للكاتبة والصحفية: كاثي أوتن.

1
اليوم السابق لقدوم داعش إلى قضاء سنجار شمالي العراق كان يوم عيد. تجمع اليزيديون للاحتفال بنهاية فترة الصوم. كان ذلك يوم 2 أغسطس 2014. انتصبت حقول القمح المحصودة قصيرة وقوية تحت الشمس. ذبح الناس الأضحية وتجمعوا مع أقاربهم للاحتفال بالعيد،موزعين الحلوى ومتبادلين الأخبار والنمائم. لو كانالعيد في وقت سابقٍ،لكانوا قددعوا جيرانهم المسلمين لمشاركتهمالاحتفالات، لكن في الآونة الأخيرة اتسعت الهوة بينهم إلى حدٍ بعيد، ما دفع القرويين إلى الامتناع عن دعوتهم.
كان الجو العام مضطرباً ودرجة الحرارة أعلى من 40 درجة مئوية (104 فهرنهايت). بدت قمة جبل سنجار والذي يقع شمال بلدة سنجار تلمعُ في الطقس الحار، والناس الذين يعيشون غالباً هناك يتجنبون التجوال إلى ما بعد مغيب الشمس، حين كانت الشوارع مليئة بجيران يتداولون شائعات مخيفة، ورجال يقومون بدوريات حراسة مسلحة.
عند الغسق، بدأت مركبات غير مألوفة في الظهور. كان يمكن رؤية أضواء المركباتمتحركة في الصحراء خلف القرى النائية. ازداد إحساس منذرٌ بالشر مع حلول الظلام. أخذ الرجال اليزيديون أسلحتهم وانطلقواليراقبواخط الأفق وراء حقول القمح، محدقين باتجاه القرى.
لدى عودتهم، تجمعوا في مجموعات صغيرة متوترة في مركز بلدة سنجار. كان موكب السيارات التي تثير الغبار في البعيد قد ظهر قبل شهرين، قبيل سقوط مدينة الموصل- عاصمة محافظة نينوى والتي تعدُّ سنجار جزءاً منها- بيد داعش. تقع الموصل على بعد 120 كيلومتراً (75 ميلاً) شرق سنجار، وسرعان ما أعقب الاستيلاء عليها سقوط مدن أخرى. انهارت أربعة فرق من الجيش العراقي، بما في ذلك الفرقة الثالثةالتي كانت تتمركز حول سنجار وتضم في عدادهاالكثير من اليزيديين. كانت المنطقة بلا أدنى حماية تقريباً.
عندما استولى داعش على الموصل، حرّر المسلمين السنة من سجن بادوش وأعدم 600 سجين شيعي. نهبت الجماعةُ أسلحةً ومعدات من قواعد الجيش العراقي. رمى الجنود بزاتهم العسكرية، وفرَّ نصف مليون مدني باتجاه الشمال والشرق. في غضون أسبوع كان ثلث مساحة العراق تحت سيطرة داعش. كان قضاء سنجار والذي يبلغ تعداد سكانه حوالي 300 ألف نسمة محاصراً. بقي هنالك فقط شريط رفيعٌ من طريق متنازع عليه يربط المنطقة بالأمان النسبي في كردستان العراق شمالاً، لكن الرحلة إلى هناك كانت محفوفة بالمخاطر.
إقليم كردستان في شمال العراق إقليمٌ شبه مستقل، ومحروسٌ من قبل البيشمركه، الذين ينبغي عليهم الآن الدفاع عن المحافظات الكردية الأربع في مواجهة داعش. كلمة “البيشمركه” تعني “أولئك الذين يواجهون الموت”، والكلمة مثقلةٌ بالدلالة التاريخية للكفاح الكردي ضد الاضطهاد. اشتبك قسم من البيشمركه مع داعش في جنوب شرقي الإقليم على الحدود مع إيران، ولكن بالقرب من سنجار، كان هنالك سكون مشوبٌ بالحذر يشبه صداع التوتر الذي يسبق العاصفة.

2

تنتمي ليلى إلى عائلة من المزارعين والرعاة اليزيديين. هي نحيلةٌ مع وجهٍ بنّاتي شاحب، رغم أنها في سن الـ 25 وتعطي نوعاً من الانطباع العملي عنها. لديها شقيقتان تصغرانهاو3 إخوة أكبر منها سناً. لما كانت طفلة، عملت مع أشقائها في مزرعة العائلة، لكنهم قرروا الانتقال إلى مسافة أقربإلى قرية كوجو الواقعة أسفل جبل سنجار، وذلك بعد تعرض مزرعتهم لسلسلة من سرقات الماشية.
كان أشقاء ليلى قد انضموا إلى قوات البيشمركه بعد غزو العراق الذي قادته الولايات المتحدة في 2003. تعرض زملاؤهم في سيبا شيخ خدر المجاورة لهجوم من داعش يوم 2 أغسطس 2014 وطلبوا العون. تعد سيبا شيخ خدر الواقعة جنوب سنجار أقرب بلدة يزيدية إلى الحدود السورية، وهي عبارة عن مجموعة من بضع مئات من المنازل الأرضية. بحلول منتصف صباح 3أغسطس 2014 فرّ البيشمركه المتمركزون في قرية كوجو. قررت عائلة ليلى ونحو 100 آخرون الهرب في حالة من الحيرة، لكن معظم الناس مكثوا غير متأكدين مما سوف يحدث لهم.
