ج. بيللي فريزر :المجلد الثاني من كتاب: رحلات في كردستان و بلاد ما بين النهرين

المؤلف: ج. بيللي فريزر

 الترجمة عن الإنكليزية : عمر  رسول

نبذة عن الكتاب “رحلات في كردستان وبلاد ما بين النهرين”

 

يقع كتاب “رحلات في كردستان وبلاد ما بين النهرين” لمؤلفه البريطاني الأسكتلندي”ج. بيللي فريزر” في مجلدين حوالي 900 صفحة في النص الأصلي الإنكليزي. يتناول المؤلف في كتابه مشاهداته التي قام بها في الثلث الأول من القرن التاسع عشر إلى مدينة تبريز الإيرانيّة. ومن هناك إلى بغداد مروراً بكردستان، وهو على شكل رسائل، ينقل عبر رسائله الموجّهة إلى شخص غير معروف للقارئ مع أنه يوحي له بأن ذاك الشخص هو ابنه، حقيقة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في كل من إيران والإمبراطورية العثمانية في تلك المرحلة، غير غافلٍ عن الوقوف عن كثب على حقيقة أوضاع الكرد في كل من إيران والعراق، وأوضاع العرب بمختلف عشائرهم وقبائلهم في ظل الحكم العثماني. وتمتد الرحلة لعام كامل.

يرصد الكاتب دقائق الأمور في رحلته، نشعر ونحن نقرأ رسائله، بأنه في مهمة واضحة لصالح حكومة بلاده. ينقل إليها خصائص الشعوب الإيرانية والتركية والكردية والعربية، عاداتهم وتقاليدهم، وتوزّع القبائل والعشائر والخلافات القائمة بينها، والأوضاع المأساوية في مناطق الكرد، والعرب راصداً فيها آثار الحروب والجوع والطاعون.

يتميّز المؤلف بموهبة موسوعية في التاريخ والآثار وعلم الاجتماع واللغات والعلاقات، مرن في التعامل مع الآخرين، صبور في رصد الأحداث، وفي تحمّل عناء السفر رغم ضراوة الظروف الطبيعية.

إنه، باختصار، يجمع المعلومات ويرسلها أولاً بأول إلى حكومته في بريطانيا، يرسم بمعلوماته الدقيقة عن الأوضاع خارطة واضحة المعالم للبشر وللجغرافيا، لتصبح مصدراً معرفياً سيستند عليه المشروع الاستعماري البريطاني للمنطقة فيما بعد.

صورة المترجم الأستاذ عمر رسول

الرسالة الأولى

الحلّة، أو بابل القديمة، 28 كانون الأول (1835)

 

العزيز….،

لا بدّ أن أحمد ربّي على العودة إلى السير من جديد في طريقنا المعدّ سلفاً. لقد اعددنا كل شيء بحلول الثاني والعشرين من كانون الأول، ولكن عاصفة جنوبية محمّلة بالغبار أخّرت من انطلاقنا، كما أنها سبّبت في ارتفاع الأمواج في النهر ممّا اضطّر ربابنة القوارب الضعيفة أن يفتحوا منصة القوارب، كما يحصل عادة في مناسبات أخرى، خوفاً من الغرق مع سفنهم. حاولنا أن نضع الخيول على ظهر القوارب بغية نقلها إلى الضفة الأخرى، وكان لا بد أن نتحمل إجراءات التأخير لأن عملية النقل لم تكن محكمة. وفي الثالث والعشرين لم يكن امتحان صبرنا أقل من اليوم الذي سبقه، لقد بلغت العاصفة ذروتها، لذا أُجبرنا على أن نرضي أنفسنا بالراحة في مقرّ الكولونيل تايلور.

وفي الرابع والعشرين، فتح الجسر واستطعنا أن ننقل خيولنا وحاجياتنا إلى الضفة الأخرى. وما أن غادرنا المدينة عبر بوابة الحلّة في الساعة التاسعة صباحاً حتى توجهنا صوب آثار سلوقية وطيسفون (المدائن-المترجم). كان عددنا لا يقل عن أربعة عشر شخصاً، حيث انضم إلى موكبنا كل من السيد فنلاي، والدكتور روس، والخدم، فضلاً عن الدّليل العربي الذي كان يقودنا. كان الدّليل، الذي قدّم له شيخ الزبيد كل التجهيزات، طويل القامة، نحيفاً كزنجي، غليظ الشفتين، أبيض العينين، تبدو عليه علامات الحماقة، صامتاً مع ذلك، ولكنك تراه ينفجر، فجأة، بالغناء بصوت جهوري ليغوص في أقاصي الأغنية، دون أن يكون هناك ما يدعو إلى ذلك! كان الصباح ضبابياً، ولكن بعد عدة ساعات انقشع الضباب، فظهرت لنا المسافات البعيدة، شعرنا براحة عميقة في الفضاءات المفتوحة على الصحارى المترامية الأطراف، بعد الفترة الطويلة التي قضيناها في الحجز في بغداد. قلت الصحارى لأنك لا تجد أثراً للإنسان فيها، مع أن تربتها صالحة لجميع أنواع الزراعات، باختصار كانت تربتها غرينية خصبة من تلك الأتربة التي تجدها في بلاد ما بين النهرين، جنة الأيام الخوالي، ولكنها لا تنتج في هذه الأيام سوى بعض الغصينات القزمة لشجرة الأكاسيا، ونباتات أخرى شبيهة. تغيرت معالم الطريق قليلاً عندما عبرنا إحدى القنوات المائية القديمة، وهي خالية من الماء الآن، وبعد ما يقارب خمس ساعات ونصف الساعة من السير دخلنا دائرة سلوقية القديمة، حيث لا يزال الموقع يحتفظ ببعض الجدران العالية على نحو مميّز.

