مدينة عفرين
مدينة عفرين

نشر هذا البحث في مجلة قلمون العدد الثاني آب/اغسطس 2017, كما نشر في موقع المركز الكردي السويدي للدراسات.

المحتويات

 

يعود تاريخ المسألة الكردية في سوريا الحديثة إلى بدايات تشكل الكيان السياسي باسم دولة سوريا. وهي واحدة من المسائل التي لم تتمكن الأنظمة المتعاقبة من معالجتها ضمن إطار مشروع وطني سوري عام كان من شأنه طمأنة سائر المكونا السورية، عبر إشراكها في الواجبات والحقوق، والتوزيع العادل للثروات والفرص بين الجميع. وقد حاول الحكم البعثي بكل الوسائل انكار وجود هذه المسألة، وسعى عبر مختلف المشاريع والإجراءات الإستثنائية على تغييب الوجود القومي الكردي عبر التجريد من الجنسية، وسلب الأراضي، وفرض التعريب القسري، والتعتيم الإعلامي، والتشكيك الشمولي.

وقد جاءت انتفاضة قامشلي في 12 أذار/مارس 2004 لتؤكد حجم المسألة المعنية، وعمق جذورها، الأمر الذي أدى إلى تركيز الأضواء عليها إقليمياً ودولياً، وعلى مختلف المستويات الرسمية والشعبية.

وفي خضم الثورة السورية المستمرة، احتلت هذه المسألة من جديد مركز الصدارة في المشهد السوري، وباتت موضوعاً لتقاطعات وطنية- إقليمية- دولية. ونظمت الكثير من اللقاءات والندوات والمؤتمرات في العديد من الدول من أجل الوقوف على أبعاد هذه المسألة، ومعرفة حدة تشعباتها، وامكانية الوصول إلى توافقات عادلة بين مختلف المكونات السورية.

ونحن سنتوقف من جانبنا في القسم الأول من هذا البحث عند الخلفية التاريخية لهذه المسألة، وذلك بالعودة إلى المباحثات والاتفاقيات التي تمت بعد الحرب العالمية الأولى بين الحلفاء من جهة، وبين فرنسا وتركيا من جهة ثانية.

أما في القسم الثاني فسنتناول أهم المراكز الحضرية في المناطق الكردية في سوريا. ونحاول تقديم صورة موجزة عن طابع المجتمع الكردي السوري بصفة عامة.

وسنعتمد في دراستنا المنهج التاريخي النقدي، إلى جانب المنهج الوصفي بغية إماطة اللثام عن العديد من القضايا الإشكالية. وتقديم صورة موضوعية ضمن حدود الإمكان لواقع حال المناطق الكردية السورية قبل الثورة، وذلك باعتبار أن المتغيرات التي طرأت على الوضعية الكردية بعد الثورة، خاصة في السنين الأخيرة، مازالت متفاعلة غير مستقرة، وهي متغيرات لها علاقة مباشرة بالصراع الدخلي السوري من جهة، والصراعات الإقليمية والدولية في سورية وعليها من جهة أخرى.

 

 

كانت جميع المعطيات تشير عشية الحرب العالمية الأولى 1914-1918 إلى أن أيام الامبراطورية العثمانية قد باتت معدودة،  الأمر الذي أدى بكل طرف إلى شحذ الهمم والدخول في مفاوضات سرية،  علنية، ثنائية، متعددة الأطراف؛ وذلك بغية الحصول على قسط من الميراث المغري. أما بالنسبة لكردستان،، فقد كانت مقسمة آنذاك بين الإمبراطورية العثمانية والدولة الإيرانية وريثة الإمبراطورية الصفوية (بموجب جالديران 1514)[1].  كان القسم الأكبر منها خاضعاً للإمبراطورية العثمانية التي انهزمت في الحرب،  هذا القسم الذي غدا – شأنه شأن بقية المناطق التي كانت خاضعة للإمبراطورية المعنية – موضوع مناقشات ومفاوضات طويلة معقدة رافقت وأعقبت الحرب. وما يهمنا هنا بصورة خاصة هو ما جرى من حديث ومباحثاا واتفاقيات حول المناطق الكردية في العراق وسورية، نظراً لارتباط ذلك بصورة مباشرة بموضوعنا هنا.

