مارتن فان برنسن

تُرجمت عن الانكليزية. أجرت المقابلة ماري لو ري لموقع  www.ejts.org  (المجلة الأوربية للدراسات التركية)

 

ماري: هل لك أن تقدم نفسك وتعرّفنا كيف أصبحت مهتماً بالمسألة الكردية كباحث؟

مارتن: إنها قصة سردتها مرات ومرات وربما شُذِبت كثيراً بحيث تبدو  تماماً مثلما حصلت. والقصة التي أخبرتها تبدو وكأنها شكّلت ذاكرتي. على أية حال، كنت طالب رياضيات واستمتع بالسفر والترحال. كنت أذهب كل صيف إلى الشرق الأوسط وغالباً ما ينتهي بي المطاف إلى إيران والعراق. أتذكر أول مرة قابلت فيها الأكراد كان في بغداد. الأشخاص الذين قابلتهم أخبروني أن أقرباءهم الذين في الجبال يقاتلون الحكومة وهو ما وجدته مثيراً في تلك الأيام. كان ذلك في 1966 أو 1967. اعتقد أن انقلاب 1971 في تركيا هو الذي أعطاني مزيداً من الاهتمام السياسي في تركيا. مبدئياً كان ذلك فقط بدافع الفضول بأمن غريبة والسفر إلى أماكن يصعب الوصول إليها. بعد الانقلاب أصبحت أكثر اهتماماً وانتسبتُ إلى لجنة تضامن وصادقت لاجئين سياسيين من تركيا. كما إنني راقبتُ المحاكمات التي أعقبت الانقلاب وقد لفت انتباهي بشكل خاص واحدة من تلك المحاكمات التي تخص اكاديمياً حُكِم عليه بالسجن 13 سنة بسبب تأليف كتاب.  لم يكن ذلك الرجل إلا اسماعيل بيشكجي الذي كان قد كتب كتاباً سوسيولوجيا عن الكرد. اتذكر أنني فكرتُ في ذلك الحين أنه إذا ما دخل المر ء السجن بسبب كتابة كتاب عن الكرد، فلابد أنه شيء مهم أن تكتب عن الكرد (يضحك). قضية بيشكجي كانت دافعاً مهماً لي في اتخاذ الكرد كموضوع للبحث الانثربولوجي.  كنت أعرف أنني أعيش في هولندا وأنني لن أدخل السجن بسبب الكتابة عن الكرد ولكنه مع ذلك بدا موضوعاً أكثر أهمية من المواضيع الأخرى.

ماري: ما هي قراءاتك عندما بدأت بدراسة القضية الكردية؟ بأية اللغات كنت تقرأ؟

مارتن:  كان ذلك في أواخر الستينات وأوائل السبيعينات [من القرن الماضي. المترجم] وهي الفترة التي كانت الحركة الطلابية فيها مهتمة جداً بالعالم الثالث وبثورات العالم الثالث، والامبريالية والنضال من أجل التحرر ونظرية التبعية. وكنت أقرأ باللغة الإنكليزية على العموم. قرأتُ للكاتب الفرنسي فرانز فانون عن الثورة الجزائرية ولكن باللغة الإنكليزية. ولكن على العموم كنت أقرأ للماركسيين الجدد من البريطانيين والأمريكيين الذين كانوا منظري الامبريالية. كنتُ أقرأ مجلات من قبيل New Left Review  و Monthly Review بالإضافة إلى الأنثروبولوجية العادية.

ماري: كيف أثرت تلك القراءات على مقاربتك النظرية للكرد؟ وكيف قمت بصياغة الأسئلة التي أردت أن تسألها في مجالك حينئذ؟

مارتن: لقد دَرَستُ الرياضيات بالإضافة إلى بعض الأنثروبولوجية وأردت أن أقوم بدراسة تكون كمية وتعتمد على الدراسة الميدانية الطويلة الأمد.  فكرتُ في الدمج بين دراسة القرية حسب الأنثروبولوجية الكلاسيكية حيث علماء الأنثروبولوجية يعيشون في قرية ما، إذا كان ممكناً، لمدة عامين وبين التحليل الاقتصادي وما تعنيه الإمبريالية والتبعية على المستوى المحلي، أي تحليل المدخلات والمخرجات، والعلاقات الاقتصادية مضافاً إليها علاقات السيطرة السياسية  والسلطة والمكانة المحليين. مثلما تعرفين في الشرق الأوسط يقول الكثير من المنظّرين أنه ليس لدينا في الواقع طبقات اجتماعية بالمعنى الحقيقي وأن المكانة أهم من الطبقة وأن الجماعات العرقية تقف إلى جانب بعضها أكثر من أن يقف العمال الكرد إلى جانب العمال الترك أو الفرس لكونهم طبقة واحدة.  وفي داخل كل جماعة عرقية ثمة علاقات من المحسوبية والمحاباة بين الأشخاص والتي تمنعهم من القيام بأي عمل على أساس المصلحة الطبقية. يُقال أن المكانة الاجتماعية ولا سيما في المجتمعات القبلية أكثر أهمية بما لا يقاس من الطبقة الاجتماعية. ولكن كانت هناك بعض الانتفاضات الفلاحية ضد ملاكي الأراضي في الخمسينات في كردستان العراق وكردستان إيران على حد سواء والتي بدت إلى حد بعيد الحركات ذات الأساس الطبقي. وفي الستينات [من القرن الماضي] قام الشاه بإجراء إصلاحات أدت إلى تكوين طبقة من ملاكي الأراضي المستقلين. لذلك كنت مهتماً كيف سيتبدّى ذلك على المستوى المحلي. كنت أفكر في العيش في قرية في كردستان إيران لمدة دورتين زراعيتين كاملتين وملاحظة المعاملات الاقتصادية ودراسة علاقات التبعية والمحسوبية وما شاكل.

ماري: ماذا عن مشرفيك العلميين، عن بيئتك العلمية في ذلك الوقت؟

مارتن: كان لدي استاذ انثروبولوجية ولكنه لم يكن من المدرسة الأنثروبولجية. فقد كان بنيوياً ومديرياً استعمارياً ولذلك لم يفهم حقاً ما كنت أنوي القيام به. ولكنه كان مشجِعاً مع ذلك. كنت وحيداً حيث لم يكن أحد يدرس تلك الأشياء. في تلك الأيام لم يكن هناك أحد في هولندا يقوم بدراسة انثروبولوجية عن الشرق الأوسط. لقد كان هناك شخص واحد فقط قام بدراسة عن قرية في إيران. لقد كنت وحيداً حقاً وكان ينبغي عليّ أن أفكر في الأمور لوحدي.

ماري: كيف خططت لعملك الميداني؟

مارتن: حسناً، إذا أردتِ أن تقومي بدراسات انثروبولوجية تحتاجين إلى الحصول على الإذن من الحكومة. لم يكن الأنثرولوجيون موضع ترحيب هناك. في تركيا لم أكن أتوقع الحصول على الإذن للقيام ببحث عن الكرد؛ حتى إنني لم أفكر  في تركيا البتة. بدأت التخطيط للعراق في بدايةالسبعينات ولكن كنت أعرف أن حرباً جديدة على وشك الاندلاع.  لذلك لم يتبق لدي خيار سوى إيران.  كانت إيران دولة تدور في فلك الغرب وكان علماء الأنثروبولوجية موضع ترحيب هناك. وكان الكثير  من علماء الأنثربولوجية ولا سيما الأمريكان يقومون بإجراء دراسات في القرية هناك. لذلك تقدمت للحصول على إذن بعمل بحث في إيران.  لم أكن أُدرك أنه حتى في إيران لا يمكن إجراء دراسة عن الكرد. عندما  لم تأت الموافقة، اضطررت أن أذهب إلى إيران بنفسي. أخبرتُ مشرفي أنني سأنتظر الموافقة في طهران. هناك قابلت علماء الأنثروبولوجية العاملين هناك. كان الجميع يسخر مني لأنني اعتقدت أنه بمقدوري دراسة الكرد: ” ألا تعلم أنك غير قادر على إجراء تلك الدراسة؟” لحسن الحظ أنني لم أكن أعلم. وهكذا وبدون الحصول على الموافقة بدأت بالذهاب إلى كردستان حيث كنت أقضي أسابيع وأشهر. لم تأتِ الموافقة بل حصلت على الرفض. طلبتُ الحصول على موافقة أخرى وجاءني الرفض مرة أخرى فتقدمت بطلب على الموافقة مرة أخرى وجاءني الرفض مرة أخرى ولكنهم لم يطلبوا مني أن أغادر البلد. ولكنني كنت قادراً على القيام بزيارات قصيرة إلى المنطقة. كنت أتعلم الكردية في مقهى كردي في طهران. وكنت قد تعلمت الفارسية قبل المجيء إلى هناك. وكنت أعرف أيضاً قليلاً من التركية والتي كنت قد تعلمتها بنفسي أيضاً. وهكذا تعلمت اللهجة الصورانية الكردية في ذلك المقهى. وكان لدي أصدقاء في مهاباد. كنت قد زرت مهاباد من قبل وتعرفت على بعض العائلات التي أقمت عندها وساعدتني كذلك في أن  اقوم بدورة في اللغة الكردية بنفسي. نظراً لأنني لم أحصل على الموافقة لم أكن قادراً على البقاء لوقت طويل في ذلك المكان. لم يتم اعتقالي ولكن كان غالباً ثمة أناس يأتون إليّ ويخبرونني أنه من الأفضل أن أغادر وشعرت أنهم لابد أن يكونوا عناصر سافاك، الاستخبارات الإيرانية،  ليقولوا لي أنني لا استطيع البقاء هناك. تم التحقيق معي عدة مرات. لذلك كان ينغي عليّ أن انتقل من مكان إلى آخر ولم أستطع أن أقوم بالبحث الذي كنت قد خططت له. لكن ذلك كان ممتعاً حيث بدأتُ ألاحظ الاختلافات بين مكان وآخر. ليس فقط الاختلافات ، لنقل في  المكان ، ففي مكان هناك قبيلة واحدة وفي مكان آخر هناك الكثير من القبائل وفي مكان ثالث ليست هناك قبيلة على الإطلاق، بل أنواع مختلفة من العلاقات بالسلطة. في أثناء التنقل قابلتُ بعض الكرد من كردستان العراق. في تلك الأثناء بدأت الحرب وكان هناك لاجئون في المنطقة ولكن أيضاً من الكثير من البيشمركة في حالة ترحال وعندما شرحتُ لهم ما أنا بصدده كانوا يقولون: ” لماذا لا تأتي إلى كردستان العراق؟ لدينا مناطق محررة حيث لا تستطيع الحكومة أن تطلب منك عدم البقاء! كان لدى الكرد العراقيين مكتب في طهران لذلك عندما ذهبت إلى طهران مرة أخرى، ذهبت إلى ذلك المكتب ومنحوني إذنا للقيام بالبحث. أعتقد هم لم يعرفوا مذا يعني البحث الأنثروبولوجي. لربما ظنوا أنني صحفي وربما عميل مخابراتي وكلاهما كانا موضع ترحيب لأنهم [الكرد] يسعون إلى علاقات جيدة مع الدول الغربية. ربما لاحظوا فيما بعد أن علماء الأنثروبولوجية يطرحون أسئلة محرجة ولكنني كنت قد وصلت إلى هناك.

ماري: من إيران إلى العراق ثم قمتَ بعمل ميداني في تركيا…

مارتن:  نعم، لم أحصل قط على الموافقة في إيران وأجبرت على ترك كردستان العراق. كنت هناك في شتاء 1974/1975. وأتذكر أنه في نوروز 1975 كان ينبغي علينا أن نغادر لأن الكرد قد أوقفوا النضال. لقد تخلى عنهم الشاه والأمريكيون.  كانت القوات الإيرانية قد انسحبت وقطعت كل مساعداتها. فكان على الكرد الاستسلام. حوالي 50000 ألف شخص قد فروا من إيران وكنتُ واحداً منهم. عندئذ استمريت فيما كنت أقوم به. استمريت في التنقل في كردستان إيران. في هذه الأثناء كان مخطط بحثي قد تغير فقط بات أكثر ميلاً للمقارنة وأقل عمقاً. باتت المقابلات حينئذ أكثر أهمية وركّزت أكثر على علاقات النفوذ والسيطرة على الموارد الاقتصادية فقررت أن أُدخِل تركيا وسوريا في المقارنة أيضاً. بالمجمل قضيت حوالي السنتين في المنطقة ولكنني كنت أنتقل من جزء إلى آخر.

ماري: ماذا عن العوائق الخاصة التي واجهت في عملك الميداني في تلك الدول المختلفة؟ يبدو لي أنها كانت أيسر  في العراق.

مارتن: نعم. رغم أنه كان لديّ حرس شخصي طوال الوقت لكنه كان طالباً شاباً وبات مهتماً جداً بالأسئلة التي أطرحها. أتذكر أنه اكتشفنا أنه ثمة علاقات إقطاعية وأن الفلاحين مضطهَدين ومستغَلين من قبل الإقطاعيين. كان عليهم أن يدفعوا النقود ويقدموا الخدمات أيضاً. لقد تم تحريرهم من الإقطاعيين على يد البارتي [الحزب الديمقراطي الكردستاني-العراق. المترجم]. ولكن كان على الفلاحين أن يقدموا الخدمات ذاتها والنقود نفسها للبارتي! فقادة الحزب، وهم أناس ينتمون إلى الدائرة الضيقة المحيطة بالملا مصطفى البارزاني، كانوا الإقطاعيين الجدد. فقد كانوا يفعلون الأشياء ذاتها وبالنسبة للفلاحين لم يتغير أي شيء. ومرافقي الذي رأى كل هذا بات أكثر انتقاداً. وأصبح فيما بعد من أوائل أعضاء أ.و.ك  (الاتحاد الوطني الكردستاني) حين قام الطالباني بإقامة تنظيم مستقل منافس لعائلة البارزاني.

ماري: كيف سار العمل الميداني في تركيا؟

مارتن: أول شيء فعلته هو أنني عبرتُ الحدود من إيران إلى يوكسكوفا. ذهبتُ إلى وان ومن وان باتجاه الجنوب ومشيت كل الطريق إلى جزيرة [بوطان]. كان الفصل ربيعاً والبدو مقيمون في الجبال. كانت هناك دراسة قرأتها  عن بدو المنطقة  للجغرافيّ الألماني ولفغانغ هوتروث Wolfgang Hütteroth  (1959-1961) وهي دراسة مهمة وجيدة جداً. أردتُ أن أذهب إلى المكان الذي ذهبَ إليه ورؤية بعض البدو الذين كتب عنهم. ونمت لأول مرة في حياتي في خيمة للبدو. هناك شعرتُ بأنه ما من شرطة وأنك حر تماماً. كان ذلك في 1975 قبل [ظهور] PKK بوقت طويل. لكنني لاحظتُ فيما بعد أنه تم التحقيق مع البدو بسببي. قد لا تعتقلني المخابرات أو تحقق معي ولكن من تكلمت معهم  قد يكونون في خطر. لذلك أصبحتُ أكثر حذراً. في الجزيرة وجدتُ حامياً آخر وهو شيخ. لقد كنتُ قد التقيت ببعض الشيوخ في إيران وبدأ افتتاني بالصوفية. بعد ذلك سمعتُ أنه هناك عائلة شيخ. كان شاباً وقد أحبننا بعضنا بشدة وأصبحنا أصدقاء ونظراً لاستمتاعه ببعض الاستقلالية فقد عرض عليّ استضافتي في بيته ومن ثم في قريته دون أن تُطرح الكثير من الأسئلة. ولأن الكثير من الناس كانوا يأتون لرؤيتهم استطعتُ أن أُجري مقابلات.  إضافة إلى ذلك وبسبب بعض اتصالاتي السابقة مع اللاجئين السياسيين وبسبب عملي في لجنة التضامن كانت لدي بعض الاتصالات في عدة أماكن في تركيا بما في ذلك ديار بكر قبل أن أبدأ بإجراء بحثي. بعض الأشخاص ممن كنت على اتصال بهم كانوا معلمي مدارس. قبل انقلاب 1971 كانت هناك نقابة مهنية للمدرسين. بعد ذلك تم حظر النقابة. ليس لدى المعلمين الحق في الاضراب لأنهم ليسوا عمالاً.  لذلك لم يعد لديهم نقابة مهنية حيث بات لديهم الآن جمعية الوحدة والتضامن بين مدرسيّ تركيا.  من خلال تلك الجمعية التقيتُ ببعض المعلمين الذين كانوا يعملون في القرى. ذهبتُ إلى عدة قرى ومكثتُ هناك حيث كان المعلم يمنحني بعض الشرعية. تدريجياً تعلمتُ قدراً كافيا من الكرمانجية المحكية، ربما ليس ككردي حقيقي ولكنها مقبولة عندما كنت أقول بأن “أبي كان من هنا ولكنني ترعرت في أوربا”. والكردية، على أية حال، ليست لغة معيارية (قياسية) ولا تستطيع الناس أن تتخيل أن الشخص الذي يتكلم الكردية ليس كردياً. وكان لديّ شارباً كبيراً ظننت أنه قد يساعدني في أن أبدو مثل السكان المحليين واشتريت ملابسي من السوق المحلية حتى لا تبدو مختلفة بشكل واضح. وقد بدأت  أقلد لغة الناس الجسدية أيضاً. واعتقد أنني لم أبدو مختلفاً بشكل واضح بحيث كنت أستطيع غالباً أن أبقى في القرى. ولكن كان هناك دوما الجندرمة التي ستسمع عاجلاً أو آجلاً أنني غريب في القرية ويأتون ليسألوا ماذا أفعل. حسناً، كنتُ أزور صديقي المعلم، ولكن ما هي المدة التي تستغرقها زيارة صديق؟ لذلك كان ينبغي عليّ أن أجد أعذاراً مختلفة وأماكن مختلفة للإقامة في القرية. ولكنها نجحت على العموم. الفترة الفاصلة ما بين 1975-1976 ربما كانت أكثر الأوقات حريةً. بعد ذلك بات أصعب عليّ أن أقوم ذلك.

ماري: كيف قمت عملياً بجمع البيانات في الميدان؟

مارتن: كنت أُجري المقابلات، والمقابلة كانت عبارة عن حديث وفي المساء أدوّن ملاحظاتي. نادراً ما كنت أسجل المقابلات. كانت لدي مسجلة بالطبع ولكنها تجعل الناس يشكون، لذلك لم أكن استعملها. معظم عملي كان يعتمد على الملاحظة أ كثر من أي شيء آخر. كنت أجلس في المضافة حيث يجتمع الناس. وإذا ما تابعت الحديث ستلاحظ أيضاً الاختلاف في المنزلة. كانت [المضافة] مكانا رائعاً لدراسة كيف يعين الناس مكانتهم الاجتماعية. الخارطة الاجتماعية مسلّطة على المخطط الجسماني للمضافة وحين لا يبدِي الجميع سرورهم من التراتب الطبقي يمكنك ملاحظة ذلك. ويمكن للناس أن يتحدثوا عنه فيما بعد. كنت في غاية السعادة في الحقيقة أن أقوم بإجراء البحث هناك حيث شعرتُ أنني أدخل في المجتمع وبدأت أفهم. لقد أحببت الناس حقاً. لقد كان ذلك مهماً جداً بالنسبة لي ككائن اجتماعي فقد كنتُ انعزالياً ممن يستمتع بالكتب أكثر من رفقة البشر. عندما أجريتُ البحث، كان ينبغي عليّ أن أقوم بذلك وأن أتعلم كيف أكون شخصاً اجتماعياً. اعتقد أن الكرد  هم من جعلوا مني إنساناً وأنا أشعر بالامتنان لهم وأعني أن أقول أن الكرد مهمون جداً بالنسبة لي.

ماري: متى ولماذا اخترت اندونيسيا حقلاً آخر للبحث؟

مارتن: أنا لم أختر أبداً العمل عن أندونيسيا. كان هناك انقلاباً آخر في تركيا في عام 1980 وسمعتُ أن اسمي مدرج على لائحة الأشخاص غير المسموح لهم بدخول تركيا. لكن ذلك لم يكن يعني الكثير لأنه يمكن الذهاب إلى هناك بسهولة إذا لم تستخدم الطائرة. كان لديهم معالجات الكمبيوتر موجودة فقط في انقرة واستانبول. كنت أستطيع أن أذهب عبر سوريا أو كوشداسي دون أن أُلاحظ. ولكن، من حيث المبدأ، لم أكن موضع ترحيب لفترة من الزمن.  كنت في العراق أثناء الثورة وبعد الثورة أيضاً وذهبت إلى العراق مرة أخرى في 1978 و 1979 وكانت تلك آخر مرة استطيع الذهاب إلى هناك. أحد الذين كانوا يعملون في السفارة [العراقية] في هولندا والذي استقال بعد أن وُجد أنه يعمل سراً لصالح الطالباني، أخبرني أنني على القائمة السوداء في العراق وأنني أُعتبر عميلاً صهيونياً خطيراً جداً! لذلك عرفتُ أنني لن استطيع الحصول على الموافقة بعد ذلك.  وبما أنني أنه غير مرحب به في تلك الدول، فكرت أنه ينبغي عليّ أن أجد مكاناً جديداً. وضعت آمالي على أفغانستان. وكنت قد بدأت بالقيام ببعض العمل في أفغانستان. وعندما غزا الروس أفغانستان، لم أعد قادراً على الذهاب إلى هناك أيضاً. كنت عاطلاً عن العمل. في هولندا تحصل على إعانة البطالة فقط في حال الاستمرار في تقديم الطلب على العمل. كنتُ أكتب مقترح بحث له علاقة بالكرد أيضاً ولكن كان ينبغي أن أتقدم بالطلب. حصلت على أول عمل ورفضته، حصلت على عمل آخر هم قبلوني وأنا رفضت. [حسب القوانين الهولندية] يمكن رفض العمل مرتين فقط. بعد ذلك رأيت اعلاناً يقول أنهم بحاجة إلى حامل شهادة دكتوراه للعمل في اندونيسيا. فقلت أنا أحمل الدكتوراه وأنني لم أقرأ أبداً أي شيء عن اندونيسيا ولكنني مهتم بالعمل. واسندوا العمل إلي. لذلك لم تكن [اندونيسيا] اختياري إنها الصدفة هي التي قادتني إلى اندونيسيا. في البداية ظننت أنها فترة قصيرة لعام أو عامين. ولكنني ظللت عالقاً هناك لمدة عشر سنوات. وغالباً أذهب إلى هناك حتى الآن.

ماري: ماذا عن بعد المقارنة في هذا البحث الذي يتضمن إيران وتركيا؟[1]

مارتن: […]  لقد وجدتُ نفسي أهتم كثيراً بالطرق الصوفية في كردستان وأدوارها السياسية. ووجدت الطرق الصوفية ذاتها في اندونيسيا. إضافة إلى ذلك وجدتُ تأثيراً كردياً غير مباشر على الإسلام في اندونسيا وخاصة بما يخص التصوف رغم أنه  لم يذهب  أي كردي إلى هناك. كان الاندونيسيون والكرد يلتقون في مكة والمدينة. في الماضي كان الكثير من الاندونيسيين يدرسون على يد مدّرسين أكراد. والاندونيسيون يربطون الكرد بالاسلام. ويطلقون الآن اسم “كردي” على الرجال في العائلات التقية.

ماري: بالعودة إلى عملك عن الكرد. لقد كان أول منشور لك في تركيا عبر مجلة   Özgür Gecelek لمحمد بيرق. كيف وصلت إلى تلك النشرة؟

مارتن:  لقد نشر جزءاً من الكتاب (الآغا والشيخ والدولة: البنى الاجتماعية والسياسية في كردستان) في تلك المجلة في عام 1988 قبل أن نتعرف على بعض. وقد أُخذ إلى السجن بسبب ذلك.  وقد قابلته بعد ذلك عندما كان على وشك نشر الكتاب كاملاً. لم تكن الترجمة جيدة جداً وظننتُ أن عليه أن ينتظر ترجمة أفضل ولكنه استمر لأنه اعتبر نشر الكتاب بمثابة بيان سياسي. كانت مشاعري متناقضة حيال ذلك لأن نصوصي كانت مترجمة بشكل خاطئ ولم تكن مقروءة بالتركية بشكل جيد.  كانت المترجمة طالبة أنثروبولوجيا ولكنها لم تتجراً أن تأخذ حريتها في الترجمة. لذلك قامت، لسوء الحظ، بالترجمة الحرفية. لكن بيرق كان محقاً في أن ذلك هو التوقيت الصحيح لنشر كتاب كهذا.  ويا له من توقيت مذهل تلك السنوات من فترة [حكم] أوزال  حيث القضايا التي كانت في السابق محظورة باتت فجأةً تناقش بشكل علني. ظننت أنني لن استطيع في حياتي  أبداً أن أعود إلى تركيا بشكل رسمي. كنت مسروراً للغاية في أن أرى نتاجي مطبوعاً وأنني أصبحت موجوداً في تركيا بفضل محمد بيرق. ربما كان ذلك هو أول كتاب يوجد في عنوانه كلمة كردستان. وكانت تلك الانطلاقة.  واشعر بالفخر أنني بشكل غير مباشر كنت وسيلة محمد بيرق للحديث عن الكرد بشكل مطبوع.