لقد بُنيت مدينتي “طيسفون” و”سلوقية” على ضفتي النهر، وتقعان في مواجهة بعضيهما تماماً، وقد شهدتا ازدهاراً في الفترات المختلفة. لم يبق من المدينة الأخيرة سوى الجدران العالية التي تعانق الضفتين معاً، وتشغل مساحة واسعة من الأرض، تتناثر فيها أكوام متنوعة ومختلفة الأبعاد من بقايا القرميد، والفخار، والزجاج المكسّر، ومخلفات أخرى تدلّ على أن الموقع كان موطناً للإنسان في يومٍ ما. ولكن ما يدعو للأسف أن مسافراً عابراً مثلي لا يستطيع أن يحصل على الكثير من هذه المواقع التاريخية، لأنني لا امتلك الوقت الكافي كي أتجول في أنحائها، لأدرس معالمها التاريخية دراسة علمية وافية، رغم ما تنتابني من مشاعر قوية للقيام بذلك، لأن المواقع الأثرية تلك جديرة ببذل كل الجهود في سبيل اكتشاف خباياها وأسرارها.

إن آثار طيسفون تدلّ على أنها كانت مدينة غنية و شهيرة في الماضي، أنها تترك أثراً مختلف الجوانب في النفس، لأن ما من امرؤ يستطيع النظر إلى طوق كسرى دون أن يتأثر بالغ التأثير بجلال وروعة البناء، ويدرك أن المدينة هي جزء من روعة الملك الذي أشادها. وعلى حد علمي لا يوجد قصر شرقي له واجهة مثل واجهة هذا القصر، أو حتى مدخلاً كمدخله. إن “بوابة علي” Ali Capi في أصفهان، أو حتى بوابات القصر في “دهلي” Dehlee تكاد لا تكون شيئاً بالمقارنة مع طوق كسرى، لأن ارتفاع قنطرته يصل إلى مائة قدم، وهو بذلك موضع افتخار بانيه.

لم نستطع أن نزور ذاك الموقع الرائع حتى صباح اليوم التالي، لأن صناعة قارب أخذ منا الكثير من الوقت والجهد، ولكن، رغم الصعوبات التي اعترضتنا، تمكنّا أخيراً أن ننجز القارب لنجتاز بواسطته النهر إلى الضفة الأخرى حيث يقع الموقع. لم يكن الصباح مشرقاً، لأن غيوماً برتقالية وحمراء قانية كانت تحجب الشمس في شروقها خلف الطوق مباشرة، حيث كان ينهض بعظمة وسط خيوط الضوء المتزايدة، مما يترك أثراً شديداً في النفس. وفي محيط تلك الأكوام من الركام  المبعثرة هنا وهناك وجدنا مجموعة من الخيم العربية، وما أن شاهدَنا  شيخ القبيلة حتى تقدّم صوبنا للترحاب بنا، كانت هيئته كهيئة حارس داكن البشرة، أو كهيئة وغد شرير، يبدو من أنفه البنيّ المحمرّ أنه خرق الوصية التاسعة[1] كثيراً، وشرب جرعات كبيرة من المشروب المحرّم، ولكن الاستقبال مضى على خير. ثم وجدنا شخصاً آخر شبيهاً بالشيخ يعدو ومعه ستة أو ثمانية صعاليك ليستفهموا من نكون نحن، وما أن سمع جوابنا حتى خاطب الشيخ قائلاً: “إنه لحظ جيد أن يكون هؤلاء الرجال برفقتك، فلو لم يكونوا كذلك والله لجردتهم من كل ما يملكون”! لقد كان جدياً بما يقوله. ولكن ضحك أحد الأشخاص في فريقنا، وقال له: “ويبدو أن الحظ حالفك أيضاً لأنك لم تقم بمحاولتك، انظر إلى هنا لتعرف ما إذا كنا رجالاً يمكن سلبهم بسهولة”. حينئذٍ أظهر له مقبض مسدسي ذي الفوهتين، لقد تركت رؤية المسدس تأثيراً واضحاً على درجة شجاعته، فارتفعت بذلك نسبة الاحترام لديه نحونا. لقد فحص المسدس مليّاً، وعند إعادته قال بمرارة: “لعنة الله على المسدس الذي يطلق الرّصاص من دون دخان أو نار”! ومع ذلك سار خلفنا حتى ضفة النهر، وظلّ يحوم حول المكان حتى عبرنا النهر.