فقد كانت ولاية الموصل، بالإضافة إلى المناطق الجنوبية الغربية من كردستان بموجب اتفاقية سايكس – بيكو، جزءاً من منطقة الانتداب الفرنسي. لكن هذه الاتفاقية خضعت لتعديلات عديدة نتيجة الأطماع البريطانية في ولاية الموصل، حيث كانت رائحة النفط بدأت تفوح، بالإضافة إلى الثروة المائية، فضلاً عن الموقع الاستراتيجي المتاخم لتركيا وإيران والقرب من روسيا، التي كانت قد أصبحت سوفيتية في المراحل الأخيرة من الحرب 1917.

تمت مناقشة هذه التعديلات في مؤتمر الصلح الذي انعقد بباريس عام 1919، واتخذ قرارٌ مبدئي –  بناء على اقتراح من الرئيس الأمريكي ويلسن – يقضي بسلخ أرمينيا،  وكردستان، وسوريا،  وميسوبوتاميا، وفلسطين،  وشبه الجزيرة العربية عن تركيا. الأمر الذي دفع بالمؤرخ الأمريكي هوارد إلى القول: (بأن الدول الأوربية الكبرى قد أعلنت في 30 كانون الثاني 1919 نهاية الإمبراطورية التركية )[2].

وكانت هناك مناقشات واسعة حول مشروع القرار هذا في مجلس العشرة بتاريخ 30 كانون الثاني 1919،  اتضح من خلالها جانب مثير للفضول ( حيث تبين أن عبارة ” كردستان ” لم تكن موجودة في المشروع الأول الذي تقدم به المجلس،  وقال لويد جورج ( رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الحين ) حرفياً بعد إدخال تعديل على مشروع الوفد البريطاني: مما يؤسف له أنه أغفل بلداً داخلاً في عداد تركيا لأنه ظن أن ميسوبوتاميا وأرمينيا تغطيان عليه،  لكنه أبلغ بأن الأمر ليس كذلك. وهذا ما يتعلق بكردستان التي تقع بين ميسوبوتاميا وأرمينيا،  لهذا فإنه يقترح إن لم تكن ثمة اعتراضات بضم (( كردستان أيضا )) إلى المشروع،  ولم يعقب ذلك أية اعتراضات )[3].

وقد استمع المؤتمر المذكور إلى وجهة نظر كل من الزعيم الأرمني اوتيس اهارونيان والأمير فيصل بن شريف مكة حسين بن علي،  حليف بريطانيا الذي دعا إلى استقلال ( شعوب آسيا الناطقة باللغة العربية )[4]. كما قدم الجنرال شريف باشا، سفير الإمبراطورية العثمانية سابقاً في السويد،  مذكرة حدد فيها (المطالب المشروعة للأمة الكردية ) بناء على وجهة نظره،  وانحصرت هذه المطالب في تأسيس دولة كردية مستقلة وفق مبادئ تقرير المصير المعلنة في ( البنود الأربعة عشرة لمبادئ الرئيس ويلسن )[5]. في حين دعا ممثل تركيا المهزومة فريد باشا (إلى ضرورة إبقاء الجزء الأكبر من كردستان تحت سيطرة الدولة التركية،  بالإضافة إلى الممتلكات الآسيوية الأخرى   التابعة لها )[6]. فرد عليه بلفور وزير خارجية بريطانيا حينئذ قائلاً: (بما أن تركيا هاجمت عمداً ودون أية  ذريعة أو استفزاز الحلفاء،  وهُزمت فقد كان على الدول المنتصرة أداء واجب صعب وهو تقرير مصير الشعوب المختلفة في الإمبراطورية  التركية المتعددة القوميات )[7].

من ناحية أخرى،  طالب الوفد الإيراني في مