كارستن ينسن: لا توجد اليوم إيديولوجيا بإمكانها تقديم الحلول

والإيديولوجيات أصبحت علاجاً نفسياً للعاجزين

حوار مع الكاتب والناقد كارستن ينسن

  حاوره من مجلة Ræson :سيمون مالته أوليسن

 

الترجمة من الدانمركية: مصطفى إسماعيل

 

فرصنا للبقاء كنوع أصبحت مرهونةً بالعقود المقبلة, بإمكاننا بناء كل هذه السدود الضامنة التي نريدُ ضد الأعاصير, بإمكاننا الإيمانُ بالمعجزات التكنولوجية المتجددة, لكنها كلها سوف تمنحنا فقط مهلةً.
علينا أن نفكر بنا كجيلٍ اول في نظام عالمي جديد, وإلا فإننا بخلاف ذلك سوف نصبحُ من الأجيال الأخيرة.

 

هل تعرّفُ نفسك كمنتمٍ إلى اتجاه إيديولوجي معين ؟.

 

أنا أؤمن بالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية, وأعتقد أن ليس بإمكان السوق حل جميع المشاكل, كما لا أعتقد أن بإمكان الدولة حل جميع المشاكل.
أعتقد أن هذا النمو غير المقيد هو مدمرٌ لكوكبٍ يعاني سابقاً من اختلالٍ خطير. فقط الخلايا السرطانية تعرفُ النمو الجامح, ولا يمكننا أخذها هنا كمثلٍ يُحتذى.
أؤمن بالعولمةِ, لكن فقط في طبعةٍ مقوننة ونظامية, حيث الرأسمال المالي المعادي للمجتمع مقيد الأيدي والأرجل, وحيث النقابات والأشكال الأخرى للتنظيم المستاءة والمعارضة لديها ضمانات ومحل احترام.
أعتقدُ بضرورة التنظيم الحكومي, التدخل والطلب حين يتعلق الأمر بالاقتصاد. أؤمن بحرية الفرد وحرية التعبير, وأؤمن بالتفكير والاحترام المتحضر بين الناس إذ لا يوجد أي إشكالٍ كونهم ليسوا أضداداً.

أعتقد أن الديمقراطية هي من أجل النزاعات ومن أجل الحلول, وأعتقد في المقام الأول أن الديمقراطية شاملةٌ, وهي فقط تقصي الخارجين على القانون والمجرمين.

إذا وجدت هناك إيديولوجيا تتضمن كل هذه الأمور فإنها التي أنتمي إليها, ولكن حينَ أكتبُ فإنما لأحاربَ من أجل الناس وليس لأجل الإيديولوجيات.

 

هل الإيديولوجيا مهمة في أوساط الساسة ؟.

 

الحزب الوحيد النقي اليوم إيديولوجياً هو “التحالف الليبرالي”(حزب سياسي دانمركي ), وهم في كل حماقاتهم مثالٌ تحذيري على حزب سياسي يمتثلُ لإيديولوجيا دوغمائية

النيوليبرالية اليوم هي التيار الإيديولوجي الناجي الوحيد, لكن يحلو لها أن تموّه نفسها كعلمٍ اقتصادي لا جدال حوله, وبالتالي لديها نقطة مشتركةٌ مع الماركسية وهي أنها لا تحتملُ التناقضات.
المفارقةُ بالنسبة إلى الساسة النيوليبراليين هي أنهم يعملون من إجل إلغائهم الذاتي. إنها الديكتاتورية المطلقة للسوق التي هي (يوتوبيا)هم وإيماءة الوداع للساسة هي خصخصة ما لديهم قبل أن يعود إلى مؤسسات الدولة.

حالة السياسي اليوم هو أنه عاجزٌ عن الفعل. هم يعلمون جيداً أن العولمةَ وأبعدَ منها النيوليبرالية قد حرمتهم من الأدوات السياسية المطلوبةِ لإحداث تغيير. إنهم مهووسون بالتواجد حيثما تتواجد السلطة, لكنها سلطة مقيدة ومحددة, وهم في المقابل مستعدون للتنازل عن كل المبادىء من أجل نيل جزء منها. بالنسبة إلى معظمهم ( الساسة ) فإن الدور لأهم بالنسبة إليهم هو أن يكونوا كسياسيين جزءاً من خطة وظيفية خاصة, مع تفضيلِ أن تنتهي بهم في وظيفة في مجتمع الأعمال, حيث يتواجد المال والنفوذ الحقيقيان.

لا توجد أية إيديولوجيا اليوم بإمكانها تقديم حلول لأبرز مشاكل الكوكب, والتناقض المتفجر القائم بين المدينة والريف, بين التقليد والحداثة أو الهجرات بين القارات, والتفاوت المتزايد عالمياً والتغير المناخي السائد.