لن أحاول هنا أن أعطي وصفاً دقيقاً للطوق، ولكن أريد فقط القول أن طول واجهته يبلغ ثلاثمائة قدم، تتوسطها قنطرة يبلغ ارتفاعها مائة وستة أقدام، ومن ثم ممرّ يؤدي إلى قاعة من أروع القاعات في العالم، ويزيّن الجدار من الجهتين أربعة صفوف من العواميد، وأقواس صغيرة آخذة شكل النوافذ. تقريباً هذا هو كل شيء بقي من البناء، ورغم أن ما تبقّى مبنيٌ بإحكام من القرميد الممتاز، فإنّه قد تأثر بشدة من بصمات الدهر عليه، وهذا ما يمكن رؤيته على نحو واضح عندما تلقي نظرة كافية على الموقع برمته. يحيط بالموقع عدد من التلال، والكثير من قِطَع القرميد، والزجاج، والفخار، والخزف، كل ذلك تدلّ على أن المنطقة تزخر بالمواقع التاريخية. وبينما كنا نلقي نظرة فيما حولنا، جاءنا عربي وعرض علينا، بغية البيع، أسطوانة من البلّور الصخري ومجموعة مختلفة من اللقيّات الأثرية وجدها في مكان قريب من النقطة التي نقف فيها، وكانت اللقيّات تتضمن: العملات، والمنقوشات، والصور النحاسية، التي يجدها بكثرة العرب الرحلّ والرعاة الذين يرعون أغنامهم هنا. ويؤسفني القول إن هذا الموقع الأثري الرائع معرّض للزوال بسبب ما يتلقاه من اعتداءات من لدن الإنسان والزمن على حدٍّ سواء. وبعد عدة ساعات من الوقوف والإعجاب بالموقع الأثري، غادرنا الموقع لنعود إلى الضفة الأخرى ثانية، لأنه لم يبق لدينا الكثير من الوقت، حيث كان علينا أن نصل إلى خان “مهاول” قبل هبوط الليل. لذا ما أن قطعنا النهر حتى تناولنا طعام الفطور بسرعة، وبعد الظهر بنصف ساعة، امتطينا خيولنا لمواصلة الرحلة.

واصلنا المسير طوال ساعات النهار. وفي الطريق تشكلت لنا قناعة راسخة بأن المنطقة كانت آهلة بالسكان في الماضي، لأنه ما من ميلٍ قطعناه حتى وجدنا فيه آثار قرية، أو بلدة، أو مدينة قديمة. وفي بعض الأحيان كنا نجد بقعة كاملة من الأرض مغطاة بقطع القرميد والفخار والزجاج، وما يلفت النظر في هذه المواقع الأثرية هي خلوها من الغطاء النباتي، مما جعلنا أن نميّزها بسهولة كلما صادفنا إحداها في الطريق. وهناك الكثير من التلال الأثرية أيضاً في هذه المنطقة، ولكنها تلال منخفضة ناهيك عن افتقارها لشكل معيّن. وما قطع الأواني، وآثار التوابيت البارزة عليها إلاّ دليلاً قاطعاً على احترام الموتى. كما أننا عبرنا العديد من قنوات الري القديمة، ولكنها جافة الآن وعديمة الجدوى، باختصار، وما من امرؤ عاقل إلا وأن يكتشف من كثافة المواد والأشياء المنتشرة بكثرة في هذه المنطقة، على مدار المسافة التي قطعناها هذا اليوم، بأنها كانت في الماضي مدينة مزدهرة، أو أنها، على الأرجح، كانت منطقة آهلة بالسكان بمختلف المدن والبلدات والقرى، وذلك بدءاً من سلوقية حتى بابل.

وقبل الغروب بساعة أو أكثر، لاحظنا قطعان عديدة للجمال وقد انتشرت في الصحراء، حيث كانت تقودها رعاتها نحو منطقة بعينها، وقبل أن تختفي الشمس، وبينما كنا نسير فوق إحدى “التلال”، بتعبير العرب للمواقع القديمة، وجدنا أمامنا مخيماً عربياً لم أجد مثله في الكبر من قبل. كان يمتد على مدى النظر في السهل من الجهتين، يميناً وشمالاً، ناهيك عن العدد الهائل للخيام والناس والحيوانات التي كانت تتقاطر عليه مع الغروب من مختلف الجهات، لم أشاهد من قبل هذا العدد الهائل للجمال، حيث كان عددها يصل إلى مئات الآلاف، فضلاً عن الحيوانات الأخرى، والخيام التي تأوي أكثر من أربعة أو خمسة آلاف شخص، كانت الأرض تبدو سوداء جرّاء ذلك. كان هؤلاء العرب هم عرب جربه الذين أجبرهم عنيزة على التوجه نحو الجنوب، والذين حط الرحال بهم في القسم الأعلى من مناطق عرب الزبيد، يبحثون عن الكلأ حتى يترك خصومهم المنطقة الخاصة بهم. حقاً، أن المشهد ينطوي على الكثير من الصور الرائعة الموحية.

حلّ الليل، ومع ذلك كنا نعرف أننا لا نزال نسير في المنطقة التي كانت في الماضي موطناً للإنسان، بسبب ما كان يتكسّر من قطع الخزف تحت حوافر خيولنا. انتشر الغيم، وازداد الظلام حلكة، فاختفت النجوم والعلامات البارزة على الأرض عن الرؤية، وبما إننا لم نكن نحمل معنا بوصلة كانت النتيجة هي أننا أضعنا الطريق، وصرنا نلف وندور لعدة ساعات في الظلام والبرد، نتعثر هنا، ونرتطم هناك في القنوات المائية القديمة، إلى أن اكتشف دليلنا مذهولاً بأننا نسير تقريباً نحو الشمال بدلاً من الجنوب. عندئذٍ أدركنا الخطأ الذي وقعنا فيه، فصححنا المسار واتبعنا الطريق متوجهين صوب الحلّة. لقد عرف أحد الأشخاص الذي كان يسير مع فريقنا أين استقر بنا المطاف تماماً، لقد قدّر المسافة بيننا وبين خان الناصرية بمائتي ياردة، كنا نسير باتجاه الخان لقضاء ليلتنا وقد أصابنا الإرهاق، والبرد، والجوع أيما إصابة. لم تنته المشكلة مع اكتشاف الخطأ، فقبل الإيواء إلى الفراش بقليل، نشب خلاف بين الخدم مع وصولنا إلى الخان تطور إلى شجار فيما بين الذي أشعل فتيل النزاع والآخرين، ولم يسود الهدوء إلاّ بإنزال أشد العقوبات بمن خالف القواعد.

مع البقاء في هذا البرد وعدم الراحة، ووجود القليل جداً من الأعشاب الضارة اليابسة لإشعال ما يمكن أن نسميه ناراً اتقاءً للبرد، عادت إلى الذاكرة الأشياء الجميلة التي يعملها الناس عادة في هذا الفصل البهيج في وطننا الحبيب، وصورة أولئك الذين يجلسون حول مواقد النار في البيوت يفكرون برحّالتهم الغائبين. ماذا يعمل هؤلاء الآن؟ تساءلت ما الذي لم يتم خرقه في هذا العالم المتغير منذ أن غادرتهم، سبب لي التفكير في هذا المنحى انزعاجاً، لا سيما أننا لم نجد ما يليق بإقامة الرّحّالة في هذا المكان، ولكننا حاولنا أن ننسى كل ذلك بتناول ما تيسّر لنا من الطعام الزهيد، ونتمدد على بسطنا لقضاء ليلتنا.

وفي صباح اليوم التالي، السادس والعشرون من كانون الأول، أقمت محكمة عسكرية لخدَمي، وأصدرت بعض الأحكام الجديرة بحق المخالفين، وألقيت على مسامعهم خطبة طويلة حول فوائد السلام ونبذ الخلافات والعداوات، لأنه لا ينتابني أدنى شك، حاجة خدمي الماسة إلى مثل هذا النوع من المحاضرات الأخلاقية، بعد ذلك غادرنا الخان متوجهين صوب آثار بابل العظيمة. كنا قد شاهدنا من قبل بعض المعالم التي تتعلق بأسوارها، وشيئاً فشيئاً بدأت معالم المكان تتضح أكثر من خلال الشواهد والأشياء المحطّمة. شاهدنا صورة “المجلوبة” العملاقة ترتفع أمام أنظارنا، وهي تعلو العديد من الضفاف الفاصلة للقنوات الجافة. تعتبر هذه الآثار جزءاً رئيسياً من آثار بابل القديمة، ولكن قبل أن أمضي قدماً في الوصف، من المناسب هنا أن أشير إلى الجزء الأكثر بروزاً وأهمية في هذه الآثار، دون أن أدخل في الوصف الدقيق أو المحاولة للتقريب بين وجهات النظر المختلفة لدارسي هذه الآثار، أو البحث في أصولهم وهوياتهم، خصوصاً فيما يتعلق ببنية هذه الآثار، وشهرتها، وقِدَمها. ولأبعد نفسي عن هذه المشاكل، ينبغي أن أشير لك إلى أعمال الرّحالة الأكثر قدرة وكدحاً مني في هذا المجال، وهنا لا يسعني إلاّ أن أشير إلى عمل كل من رينيلRennel و دانفييهD’Anville، والكثير من الحكماء غيرهم، وعلى رأسهم ملاحظات ريتش، وبوكينغهام، وبورتر، مع العديد من الرّحالة الذين لهم السبق في هذا المضمار قبلهما. ولكن على أرض الواقع، سأحاول أن أكتب عما شاهدته أمام عيني.