ماري: ماذا عن البحث غير الأكاديمي عن القضية الكردية؟ دور الصحفيين و”كتاب-البحث”،  (arastirmaci-yazar)  وهم على الأغلب من الكرد كان بارزاً في انتاج المعرفة. كيف استفدت من تلك المصادر؟

مارتن: لا أعرف بمن تفكرين عندما تقولين كتاب البحث  arastirmaci-yazar فالبعض منهم عقائديون سياسيون ممن يخلقون وقائعهم المناصرة أو المناوئة للكرد. ولكن هناك الكثيرون ممن قدموا مساهمات قيمة جداً. هناك مؤرخون مثل شوكت بيسان أوغلو الذي كتب الكثير من الكتب عن ديار بكر، لكن كلمة “كردي” لم توجد في كتبه. لكنه يذكر الأرمن من حين لآخر. ما أعنيه هو أنك إذا قرأت كتبه بإمعان، فإنك ترين أنه تجرأ على معالجة هذه القضية في وقت مبكر من الستينات. وهو يشرح أنه بعد زوال الأرمن، فإن اقتصاد مناطق معينة انهار لأن حرفاً معينة تلاشت. فهو يذكر زوال الأرمن والخسارة الاقتصادية ولكنه لا يذكر كيف اختفى الأرمن. وهو كديار بكري ناطق بالتركية كان ينبغي عليه أن يكون لديه مشاعر غامضة عن الهوية الكردية مثل [ضيا] غوكالب الذي كان يكن له الاعجاب. غوكالب نفسه كانت له علاقة وثيقة بالهوية الكردية رغم أنه قرر أن يكون تركياً وليس كردياً. فقد كان تركيا وديار بكرياً. في أواخر حياته عندما بدأ الموقف السياسي في تركيا يتغير، بدأ بيسان أوغلو يلمح أنه كردي في الحقيقة. أعتقد ان اناساً مثله قد كتبوا أشياء هامة جداً من وجهة النظر التاريخية وحتى الاجتماعية رغم أنهم ليسوا علماء اجتماع ولم يتلقوا تعليماً أكاديمياً.

لدينا الكثير من الكرد المتلزمين وغير الملتزمين سياسياً ممن يكتبون عن التاريخ والمجتمع الكرديين. البعض منهم يكتبون نوعاً من الهراء والبعض الآخر يكتبون أشياء جيدة. أفضلهم ربما روهلات آلاكوم ومالميسانج اللذين كتبا كتباً تضاهي بسهولة الكتابات الأكاديمية. هم لاجئون سياسيون في السويد طبعا وتطوروا فكرياً. لكننا نجد بعض الناس الذين لم يغادروا تركيا ويكتبون أعمالاً رائعة ذات النفس البحثي الجيد مثل كتاب محسن كزل كايا  Muhsin Kizilkaya  عن اللصوصية الاجتماعية وكتاب مسلم يوجَل Muslum Yucel  عن الموت والانتحار والهجمات الانتحارية. أو المؤرخ الذي ثّقف نفسه بنفسه كوردال أكسوي Gurdal Aksoy الذي انشغل بشكل انتقادي بعلم التأريخ القومي الكردي.

كتاب البحث  arastirmaci-yazar ذو تأثير،  خاصةً فيما يتعلق بالمناقشات عن العرق والهوية العرقية التي كانت بارزة بشكل خاص في فترة التسعينات ولا سيما ما يتعلق منها بأسئلة مثل: هل الزازائيون أكراد أم شعباً مختلفاً وهل العلوية الكردية مختلفة عن العلوية التركية وهلم جرا.

ماري: ما مدى تأثير هؤلاء الكتاب على الرأي العام الكردي وعلى القضية الكردية؟

مارتن: الرأي العام في تركيا منقسم إذ ليس هناك رأي عام موحد. فثمة ناشرون ينشرون لقطاع محدد من القراء وما من أحد آخر [خارج ذلك الإطار] يشتري تلك الكتب.  وحتى يومنا هذا حيث بات من المقبول الحديث عن الكرد أو العلويين ومع ذلك هناك ناشرون ينشرون فقط للقراء العلويين ولا أحد غيرهم يشتري كتبهم. وهناك ناشرون ينشرون فقط للقراء الكرد. دار آفستا تقوم بنشر كتب ممتازة، ولكن لسوء الحظ، لا اعتقد أن الكثير من الأتراك يدركون وجوده حتى. أنا محظوظ لأنني التقيت بـ(مراد بلكه) Murat Belge  وعمر لجينر Omer Leçiner الشخصين اللذين أسسا دار التشيم  Iletișim وهي دار نشر هامة في الاتجاه السائد والذي تُقرأ كتبه من قِبل قطاع واسع من الطبقة المثقفة.  وعندما اعتقدوا أنه آن الأوان، قاموا بنشر بعض من كتاباتي باللغة التركية. وأنا أعتقد أن ذلك شيء هام على الصعيد الشخصي من جهة التقدم المعرفي. كتابي الأول عبارة عن مجموعة من المقالات نُشر تحت عنوان Kurdistan üzerine Yazukar (1992). أعتقد أنها أول دراسة اكاديمية عن الكرد يقرؤها الكثير من الأتراك الذين ما كانوا يقرأون كتابات الآخرين. بعد ذلك قاموا بنشر ثلاثة كتب أخرى لي وجميعها بيعت بشكل جيد بما فيها ترجمة جديدة وأفضل بكثير لكتابي الآغا والشيخ والدولة. لذلك أعتقد ان صداقتي مع مراد بلكه وعمر لجينر جعلتني إلى حد ما شخصاً مقبولاً. في هذه الأثناء كان الكثير من الناس يكتبون كتباً أكاديمية وتمت ترجمتها وربما قُرِأت  على نطاق واسع مثل روبرت أولسن )1993). وأنا من اقترحت على التشيم بنشر مجموعة من كتابات حميد بوزأرسلان.  حميد أرسلان باحث ممتاز ولكنه غير معروف جيداً في تركيا لسوء الحظ. ولسبب ما لم ينشروا كتابا لبوز أرسلان ربما بسبب تجربة لهم  كتاب مهم آخر .  ففي 1999 قاموا بنشر كتاب وديع  جويدة عن الكرد وهو عبارة عن اطروحة لنيل شهادة الدكتوراه من عام 1960 لم تُنشر بشكل لائق ولكنها مع ذلك تبقى من أهم الكتب الكلاسيكية عن تاريخ القومية الكردية. (نُشرت هذه السنة باللغة الإنكليزية من قبل Syracus University Press)  أنا لم ألتقِ أبداً بجويدة ولكنني أعتبره استاذاً لي لأنني تعلمت الكثير من كتابه هذا. وهو مسيحي عراقي يتكلم العربية، كلداني وُلد في الجنوب والذي بحكم منصبه كموظف مدني انتقل كثيراُ في شمالي العراق. فقد كان يعرف كل الآغوات الرئيسيين وعرِف كيف يفكرون. بعد ذلك قام بالبحث في الأرشيف في بريطانيا. وكتب تاريخاً رائعاً عن بروز الوعي القومي في عام 1960 قبل أن يتحول إلى حركة سياسية كبيرة.  كل الباحثين اللاحقين مدينون لهذا الكتاب، لذلك كانت فكرة جيدة لدار التشيم أن تقوم بنشره  باللغة التركية. ولكنه جاء في توقيت خاطئ وسرعان ما تم حظره, أعتقد أن الحظر قد رُفع الآن ولكنهم لم يقوموا بإعادة نشر الكتاب. واعتقد أنه بسبب ذلك كانوا غير مستعدين أن ينشروا كتاباً آخر عن  القومية الكردية. وأنا أعتبر نفسي محظوظاً مرة لأنني قمتُ بالبحث في وقت كان التنقل فيه مسموحاً ومرة أخرى لأن كتبي ظهرت في وقت الانفتاح حيث الكثير من الأشياء باتت ممكنة والكثير من الناس لديهم الفضول للمعرفة. لذلك أنا مشهور في تركيا لأن كتبي ظهرت في وقت معين كانت هناك اقبال عليها. أعتقد أن التشيم وضعت كتاب حميد في قائمة الانتظار بعد الحظر على كتب جويدة وإلا ما من سبب  يمنع نشر كتب حميد. حيث أن كتبه ستكون مقبولة في تركيا كما اعتقد وهي جيدة جداً.

ماري: ما هي الانتقادات التي وُجهت لك بعد نشر و ترجمة كتابك الأول: الآغا والشيخ والدولة: عن التنظيم الاجتماعي والسياسي لكردستان؟

مارتن: سلمتُ اطروحتى في عام 1978 وطبعت بصورة شخصية نحو 800 نسخة وجدتْ على نحو ما طريقها إلى الجالية الكردية. ولذلك سمع الكثير من الكرد  عن الكتاب ولا يزال بعض الكرد المسنين يحتفظون به في بيوتهم. وأحياناً يأتي إليّ طلاب ويقولون “لقد وجدت نسخة من هذا الكتاب، هل تستطيع أن توقعه لي؟” ثم، وبسبب نمط حياتي غير الطبيعي والسفر كثيراً لم أعثر على ناشر حتى وقت متأخر. في عام 1992 نُشر الكتاب من قبل زيد بوكس بعد أن تم تنقيحه قليلاً ولكنها ليست طبعة مقنِعة تماماً. لم أكن قريباً حينها وكانوا يحتاجون إلى تصحيح كافة العبارات التي كتبتها بالكردية. وكان لديهم شخص يتكلم العربية وظنوا أن الكردية نوع من العربية ولذلك “قاموا بتصحيح” الكثير من الأشياء. وكان ينبغي عليّ أن أصححها مرة أخرى وأصحح حتى أسماء الأشخاص. لذلك لست راضياً عن الكتاب. عندما كنت في أندونيسيا قام أصدقاء في ألمانيا بترجمة الكتاب إلى اللغة الألمانية ولكن الترجمة لم تكن جيدة أيضاً ولكنها جعلتني مشهوراً في ألمانيا (ظهرت ترجمة أفضل في عام 2003). في ألمانيا جالية كردية كبيرة وفيها عدد كبير من الطلاب. لذلك عندما رجعتُ من اندونيسيا، حوالي 1990، أدركتُ أن الترجمة الألمانية قد انتشرت. وفيما بعد تُرجم الكتاب إلى الصورانية. وقد عُرِض عليّ عملا في برلين بسبب تلك الترجمة. بين 1996-1997 كانت استاذاً زائراً للدراسات الكردية في جامعة برلين الحرة وأعتقد أنه بشكل رئيسي بسبب ذلك الكتاب أصبحتُ مشهوراً. لكنك تسألين عن الانتقادات والتقييم.

حسناً، أحياناً يكتب إليّ أكراد أو يتصلون بي بواسطة الهاتف أو البريد الالكتروني عن أقارب لهم ذُكروا في الكتاب وأحياناً يصححون لي أو يعطونني بعض المعلومات الاضافية. لقد طلبت مني جمعيات كردية أن ألقي فيها محاضرات. وعادة لا أرفض الطلب من قبل الكرد.  لذلك جرت الكثير من النقاشات ودوماً تعلمت الكثير من مواجهة أفكاري مع الناس. وقد أخبروني بعض المرات “هناك الكثير من الكتب عن الحركة السياسية الكردية، ولكن كتابك هو من الكتب القليلة التي تتحدث عن مجتمعنا.” بشكل عام استجابة الكرد ايجابية جداً حتى عندما انتقد قادتهم. أنا مسرور جداً أن كتابي تُرجم إلى اللغة التركية حتى يستطيع الكثير من أكراد تركيا قراءته. أما في العراق فقد كانت الترجمة الصورانية سيئة. ولكنها مكًنت الناس من قراءته على أية حال. وثمة الآن ترجمة فارسية جيدة جداً أفضل من الأصلية. كما إن ترجمة جديدة صدرت في العراق. أنا أفكر هنا كأنثروبولوجي حيث من المهم جداً أن يستطيع الناس الذين تكتب عنهم أن يكونوا قادرين على قراءة ما كتبته عنهم وأن ينتقدوك, وأن ينخرطوا في النقاش فأنا أتعلم الكثير من هذه الأشياء.

ماري: هل تعتقد أن انتشار المعرفة الأكاديمية عن الكرد في تركيا كان ينبغي أن تمر عبر وسائل الإعلام غير الأكاديمية؟

مارتن: نعم بالتأكيد. ففي حالة الكرد والجماعات العرقية الأخرى في تركيا لن يأتي الاعتراف والحقوق الثقافية من تلقاء نفسها. فقد أُجبرت الحكومة على أن تتخلى عن الإنكار الرسمي لأن الرأي العام بات يتقبل وجود الكرد كحقيقة بديهية. ولسوف نرى الشيء ذاته إزاء المسألة الأرمنية حيث تتغير بالأول شروط المناقشات العامة  ومن ثم يتم تبني السياسات. وهذا يفرض على الباحثين الذين يعملون على هذه القضية الحساسة أن ينزلوا من برجهم العاجي. إن كل أكاديمي يعمل في ذلك الحقل له ارتباط سياسي وله ربما تجليات لمشاركات سياسية، ولكن من المبالغة بمكان القول أننا نساهم في تشكيل الوعي. إن تركيا على الأقل بحاجة إلى مناقشة عامة واعتقد أن الأكاديميين لهم وظيفة هامة ليقوموا في التحريض على القيام بذلك النقاش وإثارته. بالطبع ثمة أناس لديهم وجهة نظر متزمتة  وغايات سياسية والذين يريدون أن يضعوا خطة لوجهة نظر واحدة تمثل ما يعتبرونه حقيقة. أعتقد أننا كأديميين ينغبي ألا نفرض ببساطة نسختنا من “الحقيقة” فحسب بل أن نشكك في الروايات الرسمية وأيضاً بدلاءها وتقديم حجج جيدة ولا سيما الحقائق غير المناسبة التي يتم تجاهلها عن قصد أو لا.

ماري: ماهي مكانة الخبرة العلمية في السياسات المتعلقة بالقضية الكردية وما هي في الوقت الحاضر؟

مارتن: جميع الحكومات لديها مصلحة في الأعمال الأكاديمية وخاصة إذا ما استطاعت تطويعها كتسويغ لسياساتها أو إذا ما كانت مفيدة لتنفيذ تلك السياسات. أما الأعمال الأكاديمية التي تحاول تغيير الخطاب العام (الشعبي) والتي تصنع في المحصلة السياسة، فإنها في وضع أكثر صعوبة. التغيرات السياسية الرئيسية ينبغي، عادة، أن يرافقها تغيراً في النقاش العام.  بالطبع كان هناك تغيراً تكنولوجياً أيضاً وخصصة لذلك وصلت القنوات التلفزيونية الفضائية  [إلى عامة الشعب] وكانت هناك قنوات خاصة في تركيا. لقد بات الكرد مرئيين بشكل علني في تركيا بفضل التلفزيونات الخاصة والتي يعود الفضل فيها أيضاً إلى أوزال. كان هناك برنامج اسمه Siyaset Meydani وكان برنامجاً هاماً في ذلك الوقت وساهمت الكثير من المناقشات في ذلك البرنامج في تغيير الخطاب الشعبي في تركيا. كما كان هناك حدث مهم آخر وهو أن محمد علي بيراند –وهو صحفي يعمل حاليا لقناة CNN Turk –قام بزيارة عبدالله أوجلان. وقد نُشرت المقابلة في صحيفة مللييت (في الخامس عشر من حزيران/يونيو 1988). على الصفحة الأولى كانت هناك صورة لأوجلان وهو يلعب كرة القدم ويقول أنه من مشجعي فريق غالاتا سراي. فجأة الرجل الذي كان شيطاناً  أصبح إنسانا مثلنا. أشياء كهذه كان لها تأثيراً كبيراً على السياسة ولكنها تمر عبر المجال العلمي.

ماري: كيف حال الدراسات الكردية في هولندا؟ مع من علمت وتعمل الآن؟

مارتن: أعتقد أنني أول أكاديمي قام بدراسة الكرد. ولكن كانت هناك لجنة تضامن صغيرة، جمعية كردستان الدولية، قبل أن أبدأ بالعمل. كانت [الجمعية] عبارة عن رجل واحد مع عدة مساعدين أصبحوا مهتمين بالكرد. كان مهتماً بالقومية وأعتقد أن له خلفية غريبة. ولكن على أية حال كان لديه مجموعة ضخمة من الكتب والوثائق عن الكرد وكان ينشر صحيفة عن الكرد. عندما أصبحت مهتما بالكرد، اتصلت بذلك الرجل وعرفت منه القليل جداً عن الكرد . لم أدرس في قسم الدراسات الشرقية أو أية لغات ذات صلة بها بشكل رسمي، ولكن لحسن الحظ أنني التقط اللغات بسرعة. لم أكن على اتصال بأية أشخاص في ذلك الحقل، بل لم أكن على دراية بأي شخص يقوم بالدراسات الشرقية في هولندا في ذلك الوقت. خلفيتي الأكاديمية كانت في الرياضيات والفيزياء وقليل من الأنثروبولوجيا. والأنثروبولوجيون الذين عملت معهم كانوا يقومون بدراساتهم في أجزاء أخرى مختلفة في العالم. لذلك لم أبدأ من بعض الخلفية الأكاديمية عن المنطقة، بل بدأت بالنبش. كل ذلك تغير بالطبع عندما تدفق اللاجئون السياسيون الكرد العراقيون [إلى هولندا ] في عام 1975 وأواخر السبعينيات من تركيا. شهدت الثمانينيات أمواج ضخمة من اللاجئين السياسيين، ومن بينهم الكثير من الكرد. وبسبب الأعداد الكبيرة من الكرد، بات المزيد من الهولنديين مهتمين بهم.