 

هل يضحي السياسيون بمواقفهم الإيديولوجية اليوم ؟.

 

نعم, بالطبع. يضحي السياسيون اليوم بمواقفهم الإيديولوجية. إنهم يحتاجون إلى ذلك أيضاً, بما أن الإيديولوجيات أصبحت بالية. المشكلة أن الإيديولوجيات لا تعوضهم برؤى جديدة, وأنا استخدم ها هنا تعبير ” الرؤى” وليس الإيديولوجيات.

ما يبحثُ عنه الناس في الإيديولوجيات هو هوّية, لكن سياسة الهوية لا تحلُّ أيما مشكلة, هي بدلاً من ذلك أشبه بعلاجٍ نفسي للعاجزين.

 

هل هناك حاجة إلى الإيديولوجيا اليوم ؟.

 

هناك حاجة إلى إعادة التفكير العريض والجامع في كل الأفكار المرتبطة بالسياسة. لا نستطيعُ حل بعض أكثر المشاكل إلحاحاً اليوم في إطار الدولة الوطنية. في الوقت نفسه نحتاجُ جميعاً إلى علاقة انتماء إلى مجتمع واضح ومنظور, وينبغي أن نفكر وإن لمرةٍ واحدة عالمياً ونشعرَ محلياً.

 

أي طريقٍ تعتقدُ أن علينا أن نسلكه لخلقِ مجتمعٍ مُرضي ؟.

 

الاستخدام اللغوي في هذا السؤال هو إلى حد ما كاشف. إنه يبدو كبحثٍ استهلاكي, وهو ما حدث مع السياسة. لقد أصبح المواطنون مستهلكين, والسياسيون أصبحوا مورّدي الخدمات, والبرلمان يُذّكرُ أكثر بشكاوى المستهلكين, والنقاش السياسي ليس للتفريق بين الشكاوى حول مُنتجٍ ما ولا يرقى إلى مستوى لائحة المحتويات الغذائية المدونة على المنتج.

هنالك نفورٌ من السياسي, لكنهم فقط المستهلكون الذين يتذمرون. المستهلكون ليسوا مواطنين كما أن السوق ليست مجتمعاً سياسياً مع فرص العمل.
هل يجبُ أن أرى جانباً مشرقاً في الشعبويةِ, كونها تحوّل المواطن في هذا الاختزال إلى مُستهلكٍ سلبي, بدلاً من  ذلك كان يجب أن تعبر عن رغبةٍ حقيقيةٍ في تحويل الناس إلى موضوعٍ نشط سياسياً.
مُرضي لمن ؟ ينبغي أن يكون ذلك أيضاً مسموحاً للتساؤل حوله.

نحن لا نتجنبُ استقطاباً, فالأغنياء وأصحابُ الامتيازات لا يتخلون طوعاً عن قوتهم وفي السنوات المقبلة لن نتجنب اختبار قوة, يفترض أن يكون بأشكال متشددة.

نحتاجُ إلى إعدادِ أنفسنا لأن التغيرات المناخية المتسارعة هي التحدي الأكبر لنا, وفرصنا للبقاء كنوع هو أمر محسوم خلال السنوات المقبلة.

لا نتجنبُ المواجهة مع القوى الرأسمالية التي تمضي بثباتٍ في نموها الأعمى وفي استخدامها الوقود الأحفوري. بإمكاننا بناء كل هذه السدود الضامنة التي نريدُ ضد الأعاصير. بإمكاننا الإيمان بالمعجزات التكنولوجية المتجددة. إنها كلها سوف تمنحنا فقط مهلة.
علينا أن نرى أنفسنا كجيلٍ أول في نظامٍ عالمي جديد وكامل, وإلا فإننا سوف نصبحُ من الأجيال الأخيرة.

* يتم نشر هذا الحوار بموافقة خطية من هيئة تحرير المجلة التي تصدر فصلياً وتتضمن الأبحاث والحوارات والمقالات والنقاشات في السياسة الدانمركية والدولية.

مجلة Ræson

 

** كارستن ينسن (Carsten Jensen )
كاتب وروائي وناقد دانمركي وأستاذ مساعد في جامعة جنوب دانمرك, ولد في 1952 وأصدر إلى الآن العديد من الروايات وكتب الرحلات, وقد ترجمت أعماله إلى عدد من اللغت العالمية, ونال عدداً من الجوائز الأدبية منها جائزة أولف بالمه 2010 وجائزة سورين غويلدندال 2012 وجائزة جورج براندز 1993 وميدالية هولبيرغ 1999. من أعماله :

الحرب التي لا تنتهي(2016), آفاق(2011), الحجر الأول(2015), نحن الغرقى(2006)