تتألف آثار بابل المفترضة من عدد هائل من الروابي الدائرية أو التي لا شكل محدّد لها، وهي شبيهة بتلك التي وصفتها في رحلتنا الأخيرة، ومن بين هذه الآثار التي تقع على الضفة الغربية  من نهر الفرات، هناك كتلة شامخة تعرف بـ “برس نمرود” Birs-e-Nimrood (برج نمرود –المترجم). وصلنا في البداية إلى “المجلوبة”، وهي تقع على اليسار مباشرة، ومن ثم يأتي القصر، وهو عبارة عن مجموعة من الأبنية كانت تشكّل مع حدائقها المعلّقة قصراً فخماً في الماضي، وإلى جانب بعض الأكوام الترابية الأخرى، يعتقد المرء أن قصراً أصغر حجماً كان مبنياً هناك. وعلى مسافة أبعد باتجاه الجنوب يقع تل عمران، وهو أكثر غنىً، رغم أنه أقل ارتفاعاً من غيره، ومن المؤكّد أن الكثير من الصروح الهامة كانت موجودة عليه. وإلى الشمال الشرقي، وعلى بعد ستة أميال من المجلوبة، توجد تلّة معزولة بارزة الارتفاع، مخروطية الشكل، تعرف باسم الحيمر Al-Heimer (الأحيمر-المترجم)، وأخيراً، توجد تلّة على قدر من الأهمية، مخروطية الشكل تسمى طويبوTuebo، وفي الزاوية الشمالية الشرقية من المدينة القديمة، وعلى بعد خمسة عشر ميلاً، يوجد أثر آخر لا يقل أهمية عن غيره من الآثار التي جئت على ذكرها. بالإضافة إلى ذلك، يوجد عدد كبير من الأكوام الأقل شأناً، مع آثار القنوات المائية التي روت أراضي هذه المنطقة، أو زوّدت أحياء المدينة البعيدة بالماء، وتوجد أيضاً آثار بعض المتاريس يفترض أنها كانت من أجل الدفاع عن بعض الأبنية الهامة وحمايتها.

إن المجلوبة هي عبارة عن مرتفع يتشكل من أربع زوايا، حيث تواجه أطرافها الأربع النقاط الرئيسية في المكان. ولا يخيبني الظن إنْ قلت إنّ ارتفاعها، في أعلى نقطة لها، هو أكثر من تسعين أو مائة قدم، ولكنني لاحظت أن السيد ر. بورتر قدّر ارتفاعها بمائة وأربعين قدماً، وقدّر رحّالة آخر (ميغنون) ارتفاعها، في حينه، بمائة وتسعة وثلاثين قدماً، لذا لا بد أنني أخطأت الظن، وليس لدي الوقت الكافي أو الأدوات المناسبة للقيام بقياسها لأقاطع الشك باليقين. وبنفس القدر من التباين اختلف الرّحالة في حساباتهم حول أبعاد قاعدتها. حيث قدّر السيد ر. بورتر طول الجهة الشمالية بخمسمائة واثنين وخمسين قدماً، وطول الجهة الجنوبية بخمسمائة وواحد وخمسين قدماً، أما الجهتين الشرقية والغربية فقد قدّر طوليهما، كل على حدة، بمائتي وثلاثين قدماً. يقول السيد ميغنون أنه قاسها بعناية فائقة، وقد تبيّن معه أن طول القسم الشمالي المرئي بلغ مائتي وأربع وسبعين ياردة[2]، فيما بلغ طول القسم الجنوبي مائتي وست وخمسين ياردة، أما القسم الشرقي فقد بلغ طوله مائتي وست وعشرين ياردة، والقسم الغربي بلغ طوله مائتي وأربعين ياردة. وبما أنني أعرف أن كلاً من السيد ريتش، وبوكينغهام، وبورتر، وآخرين غيرهم، قد قاموا بهذه الحسابات، لذا أعترف بأنّي لم أكلّف نفسي بقياسها مرة أخرى، وبما أن وقتي ليس كافياً، لذا فلا يحدوني الأمل أن أسجّل أي اكتشاف آخر بهذا الصدد، أو أضيف أية معلومة جديدة إلى المعلومات التي دونها البحاثة بمزيد من الجهد والصبر لإضاءة الجوانب المعتمة من هذه الآثار، من حيث نشأتها وتاريخها. ولهذه الأسباب احتفظت بفضولي لنفسي لأروي لك فيما بعد ما شاهدته. اكتفي بهذا القدر عما يخص المجلوبة، وهي الآن ليست إلاّ أكواماً من حطام القرميد المشوي وغير المشوي، فضلاً عن بقايا الفخار والزجاج وما شابه، وقد توزعت بفوضى واضطراب في المكان بطريقة تتطابق مع تسميتها المحلية “المجلوبة”. حقاً، لقد طال يد الزمن والإنسان إلى بنية وشكل هذه الآثار على نحو يدعو إلى الأسف والحزن العميقين، إلى درجة ينعدم فيها لعابر مثلي معرفة شكل هذه الأشياء، أو حجمها، أو حتى استعمالها قبل تحطمها. ولكن يبدو أن القسم الذي أتحدث عنه الآن يتألف من صف من السراديب أو الحجرات التي قد تساعد المرء على تخيل شكل الأجزاء الخارجية لها، مع ما تحمل من تشابه في بنيتها. لقد اكتشف السيد ريتش في تنقيباته هنا الأواني الخزفية، والتوابيت مع هياكلها العظمية، والجرار، لتعزز الرأي بأن هذه الأواني استخدمت، في زمن ما، من قبل الناس الذين عاشوا هنا قبل أن يغادروا الحياة. لقد فعلت الأمطار فعلها في الموقع، حيث تسببت في تشكيل آلاف المسيلات الصغيرة، فأصبحت معها الوصول إلى القمة من خلال المنحدرات لا يتطلب أي جهد. وعند الوصول إلى القمة سترى أنها أرضاً غير منبسطة، ناهيك عن أنها متثلّمة بكثير من الأخاديد مثل الأطراف، حيث يمكن مشاهدة شكل وبنية القرميد في بعض من هذه الأخاديد، مع القدرة على اكتشاف القرميد المشوي بالنار من الذي سفعته الشمس. ومن القمة، أيضاً، يطلّ المرء على أرض مهجورة مقفرة مترامية الأطراف، حيث تمتد الكثير من التلال والقنوات المائية الجافة في كل الاتجاهات على مدى الرؤية. ينهض من إحدى الجهات “الحيمر” Al-Heimer هو على شكل مخروط أحمر اللون، وعلى مسافة أبعد يظهر “البرس” بصورته المهيبة. وعلى مسافة ثلاثة أو أربعة أميال تقع مدينة الحلة الحديثة، ولولا أشجار النخيل في بساتينها تكاد تكون ضائعة وسط التلال الأثرية.