كانت شقيقة ليلى الصغرى المتزوجة حديثاً تعيش في سيبا شيخ خدر مع زوجها، اتصلت بوالديها ذلك الصباح: “نحن نهرب، داعش قد أتى”. توجهت ليلى مع أهلها شمالاً إلى سنجار تاركين عمّها لحراسة منازل العائلة. عند وصولهم إلى سنجار، أدركوا أن البلدة كانت تتعرض للهجوم بالفعل وأن سكانها يهربون.متجمعين معاً في حرشٍ وعرٍ خارج سنجار، اتصلوا بعمها. أخبرهم العم أن المنطقة مُطوّقة، وأن داعش لن تسمح لأي شخص بالمغادرة.
كانوا مُحاصرينَ. إذ بعد وقت قصير من المكالمة الهاتفية مع العم اقتربت منهم مجموعة من مقاتلي داعش وطلبوا منهم تسليمهم المال والأسلحة والذهب والهواتف. تتذكرُ ليلى أن زعيم المجموعة كان ذو وجه متورد، ملتحياً، وكان يدعى “أمير” من قبل الآخرين. قاد المقاتلون ليلى وأهلها إلى أحد مكاتب الحكومة المركزية في سنجار، حيث كان المكتب في السابق دائرة أحوال مدنية. رأت ليلى هناك آلاف النساء والفتيات قد تم جمعهن داخل مكاتب المبنى، فيما حشر الرجال معاً في الطابق الثاني.
حوالي التاسعة مساءً، جلب الحرّاسُ الدواعش المصابيح إلى الداخل، وبدأوا بتفحص وجوه النساء والفتيات. تجمعت النسوة معاً للاحتماء ببعضهن البعض، ولما اقترب مقاتلو داعش من ليلى كانت مذعورةً وأغمي عليها، أنقذها ذلك من أن تُنقلَ بعيداً تلك الليلة، لكن خمسة من بنات عمومتها لم يحالفهن الحظ. لم تستوعب النساء اليزيديات ما يجري، فيما كان مقاتلو داعش ينفذون عملية اختطاف جماعية مخططة مسبقاً بهدف الاغتصاب الممنهج. كانوا يبحثون في البداية عن النساء والفتيات العذارى فوق سن الثامنة.

3
حين هوجم قضاء سنجار من قبل داعش، فرَّ أكثر من 100 ألف يزيدي للاحتماء بجبل سنجار. أولئك الذين لم يتمكنوا من الفرار تمَّ اعتقالهم. كثير من الرجال تم قتلهم، فيما آلافُ اليزيديين إما أعدموا وألقيت جثثهم في حفر، أو ماتوا بسبب التجفاف أو الإصابات أو الإنهاك في الجبل. كثير من الناس كانوا في عداد المفقودين، ولم يلفت استرقاقُ النساء اليزيديات الانتباه العالمي على الفور.
وفقاً للنائبة في البرلمان العراقي فيان دخيل، والتي هي أيضاً يزيديةٌ من سنجار، فقد تم استرقاقُ ما يقدر بـ 6,383 من اليزيديين -معظمهم نساء وأطفال- ونقلهم إلى سجون داعش ومعسكرات التدريب العسكري ومنازل مقاتلي داعش عبر شرق سوريا وغرب العراق، حيث تم اغتصابهن وضربهن وبيعهن وحجز حريتهن. بحلول منتصف 2016، كان قد لاذ بالفرار 2,590 امرأة وطفل أو تم تهريبهم من أرض الخلافة، فيما ظل 3,793 من اليزيديين في الأسر.
اليزيديون مجموعةٌ دينية تتحدث غالبيتهم باللغة الكردية، ويعيش معظمهم في شمال العراق. يبلغ تعدادهم أقل من مليون نسمة حول العالم، وقد تم اضطهادهم طوال تاريخهم من قبل الحكّام المسلمين على أنهم كفار وطالبوهم لذلك باعتناق الإسلام. بدلاً من الاحتفالات الرسمية، تنطوي ممارساتهم الدينية على زيارة أماكن مقدسة. يشارك اليزيديون في التعميد والولائم، ينشدون التراتيل ويروون القصص. تدور بعض القصص حول معارك تاريخية وأسطورية تم خوضها لحماية الديانة اليزيدية، بينما تروى قصص أخرى على مر القرون من قبل أجيال من النساء عن أساليب مفصلة لمقاومة التهديدات نفسها التي تواجهها النساء اليزيديات اليوم.
كان قد تم إضعاف اليزيديين سابقاً بفعل التهجير القسري في عهد صدام حسين، والانهيار الاقتصادي في ظل عقوبات الأمم المتحدة على العراق، وانهيار الدولة والأمن بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في 2003 وما تبعه من فشل سياسي. هناك اليوم في العراق حوالي 500 ألف من اليزيديين يعيشون بشكل رئيسي في قضاء سنجار الذي يتبع لمحافظة نينوى في شمال البلاد، بينما فرَّ معظم يزيديي سوريا وتركيا إما إلى البلدان المجاورة أو إلى أوروبا، وفي ألمانيا يقدّر تعدادهم بـ 25 ألفاً.
كتب تيجو كول في مقال عن فلسطين عام 2015: “ليست كل أعمال العنف ساخنةً بالضرورة. هناك أيضاً أعمال عنفٍ باردة تستغرق وقتها وتصل إلى أهدافها في النهاية”.يتواصلُ هذا النوع من العنف البارد في جميع أنحاء العالم متخذاً صورة عنف الإهانة والتجاهل واللامبالاة وعدم الاستماع. يكمن هذا العنف في الطريقة التي يتحدث بها السياسيون عن اللاجئين، وفي الطريقة التي يكتب بها الإعلام الغربيأحياناً عن عديمي الجنسيةالذين لا وطن لهم أوفي الطريقة التي يصورهم بها. يكمن هذا العنف في الخوف من الغرباء. إنه يكمن في الطريقة التي ينبذ فيها بعض البشر بشراً آخرين على أنهم أقل استحقاقاً منهم للحماية والرعاية. عندما يمتزج العنف البارد بالعنف الساخننحصل حينها على عمليات قتل جماعية تنصبُّعلى أكثر الفئات ضعفاً.
لقد عانى اليزيديون لأجيال من المجازر والقمع، ولكن الأمرَ كان مختلفاً في عدوان داعش الذي وقع في أواخر صيف 2014، إذ اهتمت وسائل الإعلام بالحدثِ هذه المرة.
العديد من التقارير عن خطف واسترقاق النساء والأطفال اليزيديين وصفتهم كـ “مُستَغلينَ جنسياً”، كما ظهرت رسوم بيانية قدّمها ناجون من أسر داعش حديثاً كانت مُريبة أحياناً. أصبحت المقاتلات من الميليشيات الكردية وهن تساعدن في إجلاء اليزيديين من جبل سنجار زاداً للتغطية الإعلامية غالباً، وأصبح اليزيديون رمزاً لأقليات غريبة محاصرة وُضعتْ في مواجهة شر داعش. هذه السردية قامت بتنميط النساء اليزيديات كضحايا سلبيين للاغتصاب الجماعي من قبل جناة تم تقديمهم كمثالٍ عن الشر المحض.
تأخرتُ كثيراً في تغطيتي حول كيفية تمكن النساء اليزيديات من الإفلات من قبضة داعش والعودة. إلى درجة أني انتبهت لاحقاً إلى مدى أهمية مرويات الأسر والمقاومة للتعامل مع الصدمة سواءً أكان ذلك تاريخياً أو فيما يتعلق بالتعامل مع الصدمة التي أنتجها داعش. اليزيدية ديانةٌ وهوية مُنغلقة تنتقل عبر الأجيال من خلال الحكايا والموسيقى، وقد تم توسيع هذه الممارسة القائمة على السرديات والموسيقى للعلاج من الصدمات التي خلفتها معاملة داعش لهن.
العديد من النساء والأطفال الذين تم سبيهم في سنجار كانوا قد رأوا أو سمعوا أن أقاربهم الذكور قد قُتلوا على يد مقاتلي داعش الذين كانوا يطوّقونهم الآن. في السجون على امتداد سوريا والعراق حيث كانت النساء محتجزات، شعرن بـ “الإرهاب المُذل بمجرد سماعهن وقع خطى في الممر خارجاً أو لدى سماعهن صوت المفاتيح وهي تفتح الأقفال” وفقاً لتقرير صادر عن لجنة الأمم المتحدة المعنية بسوريا والتي صنفت جرائم داعش ضد اليزيديين كإبادة جماعية.”الساعات الـ 12 الأولى من الأسر كانت مليئة بالإرهاب المركز بشدة. اختيار أي فتاة كان مصحوباً بالصراخ لكونها قد سحبت من الغرفة بالقوة مع تعرض والدتها أو أي امرأة أخرى حاولت حمايتها للضرب بوحشية من قبل المسلحين. بدأت النساء والفتيات اليزيديات بجرح أنفسهن في محاولة لجعل أنفسهن غير جذابات للمشترين المحتملين”.
بدايةً، تم نقلُ النساء والفتيات إلى مواقع محددة مسبقاً في العراق، حيث تم تسليمهن إلى مقاتلي داعش الذين شاركوا في الهجوم على سنجار. لتجنب التعرض للاغتصاب، قتلت بعض الفتيات أنفسهن من خلال حزِّ معاصمهن أو حناجرهن، أو شنق أنفسهن، أو رمي أنفسهن من الأبنية.
وسط حالة الرعب في مكتب الأحوال المدنية في سنجار، قررت ليلى التظاهر كأمٍ لصغيري أخيها وأختها، بعد ان رأت النساء الأخريات يتم اقتيادهن بعيداً، وافترضت بشكل صحيح أن كونها غير متزوجة يُعدُّ أمراً خطيراً. في اليوم التالي اختفى الرجال اليزيديون الذين كانوا في الطابق الثاني.
كان قد تم نقل ليلى لمسافة 50 كم شرقاً، إلى تل تلعفر، إلى مدرسةٍ تم تحويلها إلى سجن، حيث كانت النساء تحشرن في صف مدرسي اُعتبرَ زنزانة، يتم حراستها من المقاتلين الذين كانوا يواصلون اقتناء الفتيات الجميلات ليخدمن كسبايا، وكان يتم تدوين أسمائهن وأعمارهن في قائمة كلما تم نقلهن إلى مكان آخر.
في الأسابيع التالية، تمكنت بعض اليزيديات من الهروب من خلال السير أثناء الليل في الحقول الموحلة، مُراعياتٍ السير في الوديان لتجنب نقاط التفتيش العائدة لداعش للوصول إلى البيشمركه. كان ذلك في الأيام المعدودة الأولى، حيث كان في الإمكان إنقاذ اليزيديات. إذ أن المحتجزات كن معاً، وكان لا يزال لدى بعضهن هواتف محمولة مخبأة تحت ثيابهن للاتصال بالأقارب في كردستان وإخبارهم أين هن تحديداً، لكن محدودية الدعم الدولي أو الحكومي جعل إحساساً بالهجر ينمو سريعاً بين العائلات التي تنتظر أحبتها.
قال توم مالينوفسكي عندما أُجريتْ معه مقابلة في فبراير 2016 أثناء زيارته إلى أربيل، عاصمة إقليم كردستان، وكان حينذاك مساعد الخارجية الأمريكية لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل: “في غضون أيام من ما حدث لليزيديين على الجبل، تحولت فحوى المكالمات الهاتفية المتلقاة من “أنقذونا” إلى “هم اختطفوا هؤلاء النسوة ويمكنكم مساعدتنا في إنقاذهن”، “إن عمليات إنقاذ الرهائن تعد من أخطر الأمور التي ينبغي القيام بها.تمت مناقشة الأمر حين كانت النساء لا تزلن محتجزات في مجموعات كبيرة، لكن تم توزيعهن لاحقاً بشكل مأساوي. لا يزال الأمر في أذهاننا”.
إلى الآن، لم تكن هناك أية مهمات إنقاذ معروفة وواسعة النطاق لتحرير الأسرى اليزيديين في العراق وسوريا، سواء من قبل حكومات الولايات المتحدة أو العراق أو إقليم كردستان.

4
وفقاً لداعش، لا خيارَ سوى مهاجمة الرجال الكفّار وقتلهم، وهذا يفضي إلى أنها تبرر استعباد نسائهم كفعل حماية، كوسيلة للاستعاضة عن الرجال الذين كانوا يعتنون بهم في السابق. هذه الفكرة بالغة الأهميةبالنسبة إلى دور العبودية في تصور داعش حول كيفية سير الخلافة.
تقول المحققة السابقة لدى الأمم المتحدة ساريتا أشراف إن الضمني في هدف داعش المتمثل بالقضاء على المجتمع اليزيدي هو أن المجتمع سوف يكون أفضل بدونهم، وهو أمر مشترك بين جميع عمليات الإبادة الجماعية.
الاستعباد/ الاسترقاق بالنسبة لداعش يهدف في نهاية المطاف إلى إدخال النساء في الإسلام، وهو جزء من إيديولوجية الفتح “إنه (الاستعباد) من بين اعظم فضائل الإسلام والشريعة الإسلامية، وهو تأكيد واضح يظهرُ تفوق أهل الشريعة وعظمة شؤونهم وهيمنة دولتهم وقوة جبروتهم” وفقاً لمنشور من داعش حول العبودية.
تصف داعش استخدامها للاستعباد من خلال خليط من الاستعارات المشوّشة عن الجنس والحرب والسلطة، ويُوصفُ توزيع النساء والأطفال الأسرى على مجاهدي داعش و “معاقبة أعضائهم التناسلية” بأنه علامة على “الإنجاز والهيمنة بالسيف”.
وضحت كاثرين إي براون، المُحاضرة في الدراسات الإسلامية في جامعة برمنغهام، أن داعش تبرر استخدامها للاسترقاق بشكل رئيسي من خلال تفسيرات انتقائية للحديث النبوي والقصص المُبّلغة عن حياة وأقوال محمد وصحابته: “إنهم يبررون ذلك على قاعدة أن الاسترقاق مكافأة على أداء خدمات للمجتمع- يتم تقديم الرقيق كتعويضٍ للمقاتلين. هم اختاروا أساليب محددة لفهم هذه الأحاديث، واختيارهم الانتقائي هذا كان من أجل التجاهل. على سبيل المثال، تعليقُشرط عدم قتل المساجين على شرط التأكد من “أنهم لن يهربوا” من خلال “ضمان الرقبة” إلى أن تتم المفاوضات.
تم استخدام الوعد بالاستعباد الجنسي كفاتح شهية عند تجنيد داعش للشباب الساخطين. في الوقت نفسه، فإن التقارير الإخبارية عن الجنس والعنف الذي يستهدف النساء غير المسلمات تم استعبادهن من الرجال المسلمين تغذي الصورة النمطية المُكرّسة عن الرجال المسلمين وتخلق انقسامات يمكن لداعش استغلالها.