بحلول الثمانينيات، تجد أن الكثير من الناس باتوا متلهفين لمعرفة المزيد عن الكرد وتعلم لغتهم من عمال اجتماعيين ومحامين وناشطين في مجال حقوق الإنسان ممن أقاموا علاقات صداقة أو عشق مع الكرد الذين يعيشون هنا [في هولندا]. في عام 1985 رجعت إلى جامعة اوتريخت مرة أخرى نحو عام وأعطيت دورة في اللغة الكردية (في قسم الدراسات العربية والفارسية والتركية) ولدهشتي حضر الكثير من الناس تلك الدورة.

فيليب كرينبروك، الذي كان يعلّم الفارسية في حينه، بات مهتماً باللغة الكردية، وبعد الدورة التي أعطيتها بدأ بتعلم الكردية. هو الآن بروفيسور في كوتنكين Gottingen وأبرز عالم كردي في ألمانيا. لقد درّس في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن لفترة من الزمن وإحدى طالباته هناك، كريستين أليسون، تقوم  بتدريس اللغة الكردية في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية في باريس. طالب آخر من تلك الأيام الأولى في أوتريخت هو مارغريت دورليان Margreet Dorleijn  التي كتبت بحثاً مهما عن اللسنيات الكردية ودرّست اللغتين الكردية والتركية في جامعة أمستردام لفترة من الزمن. لذلك، كما ترين، فإن شبكة كاملة  بدأت بالتشكل تدريجياً. هنا في هولندا لدينا عدة لجان تضامن والعديد من أفرادها تابعوا مسيرتهم الأكاديمية بالعمل على مواضيع كردية. أحد طلبتي، يوست يونغردن Joost Jongerden   بدأ كخبير في الشؤون التركية لدى منظمة العفو الدولية وتنقل كثيراً في كردستان. في بداية هذا العام أنهى أطروحة عن العودة إلى القرية. كما كتب العديد من المقالات  عن الموضوع وبالاشتراك مع بول وايت حرّر كتاباً عن العلويين. زميل آخر شاب علمتُ معه كثيراً هو ميشيل ليزنبيرغ Mischiel Leezenberg  وهو فيلسوف ولغوي كتب أيضاً بعض الكتب الجيدة جداً عن كردستان العراق.

كان لدينا العديد من لجان التضامن الكردستانية. كانت هناك واحدة في السبعينيات وواحد أو اثنان من أعضائها أصبحوا صحفيين الذين يكتبون أحياناً عن الكرد ولا يزالون مهتمين بالكرد. فيما بعد باتت هناك لجان تضامن سياسية يسارية  أكثر . ولكن، مثل الكرد أنفسهم، فإن هذه اللجان لم تتعاون بشكل جيد. فقد انقسمت واختلفت …الخ مع بعضها.ولكن يبقى شيء منها دائماً. كما كانت هناك العديد من المجلات. في بداية الثمانينات كانت هناك مجلة “تركيا وكردستان” في هولندا. وعندما أصبح مناصرو PKK أكثر تنظيماً، أصدروا بالطبع مجلاتهم الخاصة بهم. ووجدوا بعض الهولنديين لكي يعملوا معهم. لا يلعب الكرد دوراً هاماً في النشر هنا. هناك أيضاً جمعيات طلابية كردية وجمعيات خاصة بـPKK ومناصريه. آخر جمعية كنت فيها تفككت لأنه لم يكن لدينا الوقت وربما أيضاً لأننا لم نكن نحمل نفس الرؤى. العديد ممكن كانوا في تلك الجمعية لا يزال على اتصال ببعضهم بانتظام وأحياناً يقومون بأشياء بشكل مشترك.

بخصوص الجامعة بشكل أكثر تحديداً، رجعت من إندونيسيا بشكل نهائي في 1994 واستقريت في هولندا مرة أخرى. في تلك الأثناء كنت آتي وأذهب ولكنني كنت أعيش في إندونيسيا بشكل رئيسي. حصلتُ على عمل هنا كمحاضر في الدراسات التركية والكردية في قسم الدراسات العربية والتركية والفارسية حيث أعطيت أول دورة باللغة الكردية في أواسط الثمانينيات. وقد تعلمت التركية العثمانية أيضاً هناك وعملتُ مع الزملاء على أوليا جلبي والمصادر العثمانية الأخرى عن الكرد (فان برونسين وبيسخوتين Boeschoten    1988) بقيت لعدة سنوات أدرّس اللغة الكردية والتاريخ الكردي جنباً إلى جنب التاريخ العثماني وتاريخ الشرق الأوسط. لكنني انتقلت تدريجياً إلى الدراسات الإسلامية بسبب حاجات الطلاب وسياسات الجامعة. في الوقت الحاضر ليس هناك قسم الدراسات الكردية بشكل رسمي في الجامعات الهولندية، لكنني أشرف على عدة طلاب يقومون بدراسات عن الكرد. لكنهم يقومون بذلك في إطار فرع الأنثروبولوجيا أو التاريخ وليس في إطار الدراسات والحضارات الشرقية؛ هم من قرر أن يعملوا اطروحاتهم ضمن حقل الأنثروبولوجيا التي صدف أنها عن الكرد.

ماري: ماهي مجالات البحث والأطر النظرية لهؤلاء الطلاب العاملين عن الكرد؟

مارتن: حسنا، لدي القليل جداً من الطلاب العاملين في مجال البحث عن الكرد. يوست يونغردن أحد هؤلاء الذين أنهوا الدكتوراة عن العودة إلى القرى بعد التهجير الإجباري عن القرى في التسعينيات. في الوقت ذاته، لديّ طالبة أخرى، مريم كريس، التي عملت [بحثاً] عن اللاجئين والنازحين في استانبول. ولدي طالبة تركية، سَدا آلتوغ  Seda Altug  التي تعمل بحثا عن ذكريات رسم الحدود السورية-التركية بين مختلف الإثنيات التي تعيش هناك.  لقد أجرت مقابلات بشكل رئيسي مع الأرمن والسريان والكرد في سوريا وأيضاً في الجزء التركي. فهي تريد أن تضع الذكرى في سياقها التاريخي. وتركز على سرديات الهوية التي تتطور لتساعد الناس على تعريف أنفسهم من خلال تذكر أشياء معينة ونسيان أشياء أخرى. وهناك طالبة تركية أخرى، أوموت أزاك Umut Azak التي تشتغل أيضاً على انتاج واستعمال الذاكرة في العلمانية التركية. إنها تدرس رموزاً مؤثرة مثل سعيد نورسي وحادثة مينيمان Menemen [2] التي تُستخدم لتمثل التهديد الدائم للعلمانية التركية. والعلوية باعتبارها رمزاً لـ”الإسلام الجيد”. الكرد يلعبون دوراً في ذلك البحث ولكن إلى حد ما هامشي. كما إن طالبة هولندية تدعى إيفلين هندريكس بدأت مؤخراً بمشروع أطلقت عليه اسم gender@kurdistan تبحث في استخدام الانترنيت في كردستان إيران وتدمج مقاربات دراسات وسائل الإعلام ودراسات الجنس مع دراسة ميدانية أنثروبولوجية رصينة.

ثم لدي طلاب يعملون أشياء كثيرة مختلفة. معظم طلاب الدكتوراه يعملون في الواقع على مواضيع غير الأكراد.

ماري: هل ترى أي تقدم في شروط مقاربات “القضية الكردية”؟ ما الذي تغير منذ أن سميتها قضية؟ كيف تغيرت مقاربتك للقضية مع الوقت، إن كانت قد تغيرت؟

مارتن: لقد حصلت بشكل عام تغيرات كبيرة فمقاربة الاقتصاد السياسي القديمة لم تعد تلقى قبولاً شعبياً كبيراً . الدراسات الثقافية حاضرة بشكل بارز في الوقت الحاضر في  الدراسات عن تركيا. يُعزى ذلك جزئياً إلى أن الكثير من الباحثين الشباب موجودون في جامعات بوغازجي Bogazici  ومرمرة والجامعات الأخرى الجيدة في استانبول الذين يريدون أن يدرسوا المجتمع الكردي والأشياء الأخرى الوثيقة الصلة ولكن عليهم أن يفعلوا ذلك بطريقة تكون شائعة ولا تهدد حياتهم، لذلك فإن الدراسات الثقافية هي الدارجة. من بين الأوربيين الذين يدرسون الكرد، فإن الكثير منهم أيضاً يأتون إلى هذه الدراسات من باب مذهب الفعالية والتضامن. في ألمانيا [هذه الدراسات] قوية جداً حيث لديهم أصدقاء أكراد وأتراك يعيشون في ألمانيا ويصبحون ناشطين في مجال حقوق الإنسان أو الحركات التضامنية. لذلك هناك الكثير من الاهتمام بنواحي مثل المجتمع المدني وحقوق الإنسان وحقوق المرأة.  

 علقت شيرزاد موجاب، الشخصية المركزية في شبكة الدراسات الكردية عن المرأة، ذات مرة على أول كتاب لي بقولها أنه كتاب لا جنس له. وهي محقة تماماً حيث أنني أعتبر نقدها صحيحاً. لقد جعلتنا الكتابات النسائية ندرك التحيزات الجنسية في الكثير من الأعمال الأنثروبولوجية بما فيها أعمالي. لن أستطيع أن أكتب ذات الكتاب الذي كتبته في عام 1978 الآن. ربما ظروف البحث منعتني من مقابلة النساء بطرق شتى ومن طرح أسئلة  ذات الصلة عليهن ومع ذلك كنت سأكتب بعض الأشياء بشكل مختلف الآن.

ماري: هل لك أن تحلل لنا بشكل أكثر تفصيلاً أصول وظروف نشوء “الدراسات الكردية” ضمن حقل الدراسات الأكاديمية التركية؟ هل يمكن أن تعطينا الخطوط أو اللحظات الفاصلة  في هذا العقد الأخير؟

مارتن: منذ أن بات الموضوع الكردي قابلاً للمناقشة بشكل علني، أصبحت الكثير من الأطروحات الجامعية لنيل درجة الماجستير أو الدكتوراه من تركيا تركز على الكرد. أرسل لي بعض الطلاب أطروحاتهم؛ ليست جميعها جيدة بنفس المستوى ولكن حقيقة كونها موجودة تبين أن الموضوع انتقل إلى الاتجاه السائد في الحياة الأكاديمية. نجح بعض الباحثين الأتراك الشباب في أن تصبح أعمالهم معروفة عالمياً من خلال نشرها في مجلات دولية مثل Middle Eastern Studies؛ حيث أن الظهور الدولي يبدو أكثر صعوبة للأشخاص [الذين يعملون على] الدراسات الكردية (مسعود يكن Mesut Yegen ، الذي درس في لندن، واحد من الاستثناءات. وهناك أيضاً عمل مثير للانتباه لـ فوليا أتاجان) عادة [الطلاب] من Bogaziçi  الذين يرسلون ملخصاً عن أطروحتهم إلى هذه المجلة بتوجيه من مشرفيهم. ويبدو أن الناس الذين ينحدرون من أوساط النخبة هم الذين يهيمنون على هذا الحقل. ربما يكون لديهم براعة أكبر في الكتابة حيث لديهم القدرة على الكتابة بأساليب معينة لا ينافسهم فيها بسهولة الأشخاص ذوي الأصول من البلدات الصغيرة. إن لديهم قابلية أكاديمية.  هذه الحالة من التميز واضحة جداً في الحياة الأكاديمية بشكل عام. بعض الناس الذين أصبحوا معروفين جداً ونشروا الكثير دون أن يكون فيها شيء مميز جداً،إذا نظرتِ إلى الفحوى، ولكن لديهم طرق معينة لتقديمها؛ وباتوا معروفين، مقارنة مع غيرهم ممن قدموا أعمالاً رصينة ولكن لم يكونوا قادرين على نشرها. وأيضاً لأنه ينبغي عليهم أن يقدموها بشكل مقبول. العالم الأكاديمي الدولي يطالبونك أن تكتب بأسلوب معين وينبغي أن تكون ضمن أطر نموذجية.

ماري: وماذا عن الدراسات الكردية في العراق؟

مارتن: لم تتحسن لغتي الصورانية منذ أن قمت بعملي في السبعينيات وأجد صعوبة بالقراءة بالصورانية. أعرف أ نه كتابات  مثيرة للانتباه تصدر بالصورانية، ولكنني لا أتابعها. باللغة الإنكليزية، لست مطلعاً على الكثير من الأشياء الهامة الجديدة عن العراق. هناك عدد محدود جداً من الأجانب ممن كتبوا عن الوضع السياسي الراهن في العراق، أو يتمركزون في العراق، لأن هناك حرية العمل نسبياً.أناس مثل أندريا فيشر-طاهر Andrea Fischer-Tahir وكارين ملدوخ Karin Mldoch  دمجوا العمل الأكاديمي مع نشاطات المنظمات غير الحكومية في كردستان العراق، ثم أن هناك بعض الأكاديميين الأجانب الذين تربطهم علاقات وثيقة بالقيادة الكردية ويبدو أنهم يعتمدون عليها في معلوماتهم.

بخصوص مناقشة عامة للوضع الكردي، فإن الانترنيت مهم جداً هذه الأيام. أعتقد أن موقع kurdishmedia  مهماً بشكل خاص بالنسبة لكردستان العراق حيث أنه منبر للأصوات المنتقدة ويضم مفكرين بارزين من أمثال كمال ميراودلي. ذلك الموقع يقدم نفسه على أنه نزاع إلى انتقاد السلطات الكردية بين الحين والآخر.

ما هو مثير للاهتمام أكثر هو ما يجري في إيران. كلما ألقت محاضرة عن الكرد في مكان ما، فإنه لدي الكثير لأقوله عن الوضع في تركيا، وأتحدث عن الوضع في العراق ويقف من بين الحضور من يقول “لماذا لم تتحدث عن كردستان الشرقية”؟ لماذا لا أعرف ما الذي يحدث في كردستان الشرقية؟ إنني أحاول ولكن ليس من الصعب أن أعرف ما الذي يجري. لم أذهب إلى هناك منذ وقت طويل. لقد تم منعي [من دخول] إيران لوقت طويل. لقد استطعت أن أعود إلى طهران منذ عدة سنوات ولكن لم تسنح لي الفرصة كي أزور كردستان. لقد اكتشفت أن هناك جالية كردية مفعمة بالحياة في طهران. هناك الكثير من النشر في إيران. لطالما كانت إيران متقدمة إلى حد ما. هناك الكثير من الكتب والمجلات المثيرة للانتباه التي تصدر في إيران. قليلون جداً هم الذين يقومون بأعمال أكاديمية عن الكرد. الكرد هم الذين يقومون بتقديم أطروحات جغرافية وتاريخية، أطروحة في دراسات التنمية تلك هي الأمثلة التي نصادفها. وهم غالباً ما يركزون على مناطقهم. لطالما كانت دراسة المجتمع الكردي في إيران  متكاملة أكثر في الدراسة العامة للمناطق المختلفة في إيران. أعتقد أن أكراد إيران يعتزون بهويتهم الإيرانية، بمعنى ما، أكثر مما يعتز أكراد العراق بعراقيتهم. ولكن يصعب عليهم بالمقابل أن يقدموا أنفسهم كأكراد ويقوموا بشيء من قبيل “الدراسات الكردية”. لست مطلعاً على أية دراسات عن الهوية الكردية أو الحركات الكردية باستثناء الدراسات التاريخية أو المذّكرات. أما بالنسبة لكردستان العراق، فإن المذكرات التي نُشِرت من قبل الشخصيات الكردية العراقية  في السنوات العشرة أو الخمس عشرة الماضية مهمة جداً. عن المراحل الأولى من الحركات الكردية هناك عمل لمحمد رسول هاوار عن الشيخ محمود وعن سمكو وفي الفترة الأخيرة هناك مذكرات نوشيران (نوشيران مصطفى 1997) وهو كان أحد قادة الاتحاد الوطني الكردستاني وانشق عنه مؤخراً وينتقد الطالباني. كان هو أحد القادة الرئيسيين من المجموعة الماركسية ضمن الاتحاد الوطني الكردستاني. درس في أوربا حيث انخرط في السياسة وفي عام 1977 أو نحو ذلك انضم إلى البيشمركه في كردستان العراق. قابلته في عام 1979 وأتذكر أنه كان مفتوناً بمناقشة العقلية القبلية. بصفته أحد قادة البيشمركه، كان عليه أن يتعامل مع الجماعات القبلية التي تدعم البيشمركه في وقت ما، ثم تعقد صفقة مع الحكومة في اليوم التالي فتأخذ السلاح من الحكومة لتشهرها في وجهه، فكان يحاول بصدق أن يفهم الظاهرة لا أن يُدينها فقط. مما قرأت من مذكّراته، فإنني أعتقد أنها تأملات عن تجارب وخبرات عن حياة مثيرة للانتباه. لقد نُشرت معظم كتابات أكراد العراق في لندن. للعراق موروث طويل من العلاقات مع بريطانيا والكثير من الناس هناك تلقوا تعليما بريطانياً أو عاشوا في المنفى في لندن. وتجدين من بين المثقفين الكرد العراقيين الكثير ممن يفكرون مثل الأوربيين بسبب هذه الخلفية. وهؤلاء المثقفين يشعرون أن العودة والعيش في كردستان سوف يستوجب التضحية حيث أنهم لن يتمتعوا بذات الحرية والحقوق الليبرالية.  حيث أن عليهم أن يقوموا بالكثير من التسويات إذا ما أرادوا أن يعيشوا هناك. ثمة فرق بين أن تعيش في ظل دكتاتورية صدام حسين أ وفي ظل دكتاتورية كردية، ولكن مع ذلك عندما تعيش هناك ينبغي عليك ربما أن تكون حذراً فيما تكتب.

ماري: ما هي مشاريعك الآن؟ الفردية والجماعية؟

مارتن: أنا مشغول جداً بالواجبات الإدارية [لذلك ليس] لدي مشاريع رئيسية جديدة! لكنني وعدتُ ناشراً أن أكتب كتابا عن صراع الهويات بشكل رئيسي في تركيا وأيضاً في العراق خلال الثمانينيات. لكنني لم أجد الوقت بعد كي أنهيه. لقد كتبت عدداً من المقالات عن الموضوع وأردت أن أتوسع فيها لأعمل منها كتاباً. لقد بات الناس مشغولين جداً بمسألة هوياتهم التي ينتمون إليها ولا سيما بالنسبة للأشخاص الذين لا ينتمون إلى “النواة الأساسية” للسكان الأتراك والأكراد كما في حالة علوي مولود في استانبول وينحدر أجداده من أرضروم ويتكلم اللهجة الزازية ويجرفه غالباً السؤال مَن هم في الحقيقة.  بالإضافة إلى حيازتهم على جواز سفر تركي، هل هناك جوانب أخرى من هوياتهم تبين أنهم أتراك على وجه التخصيص، وما هي تلك الجوانب؟ ما أهمية المنطقة أو الأصل؟ فسكان ملاطية، مثلا، حتى وإن كانت لهم لغات وأديان مختلفة (كردية أو تركية سنة أو شيعة) غالباً ما يُظهرون دعماً متبادلاً عندما يعيشون في مكان آخر. إذاً هل يمكن أن تكون المواطنة رابطاً أقوى من الروابط الدينية والإثنية؟ العلويون يناقشون ماهية الهوية العلوية: هل هي دينية أو ثقافية أو سياسية؟ أو ربما هوية إثنية؟ الشيء ذاته ينطبق على الكرد واليزيديين والأقليات الأخرى في كردستان. وهل أتراك المنطقة هم أتراك في الحقيقة؟  على فكرة من كان أوزال؟ فقد كان من ملاطية وجدته كردية ولعائلته ارتباطات بالنقشبندية. في نظر الكثير من الأتراك “الغربيين” ذلك كاف لاعتباره كردياً. في سنواته الأخيرة، عندما كان رئيساً للجمهورية التركية، ويتبع مساراً للتسوية مع الكرد، كان الناس ساخطين وتذمروا من أن ” الكرد قد احتلوا تشناكايا!”.

ثمة دورات حياة من قبيل شخص يبدأ حياته تركياً، ثم يكتشف أنه كردي ومن الكردي يصبح زازياً ومن الزازي يصبح كرمانجياً. ومن يعرف ماذا سيكون غداً؟ ومع تزايد أهمية الإسلام كهوية، وخاصة ما يقوم به الناس على أنه ديني، أعني الطقوس التي يُظهرون بها هوياتهم الدينية كما في حالة الطرق الصوفية أو كما في حالة إحياء الطقوس العلوية في المدن. هذه الظواهر مشوّقة! كانت العلوية بالأساس دين القرية، أقصد أنك تستطيعين أن تكوني علوية إذا كنتِ في قريتك.  فالقرية هي  مكان الطائفة الدينية والمقبرة[3]  والأماكن المقدسة هي [مكان] طقوس القرية. عندما انتقل الناس إلى المدن اختفت علويتهم لوقت طويل لأنه لم يكن هناك إطار لها لكي تستمر. ولكن في الثمانينيات بدأ الناس بإيجاد علوية مدينية. والشيء ذاته ينطبق على الإيزيدية الذين جعلوا أنفسهم غير مرئيين لوقت طويل ولكنهم الآن يحاولون إعادة إحياء دينهم في ألمانيا  وشمالي العراق. والشيء ذاته ينطبق كذلك على الجاليات المسيحية في المنطقة.

ماري: هل تجد الوقت للعودة إلى المنطقة؟

مارتن: ليس كما أريد. عندما يكبر المرء في السن، تصبح مسؤولياته أكثر. لدي طلاب يعتمدون، إلى حد ما، عليّ كما أقوم بمهام إدارية لا يمكنني رفضها. أنا مشارك في تأسيس معهد أبحاث جعل حياتي ممتعة أكثر ولكنه يتطلب الكثير من الوقت (المعهد الدولي لدراسة الإسلام والعالم الحديث). أنا امضي الكثير من الوقت في عمل أشياء ما كنت لأقوم بها لو كنت باحثا مستقلاً. وأنا لا استمتع بعمل أشياء من قبيل إيجاد تمويل للمعهد، ولكن كما هو واضح فإنه ضروري لكي يستمر المعهد. لذلك، ليس لدي الوقت للسفر. أعود إلى إندونيسيا عدة مرات في السنة لأنه لدي أبحاث مستمرة هناك كما إنني أُجري أبحاث مشتركة مع باحثين إندونيسيين شباب. أحاول أن أذهب إلى تركيا كل عام. كما إنني أنوي الذهاب إلى كردستان العراق منذ وقت طويل ولكني لم تسنح لي الفرصة بعد. إن شاء  أنا ذاهب إليها هذا العام. وإيران-وهي أهم جزء من كردستان قيد البحث. أعتقد لو أن أي باحث شاب يريد أن يدرس الكرد، فإنني سأنصحه/ها أن يذهب /تذهب إلى إيران. فكل ما سيفعله الباحث هناك سيكون جديداً لأنه ما من أبحاث جديدة عن إيران. إن إيران [منطقة] غير مكتشفة. هناك أكراد ليس فقط في كردستان بل أيضاً في خراسان التي فيها جالية كردية كبيرة من الناطقين بالكرمانجية . وهي ثقافة شيقة تُظهر روابط مع المنطقة المحيطة في تونجلي [ديرسم] في تركيا. مرة أخرى [أكرر] هناك بعض المنشورات ولكن ليست كثيرة. لا نزال بحاجة إلى إجراء الكثير من الأبحاث هناك.

النهاية

 [1] آثرتُ ترجمة ما يخص الكرد فقط من جواب الدكتور مارتن. (المترجم)

[2] في 23 ديسمبر/كانون الأول 1930 بقرية مينيمان Menemen في بلاد الأناضول حلَّ شخصٌ مغمور غريب الأطوار ادَّعى أنه “المهدي المنتظر” واتخذ له كلبًا سمَّاه “قطمير” وجمع حوله ستة من الأتباع وتشبَّه بأهل الكهف الوارد ذكرهم في القرآن (سورة الكهف، 18/9-26). وبعد أيام وليالٍ قضَّاها أفراد الجماعة هائمين على وجوههم يتعاطون الحشيش ويقيمون حلقات الذكر قرَّروا “المجاهرة بالدعوة” فمَضَوْا إلى ساحة الجمهورية وسط القرية، وحين تصدَّى لهم ضابط الاحتياط مصطفى فهمي كابولاي Mustafa Fehmi Kubilay (1906-1930) قام “المهدي المنتظر” بقطع رأسه بالمنشار، وعلَّق رأسه على عصا تحمل راية خضراء وسط تهليل الجماهير المتشنِّجة وتكبيرها. (المترجم)

 

 

[3] لم أجد كلمة thecem في كافة القواميس ولا على شبكة الانترنيت! لذلك اعتقد ان المقصود هو Cemetery أي المقبرة أو المدفن. (المترجم)

المواضيع المشابهة