وبعد السير البطيء مقدار ساعة واحدة أو ساعتين حول هذه الآثار المروِّعة، وصلنا إلى تلّة أقل ارتفاعاً، لكنها أكثر امتداداً، وأكثرها تعرضاً للاضطراب والفوضى تعرف باسم القصر، ويعتقد البعض أنه كان قصراً للملك نبوخذ نصر، مع حدائقه المعلقة لزوجته الملكة أميس Amytis. إذا كان ذلك صحيحاً، فيا للحسرة على ما أصابته من تغييرات! كم كان القصر وحدائقه جميلاً في بنيته الأصلية، ولكنه الآن ما هو إلا عبارة عن أكوام من الفخار والقرميد المحطّم، باختصار لقد تحوّل إلى كومة من النفايات يخلّلها عدد لا يحصى من الأخاديد، حولتها بصمات الطبيعة ويد العرب إلى حفر واسعة. يبلغ ارتفاع القصر حسب السيد ر. بورتر سبعين قدماً، ويبدو أن القرميد المشوي أدخل في بنائه أكثر مما أدخل في بناء المجلوبة. لا يزال هناك بقايا بعض الجدران المبنية من الآجر الممتاز، وقد صبّ على بعضه في قالب يستحيل أن تفك القرميدة الواحدة عن الأخرى. لكن يد العرب عبثت بهذه الآثار وبعثرتها في المكان بحثاً عن القرميد من أجل نقله إلى بغداد، حيث يباع بثمن غال هناك، لذا تجد أنهم حفروا بعض النقاط حتى الأساسات، لقد وجدت كتل كبيرة من الحجر وقد كسرت على يد العرب بحثاً عن بغيتهم، ولا بد أن تلك الكتل الحجرية هي الجزء الأصلي من البناء. يتمدد في فجوة من تلك الفجوات التي حفرها العرب أسد من الغرانيت الأسود والرمادي، اكتشفه السيد ريتش، ولا يزال يعد واحداً من أسود الموقع، ولكنه سرعان ما بدأ يغرق في كومة النفايات من جديد، ولا بد أنه سيختفي عن الأنظار في فترة قريبة[3].

هنا التقطنا عن الأرض قطعاً متنوعة من المزهريات المصنوعة من المرمر، ومن القرميد المصقول، مزخرفة بالألوان بالكثير من الأشياء والرسومات البشرية والحيوانية. ويفترض أن تكون هذه الزخرفات جزءاً من زينة الحدائق المعلقة، وقد وصفها كل من ديودوروس، كوينتوسكيرتيوس وآخرين، وجزءاً من زخرفة مشاهد الصيد لمختلف الطيور والوحوش التي تقدمها اللوحات. وقد وجدتُ أيضاً العديد من قطع النحاس والصخور البلّورية، ولكن لم تكن ذات قيمة عالية. بعد النظر إلى شجرة معزولة، نحيلة الأغصان، يدّعي العرب أنها نبتت ونمت في ليلة واحدة لتحمي عليّ (الذي هرب من معركة الحلة)، ومن الوتد الذي ربط علي حصانه به، غادرنا هذه الآثار الفريدة المشوهة لنلقي نظرة على كتلة أخرى أكثر اتساعاً، وهي عبارة عن كومة من النفايات تفتقر إلى شكل محدد، تعرف باسم تل عمران. لم نجد   شيئاً من شأنه أن يعيقنا في هذا المكان. ولكن لم نستطع أن نتفحص الضفة المشرفة على النهر، الممتلئة بمزهريات المدافن، وبما أن منسوب الماء هنا عال فقد غسل سفح الضفة بتيارات سريعة دورانية، ولكن عند النظر من أعلى الضفة تمكنا من رؤية بعض المزهريات وقد نتأت من واجهتها.