يقول مؤلفكتيب داعش عن الاستعباد الجنسي/ السبي: “يفيد الاستعباد/ السبي في تعاظم مجتمع داعش لأن النساء اليزيديات سوف تلدن والأطفال سوف يتربون بين الجهاديين”.
تدعو الوثيقة إياها الجهاديين إلى معاملة سباياهم بشكل جيد، مستشهدة بكلمات من القرآن تدعوهم إلى أن يكونوا جيدين مع “من ما ملكت أيمانكم” -والتعبير كناية عن الأسيرة الأنثى- وتورد الوثيقة أيضاً نصوصاً إسلامية تتضمن تعليمات بعدم وجوب ضرب وجه العبد، وتحرير العبد الذي يُسلمْ، حيث أن مالك العبد سيُجازى حينها من الله.لكن كما هو الحال مع القيود الأخرى، هناك فجوة بين ادعاءات داعش وواقع متعسف وعنفي غالباً. إذ أن داعش استخدم الاغتصاب الجماعي كعقاب للنساء والفتيات اللواتي حاولن الهرب، وتحكم بهن جسدياً ونفسياً. رغم ذلك، استمر العديد من النساء اليزيديات في محاربة آسريهن، مخاطرات بالتعرض للعقاب والموت في سعيهن إلى الحرية.
النساء اليزيديات لم يصبحن سبايا فور أسر الجهاديين لهن، بل تم احتجازهن لمدة إلى حين تسجيل بياناتهن. كانت العملية ممنهجة. ثم تم بيعهن في الأسواق إما إلكترونياً عبر تطبيق المراسلة في الهواتف المحمولة حيث تم تبادل صورهن وأرقامهن كسبايا، أو تم بيعهن في غرف السوق والسجون في أوقات مقررةمسبقاً.
بعيداً عن الأسواق الرئيسية، تم بيع النساء والفتيات -المقدمات من مقاتلي وأعضاء داعش الذين عملوا كسماسرة- من قبل سماسرة محليين بأعدادٍ أقل. في البداية، تم منحهن بشكل رئيسي إلى المقاتلين العراقيين الذين شاركوا في معركة سنجار، وتم أخذ الأسيرات المتبقيات لاحقاً إلى سوريا ليتم بيعهن هناك، غالباً إلى مقاتلين وصلوا من جميع انحاء العالم.
في أواخر 2014، جلست مجموعة من الشباب الملتحين على أرائك طويلة تحاذي الجدار في غرفة معيشة في مكان ما على ارض الخلافة مرتدين سترات مُزنّرة بالذخيرة. مازحوا بعضهم البعض. “اليوم هو يوم التوزيع إن شاء الله” قال أحد الرجال وهو يطلق ضحكة على رفاقه “بإمكانك بيع سبيتك أو تقديمها كهدية… بإمكانك أن تفعل بنصيبك ما يحلو لك” قال مقاتل آخر في مشهد لمصور كان يقوم بتصوير تبادل الأسيرات. يبدو أن الرجال لم يلاحظوا التسجيل واستمروا في مناقشة بيع النساء مقابل “ثلاثة أوراق نقدية أو مسدس”.

5
بحلول صيف 2013، أصبحت الرقة التي تقع على بعد 370 كم غرب الموصل وفي شمال سوريا عاصمة داعش بحكم الأمر الواقع، واندفع أنصار التنظيم من جميع أنحاء العالم إلى هناك للانضمام إلى الجماعة، وكانت الرقة أيضاً الوجهة لنساء أخريات من سنجار.
قالت زهرة وهي ابنة مزارع من قرية كوجو: “حين وصلنا إلى مزرعة قرب الرقة رأينا أربع أو خمس حافلات مليئة بأعضاء داعش بشعرهم ولحاهم الطويلة. كانوا مثل الحيوانات. في اليوم الأول دخلوا علينا وبدأوا باختيار الفتيات لأنفسهم. اثنان أو ثلاثة منهم يمسكون بالفتيات، يعصبون أعينهن ويأخذوهن بالقوة إلى السيارة. الفتيات كن يبكين ويصرخن لكنهم لم يكترثوا بذلك”.
كان بإمكان البنات رؤية نهر الفرات من الطابق الثاني من المبنى، لكن كنَّ مخفياتٍ عن الأنظار من خلال الأشجار والسياجات المحيطة.
“كنا كالأغنام تماماً، حين يسير الراعي باتجاهها تتفرق، هكذا كنا حين كنا نهرب منهم” قالت زهرة. هربت زهرة حين جاء الرجال، لكنها لم تنجح في استكمال هروبها بسبب السياج على طرف المزرعة. في اليوم الأول أخذ الرجال 20- 40 فتاة. كان الطعام يُجلب للفتيات الباقيات في المزرعة من مطعم محلي، لكن الفتيات كن خائفات جداً من تناوله. وقد وضعت الفتيات الرماد على وجوههن للظهور بمظهر غير الجذابات على أمل ألا يتم اختيارهن من رجال داعش.
