايات الكردستانية و الولايات الأناضولية و أن الحكومة التركية باشرت منذ مدة لتمديد السكك الحديدية في كردستان و فتح المدارس في شتى أرجائها للقضاء على الجهل و الظلام و جلب النور و العلم إليها. هكذا تزعمون يا سيادة الباشا! أتحداك أن تثبت لنا و للرأي العام [ أن الحكومة التركية أنشأت أو افتتحت ثانوية واحدة في الولايات و المدن الكردية التي ذكرتها في رسالتي. إذا أثبتم ذلك فإنني سأعترف بالخطأ و اشهد لكم بالصواب أريد هنا أن أذكرك بقولك الذي نشرته في الصحف الصادرة بتاريخ 2/4/1929 و التي تزعم فيها بأن الأكراد لا علاقة لهم بالأتراك، لأنهم ينتسبون إلى إحدى القبائل الأرمنية الآرية و لا يشكلون أمة أو شعباً مستقلا. هل بإمكانكم إنكار هذا القول السخيف الذي نشرته الصحف آنذاك منسوبة إلى اسمكم و توقيعكم؟ طبعا لا يمكن الإنكار لأننا ما زلنا نحتفظ بنسخ من تلك الصحف الشاهدة على قولكم هذا. تنكرون على الشعب الكردي انتماءه إلى العرق الآري و تحاولون استغلال العامل الديني لخداع الأكراد و تركهم يصارعون الجهل و استبداد القوانين التركية الجائرة. أضف إلى ذلك سعيكم المستمر لزرع نار الفتنة و الفساد بين العشائر الكردية. أليست كل هذه الوقائع صحيحة يا سيادة الباشا!؟ سيدي الباشا, حسب المعلومات التي استقيتها من زيارتكم إلى كردستان و الخطابات التي ألقيتموها خلال هذه الزيارة كررتم عدة أقوال و مزاعم لا أصل و لا صحة لها. حيث زعمتم بأن القوى الأجنبية تحاول تفتيت و إضعاف تركيا من خلال زرع الفتن و الصراعات بين شعوب تركيا ليسهل عليها احتلال وطننا و استغلال ثرواتها و خيراتها الوفيرة. و في خطاب آخر زعمتم بأن المسيرات و المظاهرات التي جرت و تجري خارج الوطن باسم الأكراد و باسم القومية الكردية لا علاقة لها بالأكراد مطلقاً و إنما ينظمها الانكليز و الفرنسيون الطامعون في تقسيم وطننا و احتلاله. من ناحيتي، عندما التجأت إلى فرنسا قدمت نفسي إلى الحكومة الفرنسية كهارب تركي الأصل و لم أقدم نفسي كمواطن كردي و من رجالاتها المناضلين في سبيل تحرير كردستان، و ذلك لقطع الطريق أمام الذرائع و الحجج المزيفة التي تكررونها في كل زمان و مكان لتلطيخ سمعة القضية الكردستانية و إلصاقها بالقوى الأجنبية الطامعة في تقسيم و احتلال تركيا. إنكم تعلمون جيداً بأنني راجعتكم و راجعت حكومات أجنبية عدة باسم سائر الكردستانيين، مطالباً بتحقيق حقوقهم المشروعة و رفع الغبن و الظلم عنهم. لا ادري أي تهمة ستتهموننا بها؟ و أي اسم ستطلقونه علينا من الآن فصاعداً؟ تعرفونني جيداً و تعلمون علم اليقين إلى أية عائلة كردية عتيدة انتسب و انتمي و لا أجد هنا داعياً لأقدم لكم هويتم مرة أخرى. هناك معرفة شخصية بيننا لا تستطيع إنكارها. اذكر انك كنت تقول لطلاب الأكاديمية العسكرية التي درست فيها بأن “حلمي يلدرم” الكردي يملك عيوناً شمسية لا يمكن خداعها، يلاحظ كل صغيرة و كبيرة حوله و لا يفوته أي أمر، أذناه كالرياح تسمع كل شيء بسهولة، و يملك روحاً صافية كصفاء و نقاء الماء، يعرف و يدرك كل شيء و لا يمكن خداعه و إغراؤه. اجل يا باشا، إنني أنتمي إلى الشعب الكردي الذي خدعتموه كثيرا، و كنه لن ينخدع بأقوالكم الزائفة من الآن فصاعدا. ارغب هنا أن أخبركم بأمر مهم و هو أنكم ترغبون بلعب دور مهم بين الوطنيين الأكراد و سياسييهم النازحين إلى خارج الوطن. لكن آمالكم لن تتحقق، و لن تفلح في إغوائهم و خداعهم، لان دهاءكم و ذكاءكم لا شيء أمام ذكاء و دهاء السياسيين الكرد، لكنكم تملكون حظا و طالعا جيدا يهرعان إلى مساعدتك حين الضيق. لا شك انك تذكر بأن طفلا كرديا استطاع لمدة سنتين اللعب بعقل أفضل دبلوماسييك و خداعهم طوال هذه الفترة. و لكن مما يؤسف له أنه لم يحالفه الحظ كثيرا و إلا فإن جميع خططك و مؤامراتك كانت ستؤول إلى الإخفاق و الفشل الذريع. لا تفرح كثيرا من هذه الناحية، لان السياسة مثل الحروب فيها الانتصارات المؤقتة حينا و الهزائم المؤقتة حينا آخر. و الآن أرى من الواجب أن أحدثكم عن البطولات التي أظهرها الشعب الكردي البطل أثناء الحرب العالمية إلى النهاية السعيدة لها، و عن لجوء رئيس الجمهورية “مصطفى كمال باشا” إلى كردستان، و عن المظالم الشنيعة التي لحقت بالشعب الكردي الأسير. أيتها الشبيبة الكردية! لا تثقوا من الآن فصاعدا بوعود و أقوال الأتراك، ألا يكفيكم خداع و أكاذيب الأتراك طوال هذه المدة؟ أيها الأكراد! ادعوكم إلى الوحدة و الاتفاق لتثأروا من الأتراك الذين هتكوا أعراضكم و اغتصبوا وطنكم و قتلوا زهاء 1500,000  من الأكراد الأبرياء غدراً و ظلماً، فلا تنسوا أن تثأروا لهم و لأرواحهم و شرفهم و كرامتهم. سيدي الباشا، عندما كانت الدولة التركية تعاني الانقسام و التجزئة بموجب معاهدة “سيفر” كانت كردستان تنعم بشروق شمس جديدة تبث أشعتها إلى مختلف الاتجاهات ة الأطراف، بينما كانت تركيا محتلة من قبل قوى أجنبية عدة، و مقسمة إلى عدة أجزاء، حينها لجأتم إلى أبطال كردستان الذين لا يلين لهم عزم و لا إرادة و اشتكيتم لهم بأنه باحتلال تركيا و تقسيمها بين القوى الأجنبية المغتصِبة سيلحق الضرر بكردستان أيضاً. و وعدتم الأكراد بعد أن أقسمتم بشرفكم و عرضكم حكماً مستقلاً في كردستان و كبادرة أولية شكلتم حكومة كردية في مدينة “أرزروم” و أطلقتم عليها اسم “جمعية الدفاع عن الحقوق القومية الكردستانية”. قام الأكراد بتجهيز جيش كامل و وضعوا جل إمكانياتهم المادية لتسليحه و تموينه. بينما كان أمثالك من المسؤولين الأتراك الكبار يتجولون في الخفاء في أزقة و شوارع اسطنبول و الأناضول متجهين بعيونكم و أسماعكم إلى كردستان تتحسرون و تطلقون آهات من أعماقكم و تحسدون الأكراد على هذا العزم و هذه التضحية و لسان حالكم يقول:ما أسعد أن تكونوا أكراداً أيضاً مثلهم و نعيش بين هؤلاء الأبطال الأحرار لنتذوّق طعم السعادة و الحرية !

