جان دوست يقدّم طبعة محدثة من معجم اللغة الكردية

ريم غنايم

كاتبة فلسطينية

صَدرت حديثًا عن دار نامة- إسطنبول (Name 2018) الطّبعة المحقّقة والمحدثة من معجم اللغة الكرديّة وهو “قاموس الهدية الحميديّة في اللغة الكرديّة”، والذي وضَعَه بالعربيّة ضياء الدّين باشا الخالديّ المقدسيّ، وحقّقه وقدّم له الروائيّ والمترجم الكرديّ السّوريّ جان دوست، الذي يقدّم هذه المرّة للقرّاء الناطقين باللغة العربيّة والكرديّة كنزًا نادرًا في مجال يبتعد عن الرواية والقصّة والشعر طارقًا باب الصّناعة المعجميّة التي أفلَ نجمها في أيّامنا هذه مع طغيان الوسيلة المعجميّة الإلكترونيّة.

هذا الكتاب، الذي طُبع لأوّل مرّة عام 1892 في إسطنبول وظهر في عهد السّلطان عبد الحميد الثاني، لا يقف عند حدود الصناعة اللفظيّة، بل يتجاوزها إلى ما هو أعمق وأكثر ماهويّة لطبيعة اللغة الكرديّة وتنوّع لهجاتها واحتكاكها مع اللغات الأخرى عمومًا، وفي مدّ جسور التّواصل بينها وبين العربيّة على وجه الخصوص. وتتجلّى أهميّة تحقيق وتقديم هذا المعجم في كَونه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعلم النّحو ودلالات الألفاظ، وفي إزالة أيّ ركاكة عن البنية اللغويّة للمفردات، وتصويب اللحن فيها من حركات الإعراب والتّشكيل إلى جانب تجنّب الأخطاء المطبعيّة التي ظهرت في الطبعات السّابقة.

ينقسم الكتاب إلى عدّة أبواب، وقد جاءت في بدايته الرسالة التي وجّهها الدكتور وليد الخالدي إلى جان دوست بالسّماح بإعادة طباعة القاموس استنادًا إلى طبعة إسطنبول سنة 1310/ 1893، وقد جاء في متن الرسالة أن مكتبة الخالدية في القدس تحتوي على أوراق يوسف ضياء الدين وكتبه مع وجود نسخة من “الهدية الحميدية” بطبعة إسطنبول.

يقدّم الكتاب بدايةً نبذة عن حياة المؤلّف ضياء الدين باشا الخالديّ (من مواليد القدس عام 1842 والمتوفى عام 1906). وتلحق النبذة نبذةً أخرى حول حياة الدكتور محمد مكري، الذي كتب مقدّمة القاموس باللغة الكرديّة (والتي تظهر مباشرة بعدها بترجمة الأستاذ راج آل محمد).

خلفيّة تاريخية حول

اللغة الكردية ولهجاتها

اشتملت المقدّمة على خلفيّة تاريخية حول اللغة الكردية ولهجاتها والتطرّق إلى التأثير النحويّ والصّرفيّ للغات الفارسيّة والعربيّة والتركيّة على اللغة الكرديّة. تتطرّق هذه المقدّمة الهامّة إلى اللهجات الكرديّة ومناطقها، وقد أكّد الباحث أنّ “فقر الّصناعة المعجميّة الكرديّة لا تقتصر على لهجات الجنوب فحسب، بل ينبع الفقر من غياب المواد المتعلّقة بلهجات المنطقة ولا سيما الشماليّة منها، أي الكرمانجيّة”.

هذا إلى جانب الاستفاضة في الحديث عن الرموز المكتوبة والمحكيّة، أنواع الفونيمات وأشكال نطق الحروف والتمييزات الصّوتية التي تخصّها (الصّوت الاحتكاكيّ الشفويّ- السني الصائت، الصّوت الحنكي الخلفي الصائت، حروف صوتيّة طويلة خلفيّة تُلفظ بشفاه مدوّرة، حروف صوتيّة أماميّة بشفاه غير مدورة، حروف صوتيّة قصيرة خلفية بشفاه مدورة، حروف صوتية قصيرة أمامية بشفاه غير مدورة، الحروف الساكنة).