بعد يومين، تم نقل زهرة وشقيقتها إلى سجن سري لداعش في الرقة. تم حشر مئات النساء في ثلاثة غرف. وصلت الفتيات إلى السجن في الليل ولم يسمح لهن برؤية الجزء الخارجي من المبنى وهي آليةٌمماثلة لتلك المتبعة من الحكومة السورية في سجونها، تقول ساريتا أشراف.
داخل السجن، كان على النساء تقاسم عدة مراحيض قذرة تجبرهن على الوقوف في مياه المجارير الملوثة، وكان ذباب الرمل (الفواصد) تزحف على أجسادهن. كان مصدر الضوء الوحيد مصباحان يتدليان من السقف ويعملان على الطاقة الشمسية كما ذكرت إحدى السجينات. كل صباح يعطيهن الحراس قطعة صغيرة من الخبز والجبن وفي المساء وجبة أرز وشوربة.
بعض النساء جلسن على الحقائب أو الملابس لتجنب ملامسة الأرضية القذرة. كان الأطفال يصرخون باستمرار من الجوع. انتظرت النساء خائفات من الاغتصاب أو الوفاة. “كانوا يضربوننا دائماً، وكنّا مصابات بالإسهال بفعل الخوف”، قالت امرأة سوف أدعوها خولكا والتي تبلغ من العمر 30 عاماً وأتت من بلدة تل قصاب. كانت قد نُقلتْ إلى السجن مع أطفالها الأربعة داخل شاحنة تبريد تستخدم عادة لنقل المرطبات. “لم نستحم لشهر كامل وكان هناك دائماً قمل في شعرنا. بعد شهرين أخذونا إلى الخارج، لكننا لم نستطع الوقوف في الشمس لأننا لم نرها منذ فترة طويلة”.
خلال سجنها لدى داعش وشمتْ خولكا على جسمها اسمي زوجها ووالدها لكي يتم التعرف على جثتها وإعادتها إلى أهلها في حال لو قُتلتْ. من أجل صنع مادة الوشم خلطت خولكا حليب امرأة مرضع مع الرماد واستخدمت إبرة كانت قد هربتها معها إلى السجن. بالإبرة نفسها وبعض الخيط المتوفر بدأت أيضاً تطرز أسماء وأرقام في هاتفها على ملابسها الداخلية محتاطة لحالة إذا ما عثر داعش على هاتفها وصادرته. كانت خولكا قد ذهبت إلى المدرسة وعلى خلاف العديد من النساء هناك في الأسر كانت تعرف القراءة والكتابة، كما أنها أيضاً كانت تخيط على ثياب النساء الأخريات أسماء أحبتهن من أجل ألا يتم نسيانهم.
تاريخياً، ربط اليزيديون التعليم الرسمي بسلطات الدولة القمعية، قمع لغتهم، والتهديد بالتحول الديني. في السنوات التي سبقت عام 2014، كانت معدلات معرفة القراءة والكتابة تتحسن في سنجار، لكن العديد من النساء والفتيات عملن في الحقول لدعم أسرهن بينما ذهب اخوتهن إلى المدرسة. الأمية صعّبتْعلى النساء الهرب بعد أن تم أسرهن، لأنهن لم يستطعن قراءة اللافتات على المباني الغريبة في البلدات والمدن التي يسيطر عليها داعش.
كانت خولكا قد أُخذتْ مع أطفالها إلى غرفة جانبية في السجن،حيث قام حرّاس داعش بتصويرهاوأعطوها رقم عبوديتها 16، الذي طُبع فوق صورتها.تتذكر خولكا أنه كانت هناك حوالي 500 امرأة في السجن، وكان على جميعهن أن يتظاهرن أنهن مع أطفالهن، لذا أعطين أرقامعبودية. قبل التقاط الصورة، قامت خولكا بقصِّ شعر ابنتها لجعلها تبدو كصبي لمنعهم من فصلها عنها. إذا اكتشف الحرّاسُان ابنتها فتاة صغيرة فسوف تؤخذ منها. أما النساء الأخريات السجينات فلقد حسدن شَعرَ خولكاالأشيب الرمادي، ظناً منهن أنه قد ينقذها من التحفظ عليها، لذا حاولن تقليدها باستخدام الرماد ليبدو شعرهن أيضاً رمادياً.
“بعض هؤلاء النساء والفتيات قاومن الأسلمة القسرية، وحموا أنفسهنفي مواجهة العنف، أو أقلّه حاولن حماية أطفالهن”. قالت محامية حقوق الإنسان والمدافعة عن العدالة الجنسانية شيريزان مينوالا: “كيف قاومن، يُظهرُ ذكاءً وشجاعة وقوة لا تصدق”.
النساء اليزيديات اللواتي هربن من الجغرافية التي تسمى اليوم تركيا خلال الحرب العالمية الأولى والفوضى التي اعقبتها مرَّوا بتجارب تتكرر اليوم بين السنجاريين، من بينها تقاريرٌعمّا فعلوا كما فعلت خولكا حين لطّخت وجوه بناتها الصغيرات بالرماد وقصَّت شعرهن.
في السجن إياه، تم وضع زهرة وأخواتها في غرف صغيرة. سمعوا الصراخ والبكاء حين جاء حراس داعش في منتصف الليل لأخذ الفتيات بعيداً. قصد الحراس أخت زهرةالوسطى أولاً. عندما توسلت إليهم زهرة لعدم أخذهم بشكل منفصل، قام أحد الحراس بجلدها بكابل.
بعد أن تم أخذ أختها من الزنزانة، فُتحَ الباب ثانيةً. هذه المرة تم انتزاع زهرة من قبل رجلين ضخمين وحُشرت في سيارة. صرخت زهرة: “لن اذهب قبل أن تسلموني أختي”. اقتادها الرجال إلى منزل في الرقة عائد لعنصر من داعش احتفظ بها كسبية ثم باعها بعد أربعة أشهر إلى مقاتل آخر من داعش وجدها غير مطيعة فباعها على الفور إلى مقاتل آخر ذو 18 عاماً يعيش في مجمع للمقاتلين الليبيين قرب دير الزور شرق سوريا.
تم احتجاز العديد من الفتيات اليزيدية في نفس المجمع المؤلف من 100 إلى 200 كارفان (مقطورة سكنية متنقلة)، حيث عاش المقاتلون الليبيون في صفوف داعش. تم تقييد النساء والفتيات بالسلاسل وتعرضن للضرب والاغتصاب والسير بين المقاتلين مثل الحيوانات. سياج الأسلاك الشائكة حول المجمع منعهن من الهرب. إن قصص الحرمان والتعذيب التي عانت منها النساء اليزيديات في هذا المجمع هي من بين الأسوأ في لائحة طويلة من الانتهاكات.

6
بعد مرور أكثر من شهر على احتجازهن في المزرعة، تم إعادة ليلى وثلاث فتيات أخريات من كوجو إلى العراق، واحتُجزن هذه المرة في قاعدة عسكرية قرب الحدود العراقية-السورية في محافظة الأنبار على بعد أكثر من 200 كيلومتر جنوب سنجار. كانت القاعدة العسكرية في منطقة القائم، المعبر الحدودي بين العراق وسوريا، لكنها حينذاك كانتتحت سيطرة خلافة داعش، وكانت مجرد نقطة توقف بين مسافات الصحراء التي يديرهاداعش. كما كانت نقطة عبور مشتركة للسبايا الذين يمرون بين الأسواق في بلدات ومدن داعش. وقد بيعت ليلى لرجل يدعى محمد، الذي بدا معروفاً لها. ثم تذكرت من هو: كانت عائلته بمثابة العرابين لعائلتها.
حين تعرفت ليلى على محمد ارتاحت، ظناً منها أنه سينقذها، وربما يعيدها بالتالي إلى عائلتها. لكنه بدلاً من ذلك باعها. تم اقتياد ليلى بعد ثلاثة أيام إلى قاعدة عسكرية قرب الرمادي حيث بيعت إلى قائد عسكري من داعش. سألها أحدهم لاحقاً حين كانت قد هربت وكانت متواجدة في بغداد عما ستفعله إذا ما رأت محمد مرة أخرى. ردت: “سأحرقه حياً”.
كان القائد الداعشي الذي اشترى ليلى في الرمادي ساديًا وسيئ الصيت يُعرفُ بإسم شاكر وهيب، أصيبَ بجراح بالغة في المعارك، وكان الآن يتاجر بالنساء لممارسة الجنس وتنظيم عمليات الاغتصاب الجماعية. عندما وصلت امرأة في أوائل عام 2016 إلى حيث يتم احتجاز ليلى وكانت تلك المرأة لا تزال تحتفظ بهاتفها الجوال، تمكنت ليلى من الاتصال بشقيقها في كردستان وأخبرته بوجوب أن يرسل شخصاً لإنقاذها قبل أن يتم نقل المرأة صاحبة الهاتف. جرت اتصالات بين ليلى ومهرب يدعى عبد الله لمدة يومين،ساعدها في النهاية على الفرار. كان عبد الله يعمل في حلب وكانت لديه شبكة واسعة من الارتباطات التجارية في سوريا والعراق، وأصبح مهربًا بعد اختطاف داعش 50 فرداً من عائلته.
معظم المهربين العاملين على إنقاذ النساء اليزيديات هم رجال أعمال يزيديين. تم شراء بعض النساء من مقاتلي داعش الذين يحتجزهنأو من أسواق العبيد أو من المزادات على الإنترنت. إن التهريب المُكلفُ مادياًيعكسُالمخاطر التي ينطوي عليها. ليس من الواضح مقدار المال الذي يذهبإلى مقاتلي داعش، ومقدار ما يذهب للسماسرة أو المهربين.
تزدهر هذه السوق السوداء لأن ليس لدى العائلات ثمة خيارات أخرى. تستمر الحرب ضد داعش في استعادة أرض المنطقة من التنظيم، لكن اليزيديين أخبروني أنهم يفضلون التركيز على إنقاذ النساء والأطفال الأسرىبدلاً من التركيز على استعادة الأرض.