عندئذٍ كان النهار قد مضى منه الكثير، فاتخذنا طريقاً وسرنا بعجالة صوب الحلة، ورغم أنه كان هناك طريقاً جميلاً محفوفاً ببساتين النخيل، يمرّ عبر العديد من القنوات المائية التي كانت تحمل الماء إلى هذه المنطقة في الماضي. عبرنا فوق جسرٍ للقوارب لا يزال محتفظاً بسلامته مقارنة مع الذي وجدناه في بغداد، ودخلنا إلى الأجواء الحديثة لعاصمة بابل القديمة. ومع أن المدينة متناثرة على نحو يدعو للحزن، كانت تمتاز بمظهر أنيق وجميل تعكس طابع المدن الآسيوية. تمتد المدينة على ضفتي نهر الفرات، يتصل جزئي المدينة ببعضيهما عبر الجسر الذي أتينا على ذكره آنفاً، ورغم أن المدينة لا تمتد على مساحات واسعة، فإن منظر البيوت التي تتخللها بساتين النخيل يبعث على الابتهاج حيث الخضرة والحيوية التي تستمدها من الماء والقوارب. أدهشني بنوعٍ من خيبة الأمل، رؤية الفرات العظيم للوهلة الأولى. من المؤكّد أن النهر لم يكن يكبر نصف حجم دجلة إلاّ بقليل، وفي نقطة من ضفة مزهريات المدافن لا يصل عرض النهر إلاّ إلى سبعين حتى ثمانين ياردة.

عند الوقوف على الانطباع الذي تركته رؤية الآثار في ذهني هذا اليوم، أو الصور التي شاهدناها من مدينة بابل الشهيرة، لم أجد اختلافاً فيها عما كنت أتصوره من قبل. لقد استطعت أن أشكل في ذهني صورة “للمجلوبة” من الأحاديث والقصص التي سمعت بها عنها، ولم تختلف الصورة بين القصص والواقع في رؤيتي للآثار الأخرى. أصابني القصر بخيبة أملٍ كبيرة من ناحية ارتفاعه وافتقاره إلى المظهر المهيب، رغم أنه كان واسعاً أكثر مما كنت أتخيله، وفيما يتعلق ببقية الأجزاء فلم تكن سوى قطعة أرض قاحلة غير منتظمة المعالم. وكانت هناك سلسلة طويلة من التلال تحمل القنوات المائية وتفرعاتها إلى مسافات بعيدة، تبعث على شيء من المتعة من خلال ما كانت تثيره من الأفكار في الذهن، بالإضافة إلى هذا، لمسنا من النظرة الخاطفة التي ألقيناها من قمة “المجلوبة” على الصحراء المقفرة، شيئاً أخاذاً يجلب إلى الذاكرة الإنجاز الرهيب لغضب الرب الذي تجسَّدَ في العديد من الإدانات النبوية، التي قرأناها في صفحات الكتاب المقدس، ولكن لم تكن طريقة استدعاء ذلك إلى الذاكرة مؤثراً كما كان مفترضاً. إن بابل، رغم الخراب الكلي الذي حلّ به، ورغم ما ترتاده من كائنات بغيضة، لا يخلو من الأنس البشري في محيطه، حيث يمكنك مشاهدة القرى، وبساتين النخيل، والأراضي الزراعية هنا وهناك في جوارها، وتذكّرك جدران الحلة بأن جزءاً من المدينة لا يزال موجوداً في محيط الرؤية، لذا ترى أن مشهد الخراب والعزلة قد أصابه الاضطراب والتشويش في الذهن، فيخلق رد فعل مطابق لهذا الإطار الذهني. على العموم، تأثرت بالغ التأثير، كواحد من الرحالة في العالم، بمشاهدة هذه المعالم الأثرية، ولكن ما يشعر به الرحالة عادة عند مشاهدة الآثار، خصوصاً في هذه البقعة، أستطيع القول إنني ارتكبت ذنباً هنا لأنه لم ينتابني إلاّ القليل من تلك المشاعر برؤية ما شاهدت. والحقيقة هي أن الذي اعتاد على رؤية المشاهد الطبيعية القاحلة المترامية الأطراف، والذي أصاب مخيلته الكلل والملل من قساوة حقائق الحياة، يحتاج إلى شيء أكثر إثارة مما يمكن مشاهدته في بابل، ليستعيد حماسه، هذا ما كنت أشعر به بالضبط. لقد جعلتني العزلة المروّعة للمدينة القديمة أريج Eerij في فيرمين Vuromeen بالقرب من طهران، خصوصاً جدارها القديم المهجور الذي لا يزال يحتفظ تقريباً بكامل قوامه، جعلتني أن أتأثر أكثر مما شاهدته خلال هذا اليوم بكامله. إن الصورة الشبحية للموقع -التي تشير إلى علاقته بالبشرية على نحو مخيف-  تذكّر المرء بالسفينة الشبحية لكولريدج التي أبحرت بطاقمها في المحيط لسنوات عديدة حتى دفعتها عاصفة من عواصف زمن مجهول نحو ضوء أبيض مخيف. وفي الطرف الآخر كان يتفسخ هيكل عظمي في الصحراء، إلى درجة لم نكن نميزه عن بقية التراب، مثله مثل المركب المحطم على الشاطئ، مما يدل على أن مركب الحياة الذي سار هنا كان تنقصه الفخامة ولم يقاوم أمواج المحيط طويلاً.