يفيدنا جان دوست في خاتمة الكتاب بمعلومات شديدة الأهميّة حول الطبعات السابقة للمعجم والجوانب المهملة فيها دون مبرّر مثل سقوط المقدّمة النحويّة للمؤلّف دون سبب يُذكر فيقول:

“بدايةً حصلتُ على نٌسخة مصوّرة عن النّسخة الأولى في إسطنبول عام 1893 أمدّني بها مشكورًا الأخ حسين زانا من إسطنبول. ثمّ حصلتُ على نسخة مصوّرة من نسخة محفوظة في المكتبة الخالديّة في القدس الشّريف أرسلها لي مشكورًا الدّكتور عاصم الخالدي أحد القيّمين على الأوقاف الخالديّة هناك.  قمتُ بمقارنة النّسختين فإذا هما لا تختلفان البتّة فإذا كلّها نسخ طبق الأصل ولم يفعل مكري شيئًا سوى نسخ الطبعة الأولى. بل إنّه أهمل بدون مبرّر المقدّمة النحويّة الممتازة التي كتبها يوسف ضياء الدين باشا المقدسيّ الخالديّ فحذفها من طبعته وكذلك حذف ما ورد في خاتمة القاموس من تقريظات من كُتّاب عصر الخالدي وأبيات شعر لبعض علماء الكرد في ذلك الوقت]…[ وكذلك شروحات وافية من الخالدي لبعض القصائد الكرديّة إلخ”.

في هذه الطبعة العلميّة المنقّحة والمحقّقة بدقّة تظهر مقدّمة الخالدي للمعجم والتي احتوت على جوانب عدّة تتعلّق باللغة الكرديّة على نحو: ماهيّة اللغة، مبانيها اللغويّة، أحكامها، المصدر، بيان الفعل الماضي، الماضي البعيد، الماضي المحكيّ، الماضي المجهول، نفي الماضي، الفعل الحالي والاستقباليّ، نفي الحال والاستقبال، الأمر، بيان النهي، الرابطة الكرديّة، المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، الأسماء وأحوالها، الضّمير، الكنايات.

احترام عقل القارئ

إلى جانب ذلك، يلحَظُ التفسيرات والشروحات والإضاءات التي قدمها الباحث في فصول الكتاب (من فصل حرف الألف وحتى فصل الميم بعد الياء) والتي تقع في 244 صفحة مبيّنًا أصول الألفاظ، ركاكة الصّياغات، تعدّد الدلالات، موضّحًا مقاصد المؤلّف الظاهرة والباطنة، مموضعًا العبارات والكلمات وفي سياقاتها التاريخيّة والجغرافيّة، ويكون بذلك قد حقق ما يرومه هذا المعجم في تقديم المعرفة وحتميّة العودة إلى هذا القاموس لما يحويه من إفادات علميّة ولغويّة لأصحاب التخصّصات وللعامّة من الناطقين باللغتين العربيّة والكرديّة. وفي القسم الأخير من المعجم، تظهر تسعة تقريظات من كتّاب عصر الخالدي وأبيات شعر وشروحات لبعض القصائد الكرديّة قدّمها الخالديّ مؤلّف الكتاب.

يتميّز المعجم بإطلالة مشرقة وموادّ نابضة بالحياة لغةً وأسلوبًا ومضمونًا، يبتعدُ عن الجفاء المعجميّ ويزهو في كلّ باب بموادّ علميّة مكتوبة بلغة دقيقة بلا إطالات لا طائل تحتها.

مما لا شكّ فيه أنّ هذا الكتاب الذي يقدّمه جان دوست للقرّاء هو هديّة ثمينة بطبعة راقية تحترم عقل القارئ وتُبرز جديّة الباحث في تقديم منتج ندر التعامل معه اليوم، سواء من قبل المحقّقين أو من قبل دور النشر، مما اضطرّ الباحث إلى نشر الكتاب على نفقته الخاصّة بعد أن أخفقت الجهات الثقافيّة المتعدّدة في احتضان هذا المشروع غير الرّبحي، كما جاء في خاتمة الكتاب.

من جريدة العربي الجديد.. 18.8.2018

 

 

المواضيع المشابهة