بعد وصولها بغداد، سافرت ليلى وابنة أختها شمالاً بالطائرة إلى مدينة السليمانية الكردية، ثم عبر البر إلى المخيمات التي التجأ إليها الكثير من يزيديي سنجارحيث كانت عائلاتهم تنتظر. عندما وصلت ليلى، انهارت وهي تنشج في أحضان أقاربها الإناث. كانت في حالة صدمة، حيث واجهت خلال الأسابيع القليلة الأولى صعوبة في فهم ما كانت تقوله عائلتها عندما حاولوا التحدث إليها.قالت ليلى: “أحياناً أشاهد التلفزيونوأشاهدالأخبار عن الجيشِيستعيدُ المزيد من الأراضي والقرى، ولكن ليس هذا ما يقلقنا، ما يقلقنا هو أن ناسنا لا يزالون سجناء، نعرف أن معظمهم في الرقة، فلما لا ينقذهم الجيش هناك؟”.
كانت حالات الفشل واسعة وعميقة. في وقت سابق من هذا الشهر أعلنت القوات العراقية مدعومة بغطاء جوّي من التحالف الدولي الانتصار على داعش في الموصل، لكن بالنسبة لكثيرين فإن ثمن الانتصار كان باهظاً، إذ قُتلَ المدنيون على يد داعش بمجرد محاولتهم الهروب، أضف إلى ذلك تعرض المدنيين للقصف من قبل القوات العراقية والتحالف، ففي مارس 2017 أدت غارة أمريكية على منزل في غرب الموصل كان مأوى لعائلات إلى مقتل ما يزيد على 100 مدني.
تحولالانتباه الآن من العراق إلى أماكنتواجدداعش في سوريا والمعركة من أجل السيطرة على الرقة. بينما يستعد السياسيون العراقيون ورعاتهم العسكريون لتهنئة أنفسهم، ينظر المجتمع اليزيدي إلى المشهد من مخيمات النازحين، أو المنازل المستأجرة أو أماكنلجوئهمما وراء البحار. بعد مرور عامين تقريباً على تحرير القوات الكردية لسنجار من داعش، لا تزال بلدة سنجار أنقاضاً. هناك موجة جديدة من الصراع في قضاء سنجار، حيث تتطلع تركيا إلى توغل عنيف في المنطقة بعد قصف المنطقة في شهر أبريل. ينظر اليزيديون إلى فكرة أن ذلكسيمثل “تحريراً لسنجار” على أنه طرفةرديئة. حاولت الأمم المتحدة وغيرها الاعتراف بالإبادة الجماعية وتوثيقها. لكن العدالة لا تزال تبدو بعيدة المنال. في هذه الأثناء، تستمر معركة حياة النساء والفتيات بعد عودتهن من الأسر.
كانت سنجار قد حُررتْ من قبل قواتالبيشمركهالكردية في 2015. ومنذ ذلك الوقت، كانت البيشمركه وغيرها من المجموعات المسلحة الكردية في مواجهة عدائية ضد بعضها البعض، حيث قدمت المجموعات المتنافسة الأسلحة والتدريب والرعاية إلى اليزيديين المحليين. ترفرف الأعلام الزاهية الملونةللمجموعات المختلفة فوق نقاط تفتيشها التي تكون أحيانًا على بعد أمتار فقط من الطرق التي كانت تسيطر عليها داعش مؤخرًا.
لا يخشى اليزيديون الآن من هجمات جديدةلداعش فقط، ولكنهم يخشون أيضاً من محرريهم الكرد. ليس اليزيديون أنفسهم متجانسين سياسياً، فالعديد منهم لا يثقون بالمجموعات الكردية المتنافسة. إذ لم يعد إلى قضاء سنجار المحرر بحلول مايو 2016 سوى 3220 عائلة.
وفي حين يستمر التناحر الداخلي، تحاول داعش فقط أن تكسب، فيما اليزيديونعالقون في سلسلة معقدة من علاقات التابع- السيد مع القادة الكرد، حيث يتم استخدام الهوية الإثنية في مقابل الوعود بتوفير الأمن. في غضون ذلك، لا يزال اليزيديون غير قادرين على تحديد مستقبلهمعسكرياً أو سياسياً، وفي حين تستمر الاشتباكات العسكرية فإن إيجاد أي حل سياسي للتنافس القائم بين القوى المحررة يبدو هدفاً بعيد المنال.

*المادة أعلاه هي مقاطع نشرتها صحيفة الغارديان الإنكليزية بتاريخ 25 يوليو 2017 بعنوان:
Slaves of Isis: the Long Walk of the Yazidi Women
المقاطع هي في الأصل من كتاب الصحافية كاثي أوتن الصادر في أكتوبر 2017عن محنة النساء اليزيديات في قبضة داعش بعنوان “مع الرماد على وجوههن: النساء اليزيديات والدولة الإسلامية”.
Cathy Otten- With Ash on Their Faces: Yazidi Women and the Islamic State
وكاثي أوتن هي كاتبة وصحفية بريطانية حائزة على جوائز عن تغطياتها الصحافية لصحيفة الاندبندنت سابقاً وتقيم في إقليم كردستان العراق منذ 2013.

المواضيع المشابهة