هل نسيتم تلك الأيّام و الظروف التي مرت بها تركيّا يا سيدي الباشا؟ إذا كنتم قد نسيتم تلك الأيام فعلاً,فإنني هنا أذكركم بها مجدداً أيها الباشا.

إنّ رفيقك و رئيس جمهوريّة تركيا “مصطفى كمال باشا” الذي اغتصب الحقوق القوميّة لكردستان و اعتدى على حريتها و على أعراض نسائها و أخرج أجنّة النساء الحوامل برؤوس الحراب,كان قبل سنين قليلة محطّ إعجاب و محبّة الأكراد الذين دعوه للمجيء إلى كردستان للحفاظ على حياته من غدر السلطان العثماني الموجود في اسطنبول.

خرج هذا الباشا من اسطنبول و سار مع ضوء أشعة الشمس المنبثقة من كردستان ليصلها سالماً , و كانت مدينة “أرزنجان” أوّل محطة له.

ولدى منتصف الليل تصل برقيّة باسم السلطان و حكومة اسطنبول إلى والي “أرزنجان” يطلب فيها اغتيال “مصطفى كمال باشا” بأيّة وسيلة كانت. بينما كان هذا الضيف الكبير ينزل في دار السيّد “خشخش أفندي” والذي يقع إلى الجهة المقبلة للإعداديّة العسكريّة الراهنة. أبلغ الوالي صاحب الدار و “مصطفى بلطجي زادة” بهذا الأمر فأجابا الوالي: “إنّ ضيفنا في ضيافة و حماية ولاية تابعة للحكومة الكردستانية المستقلة,وليست تابعة للحكومة العثمانية, و لن نلبي من الآن فصاعداً الأوامر الصادرة من اسطنبول. بإمكانك مراجعة جمعيّة الدفاع عن الحقوق القوميّة لكردستان لمناقشة هذه القضيّة”. مازلت أحتفظ بمضمون تلك البرقية التي توجد نسخة منها محفوظة في أرشيف الجمعية الكردستانية المذكورة.

وصل الخبر إلى رئيس جمهوريتك “مصطفى كمال باشا” فأصابه الهلع والخوف،لكنّ الكرديّ “مصطفى بلطجي زادة” خفّف من روعه و طمأنهُ بهذه الأقوال:”سيّدي الباشا,لا تخفّ على حياتك,لأنّ كلّ من يلتجئ إلينا في كردستان يجد المأوى و الحماية اللازمة,و لن يصيبه أي مكروه”. لا أدري هل يتذكر رئيس جمهوريتك نلك الأيّام العصيبة؟ سيّدي الباشا,إذا لم تصدق هذه الرواية بإمكانك مراجعة الكردي “مصطفى بلطجي زادة” للاستفسار عن هذا الموضوع, و الذي مازال حياً يرزق و يعمل كمتعهد لدى الفرقة العسكرية الثالثة.

يذهب “مصطفى كمال باشا” إلى “أرزروم” و يجتمع مع مثقفي و أعيان المدينة راجياً منهم قبوله كفرد كردي بينهم و يطلب منهم العون و المساعدة. فيرسلونه إلى مدينة “موش” لتعيّنه كسكرتير عام لجمعية الدفاع عن الحقوق القومية لكردستان. أدعو قرائي الأعزاء الذين يستغربون هذه الرواية إلى مراجعة الصفحة (186) من كتاب “ملخص التاريخ التركي”.

في هذه الأثناء كانت القوات الكرديّة البطلة تقفز من انتصار إلى آخر في سائر أنحاء كردستان و تلحق بالقوات الأجنبية المحتلة الهزائم تلو الهزائم,مما أسعدت جميع كائنات و مخلوقات كردستان, من جبال و أزهار و الطيور التي كانت تزقزق و تغرّد:”سلامً تلو السلام لك يا كردستان.سلام عليك يا موطن الأبطال الميامين”.

وُقّعت معاهدة “غومرو” مع الحكومة الروسية العظمى, و أعطي قرار قطعي بنقل “جمعية الدفاع عن الحقوق القومية لكردستان” من كردستان إلى الأناضول لتوحيدها.

سيّدي الباشا! إنّ قصدي من كل ما ذكرته و ما سأذكره من حوادث تاريخيّة,هو توعية و تنبيه الشبيبة الكردية.

على كل شاب كرديّ أن يكون على إدراك تامّ بالحيل و الخطط التي نفذتها أنت,و التي ستنفذها في المستقبل إن سمحت لك الظروف بذلك. على الشبيبة الكردية أن لا تنسى الانتقام و الثأر لـ (1.5) مليون كردي ذبحتهم كالنعاج بعد أن هتكت الأعراض و لطخت شرفهم و كرامتهم. أخاطب الجيل الجديد من الشبيبة الكردية الواعية و أدعوهم إلى أخذ الحيطة و الحذر من الخطط الجهنمية للأتراك, و أن يكونوا على يقظة تامّة ووعيّ كامل. أيتها الشبيبة:تكفينا كل هذه الأهوال و المصائب و المجازر التي نفذت بحق شعبك الكردي البريء و المظلوم. أنقذ شرف و أعراض أبناء شعبك من يد الأتراك المتوحشين, ألا تكفينا هذه الفترة الطويلة التي لبسنا فيها سلاسل و قيود الذل و الهوان و الاستعباد؟

لقد عمدت الحكومة التركية إلى تسريح و تشتيت جميع أفراد القوّات الكرديّة المظفرة التي قاومت بشجاعة نادرة جحافل القوات اليونانية الغازية للأناضول,و أجبرتها للتراجع إلى السواحل اليونانية. كما عمدت الحكومة التركية إلى نقل “جمعية الدفاع عن الحقوق القومية الكردستانية” عمداً إلى مدينة “سيواس” في الأناضول، و ضمّوها إلى الجمعيات الموجودة هناك لتطلق عليها اسماً جديداً وهو : “جمعية الدفاع عن حقوق كردستان و الأناضول” و فتحت له فرعاً لها في الأناضول.

قبل دخول القوّات الكردية في المعارك الحربية ضد الجيش اليوناني العرمرم،كان الشركسي “أدهم بيك” يقود قوات شركسية باسلة تحارب و تقاوم الجيش اليوناني ببطولة و بسالة نادرة. و في هذه الأثناء وُلي الشركسي ” راشد بيك ” كحاكم عام وبصفة مطلقة على الولايات الأناضولية بأمر من السلطان العثماني في اسطنبول. ويعني هذا أنه لم يكن لكم أي دور في المقاومة الوطنية ضد اليونانيين آنذاك. سيدي الباشا لقد استغلّيتم وضع المسؤولين الكبار الذين كانوا يعيشون حياة اللهو و المجون فحالفكم الحظ لاستلام قيادة البلاد. و من جهة أخرى أفادتكم الأدعية التي كانت ترفع في الجوامع و المساجد منذ الصباح و إلى المساء لنصرة القوات الوطنية.

من هذا المنطلق,قامت القوات الكردية بوساطة اللواء الحميدي الأول التابع للفرقة الثالثة بالهجوم على القوات اليونانية على سواحل “إزمير” و استطاعت دحرها و تحرير “إزمير” منها. و بالنتيجة قمتم بتمتين موقعكم الرياسي لتخاطبوا جماهير الأناضول السذّج بأنّ الفضل في تحرير إزمير يعود إلى دهائكم وإلى قيادتكم الحكيمة و الذكيّة للقوات الوطنية المقاومة. و من ناحية أخرى قمتم بإعدام بعض المثقفين و الرجالات الكبار الذين يحتلون مواقع و مناصب مهمة لدى الدولة, و ذلك لأسباب و حجج واهية و غير منطقية. كما تخلصتم من البعض الآخر بواسطة حقن و محاقن مسمومة أضف إلى ذلك أولئك الذين نهبتم أموالهم و أملاكهم و أجبرتهم على الفرار إلى خارج البلاد ليعيشوا حياة بائسة و يجوبوا أزقة و شوارع بلاد الغربة في حالة يرثى لها .

لندخل مرة أخرى إلى موضوعنا , سيدي الباشا.بعد أن استوليت أنت ورفيقك رئيس الجمهورية مصطفى كمال باشا على القيادة العسكرية و أركانها, قمتم بتنفيذ المادة الأولى من القانون المقدم من حكومة ” تركيا الفتاة ” أي حكومة ” أنور باشا ” و الموقع من قبل السلطان ” رشاد ” و الذي يدعو إلى الخلاص من الأقليّة الأرمنية بوساطة المذابح العامة و التهجير القسري, و بالتالي تمّ ذبح 2 مليون مواطن أرمني كالنعاج. كما قمتم بتنفيذ المادة الثانية من ذلك القانون الذي يعتبر المواطنين العرب في تركيا أجانب و غرباء يتطلب طردهم أو قتلهم و محوهم من الوجود. علماً أن العرب تميّزوا بالكرم و الفضيلة و التسامح و التحضّر قياساً إلى بربريّة الأتراك و تخلفهم, لذلك حسده الأتراك فقرروا تصفيتهم أو القضاء على أعداد كبيرة منهم ليبقوا أقلية صغيرة و ضعيفة داخل تركيا. لهذا تمنطق العرب النجباء البواسل السلاح و ثاروا ضد هذه الخطة و لسان حالهم يقول: إما الحياة و إما الموت. و فعلاً استطاعوا الصمود أمام هذه الخطة و أفلحوا في الحفاظ على وجودهم داخل ديارهم.

أقصد من كل هذه الروايات و الأمثلة الواردة دعوة شباب الأكراد داخل الوطن و خارجه, إلى الاعتصام بحبل الوحدة و الاتفاق للانتقام لأرواح 1,5 مليون من شهدائنا البررة الذين قتلهم الأتراك بوحشية لا مثيل لا بعد أن هتك الأعراض و داس على كرامتهم و شرفهم. دعوتي هذه موجهة لجميع أفراد الشعب الكردي. و موجهة بصورة خاصة إلى الأطفال و الصغار على مقاعد الدراسة في المدارس. انهضوا من غفلتكم أيها الشباب الكردي! لن تصبح ديار الآخرين مسكناً لك، و لن تصبح وطناً لأنجالك. لا تخدعوا أنفسكم أبداً! فكردستان هي الموطن الوحيد للأجيال الكردية القادمة , ولا بديل لها مهما كانت الأسباب, كردستان هي الموطن الوحيد للأجيال الجديدة و عليها التضحية من أجلها.*

يا شباب الكرد,إذا كان الأتراك يملكون المدافع و البنادق و الأسلحة الفتاكة فإنكم تملكون الإرادة القوية و الاعتزاز القوميّ القوي. يكفيكم هذا الاستعباد,فاكسروا قيود و أغلال الذل و الهوان,و انطلقوا أحراراً في الحياة. القومية الكردية هي والدتك و هي والدك, أيها الشباب! ضحوا بحياتكم في سبيل حياة قوميتكم لتعيش القومية الكردية إلى أبد الآبدين.

أمّا المادة الثالثة من القانون الذي سبق ذكره,فقد كان يتعلق بالأكراد، و تهدف إلى تتريكهم و ذلك بإجبار الأكراد على ترك ديارهم و الهجرة إلى الولايات الأناضولية و الأوروبية من تركية، بشرط أن لا تجمع الجيرة عائلتين من مدينة أو قرية واحدة. و خلال الحرب العالمية العامة (الحرب العالمية الأولى – المترجم) أجبرت الحكومة التركية (3700) عائلة كردية على الهجرة و الرحيل من ديارها. و قد قتل بعض أفراد هذه العائلات برصاص الجنود في الطرقات أثناء الهجرة القسرية, بينما توفيت أعداد كبيرة منها بسبب الجوع و المشقة. في حين وصلت البقية الباقية في حالة يرثى لها إلى الأماكن القسرية في غرب تركيا. و رغم محاولة البعض من أفراد هذه العائلات الهرب إلى ديارها عندما سنحت الفرصة بذلك, إلا أنهم ذهبوا قتلى برصاص الجنود الأتراك الذين أخذوا الخبرة أثناء ارتكابهم المجزرة البشعة بحق الأرمن الأبرياء.

مع اشتداد المعارك في الحرب العالمية العامة,اضطرت الحكومة التركية إلى تأخير برنامجها لتهجير الأكراد. غير أنكم يا سيدي الباشا منذ أن أعلنت أنت و رفيقك رئيس الجمهورية مصطفى كمال باشا الانتصار باسمكما في حرب الاستقلال الوطنية, و بعد أن سيطرتما على جميع مقاليد الأمور، العسكرية منها و المدنية, قمتما مرة أخرى بالنظر في برنامج تهجير الأكراد الذي تأخر بسبب الحرب العالمية العامة. فأضفتم مواد و قوانين و قرارات أخرى إلى القرارات السابقة , لتصبح كالتالي:

المادة الأولى,القضاء بشتى الوسائل على زعماء و قادة كردستان الحرة و المستقلة.(أيها الأكراد تذكروا جيّداً هذا القرار). وفي المادة الثانية قررتم جمع جميع الأسلحة الموجودة في حوزة الأكراد الذين شاركوا في تأسيس الجمهورية التركية. (أيها الأكراد تذكروا هذه الأيام العصيبة و المؤلمة و لا تحاولوا نسيانها). و من خلال المادة الثالثة اتخذتم القرار بالقضاء على جميع الأكراد من الرجال و النساء و الذين تجاوزوا سنّ الخامسة عشر, هؤلاء الذين أنقذوا شرفكم و كرامتكم من تحت أقدام القوات الأجنبية المحتلة, و الذين يعود إليهم الفضل ببقائكم على قيد الحياة و استيلاءكم على مقاليد الأمور في الجمهورية التركية. (أيها الشباب الأكراد,لا تنسَ أن تثأر لتلك الأيام المأساوية). أما المادة الرابعة,فإنها تهدف إلى إرسال أشبال هؤلاء الأكراد الميامين,الذين لم يتخطوا سن الخامسة عشرة إلى مختلف الولايات الغربية لتشتيتهم و إسكانهم متفرقين رغماً عنهم. لكن الله لم يترك الأكراد دون سند, حيث أرسل إليهم قائدين كرديين شبه الملائكة لإنقاذهم من تلك القرارات الهمجية, و هما دليلنا و قائدنا الملهم السيّد (يوسف ضياء) و منقذنا الكبير السيّد (خالد بك) فما أن سمع هذا القائدان الكبيران بتلك القرارات التركية حتى قاما بنشاط فعّال لإفشال هذه الخطّة, و ذلك بإحياء جمعية الدفاع عن الحقوق القومية الكردستانية التي ألغيتموها و منعتم نشاطاتها, فزرعوا من جديد بذور القومية الكردية لإنشاء كردستان حرة و مستقلة. و لا شكّ أنهما كانا سيصلان إلى أهدافهما خلال مدة قصيرة, رغم أن جواسيسك أخبروك بنشاطاتهما في الوقت المناسب و منذ بداياتها, و لكنكم كنتم تفتقرون إلى القوة و الحيلة لمنعهما, فقمتم بدعوتهما إلى مدينة “بدليس” للتفاوض. و في هذه الأثناء حالفك الحظ لتحقيق الانتصار جراء حركة خاطئة من أحد أعوان الشيخ سعيد,مما أدى إلى إفشال الخطة التي كانت الشيخ سعيد ينوي تطبيقه في الوقت المناسب و أدى إلى سفك دماء كثيرة للأبطال الأكراد رغم البطولات النادرة التي سطروها في المعارك, و بذلك لم يتحقق للأكراد إنقاذ كردستان و ضمّ مدينتي “مرسين” و “طرابزون” كميناءين مهمين لخريطة كردستان.

سيدي الباشا,انك محظوظ جداً, و تدينون بانتصاراتكم لهذا الحظ الذي يحالفكم أينما كنتم و سرتم. ولا علاقة لهذه الانتصارات بذكائكم و دهائكم و رجولتكم كما تزعمون. فإذا ما قسنا ذكاءكم و دهاءكم و رجولتكم بتلك التي موجودة لدى الشعب الكردي فإنها تبقى صفراً إلى الشمال,لذلك تبين نتيجة التجارب و الاختبارات بأن كردياً واحداً يضاهي شجاعة و جرأة مئة رجل تركي. لقد استفدتم من الخطأ الذي اقترفه أحد أعوان الشيخ سعيد فقضيتم على الثورة و أعدمتم شمسَي كردستان السيدان “يوسف ضياء” و “خالد بك” لدى اعتلاء شمس كردستان و شهيدها السيد خالد بيك منصة الإعدام خاطب شعبه الكردي بهذه الكلمات المؤثرة: “يا أبناء شعبي الكردي,لا تتردوا في التضحية بأرواحكم في سبيل القومية الكردية أينما وجدتم و أينما حللتم في أية بقعة من العالم. أوصيكم بالوحدة و التكاتف, و إطاعة كباركم و احترامهم. يا شباب الكرد! اترك القومية الكردية أمانة في أعناقكم, الشباب هم الأولى بالحفاظ على مستقبل القومية الكردية. أنتظر من الشباب الكردي إعلاء كلمة القومية الكردية إلى أعلى السموات في المدارس و على مقاعد الدراسة.إنني أضحي اليوم بروحي في سبيل القومية الكردية و في سبيل كردستان و أنا ممتلئ بالفخر و الاعتزاز و راحة البال”. …….

…… يتبع.