إن الفرات، رغم خيبتي بحجمه، كان أكثر العناصر إثارة وابتهاجاً. فيه شيء يمكنك التواصل معه. الأشياء تتغير وتتبدل وهو على حاله باقٍ، إنه يتحدث معك كعنصر أساسي من عناصر الحياة ليقول: “إنني أنا كما كنت في الأزمنة الغابرة، منذ أن وجدت لم يطرأ عليّ أي تغيير. كنت شاهداً على أجيال وأجيال، ومع ذلك بقيتُ نقياً، طلقاً، مفعماً بالشباب والحيوية كما كنت كسابق عهدي”. لم يتغير الفرات منذ أن جلس أبناء اليهود الأسرى على ضفافه وبدؤوا بالبكاء، ولا شك أن منظر النهر وهو يجري، كان أبلغ قوة وتأثيراً عليّ من أكوام التراب حتى يستعيد إلى ذاكرتي الكتاب المقدس، ومها كانت تلك الأكوام كبيرة في الحجم فإنها تظل مبعثرة على طول ضفتيه.

أرسلنا جماعتنا قبلنا، صاروا يثبون هنا وهناك فوق الأكوام المتفسخة، دون أن ينتابهم القلق تماماً مثل نبوخذ نصر، وسيروس Cyrus، وداريوس أو أي شخص آخر من الذين عاشوا وفنوَا هنا. وجدنا جماعتنا وقد حلّوا في بيت متهدم قذر، كان قد بناه علي باشا لإحدى زوجاته، وما أن وجدنا في زاوية من زواياه مكاناً نجلس فيه، حتى جاءنا عربي من أصدقاء الدكتور القدامى يحتج عليه وأبى إلاّ أن ينزل الدكتور وجماعته في بيته. وأوضح لنا بشكل قاطع ألا نتناول أو نشرب شيئاً في الحلة إلا في داره طيلة فترة بقائنا فيها، ومن ثم طلب منا ما الذي نرغب بأكله. بناءً على إعلانه هذا قدم لنا طبقاً من ألذ أنواع التمور، مع اللبن الرائب والقشدة، فضلاً عن بعض اللحم المقدد، وكمية من الخبز تكفي لكل الخدم.

استمتعت هذه الليلة بنوع آخر من متع الترحال رغم القضية الخلافية مع خدمي. كنا الآن على مسافة رحلة يوم واحد من مدينة كربلاء، أقدس الأمكنة لحجيج الشيعة، وبما أن جميع خدمي كانوا ينتمون إلى تلك الطائفة، ولم يتمكنوا من الوصول إلى المزارات المقدسة في هذه المدينة عندما كانوا في بغداد بسبب أوضاع الطرق المضطربة، جاؤوا إليّ بشكل جماعي وطلبوا مني أن أسمح لهم القيام بذلك الآن. إنّ طلباً كهذا ينم عن عدم اكتراث كبير لي، لكنني لم أجعلهم يعرفوا حقيقة مشاعري بصدد ما طلبوا. كان عليّ أن أبقى هنا بمفردي في مكان غريب دون أن يكون هناك مخلوق يعتني بحيواناتنا الإحدى عشرة من الخيول والبغال، أو يهتم بأمتعتي الخاصة، في غياب هؤلاء الخدم الذين سيذهبون للحصول على لقب “الكربلائي” (أي الشخص الذي حج في الكربلاء)، لأنني لا أستطيع أن أمنحهم ذرة واحدة من الإخلاص الحقيقي. قلت لهم دون مداراة، إذا ذهب الجميع، فقد تنتظرونني هناك، لذا لن أسمح لكم بذلك، وإذا ما ذهب بعضكم فعليه أن يعطي كل المكافآت على الذي سيبقون معي، وحتى لا يعطوا لأنفسهم الحق بأنني مارست عليهم شيئاً من اللاعقلانية أو الاستبداد، أن اسمح لأربعة منهم أن يحجّوا شريطة أن يعودوا في مساء اليوم التالي. وكانت النتيجة بعد طول جدل ونقاش، بقي معي اثنين من خدمي القدامى واثنين ممن استأجرتهم في بغداد، بينما ذهب في صباح اليوم التالي أربعة من الإيرانيين، بينهم ثلاثة من أكثر الخدم كفاءة.

 

[1] – الوصية التاسعة للسيد المسيح هي:  لا تشهد على قريبك شهادة زور.  – المترجم.

[2]– الياردة الواحدة = 3 أقدام، أو 91,44 سنتيمتراً. – المترجم

[3]– لم يكن الأسد الذي سمعت به أسداً وإنما فيلاً وقد كسر خرطومه.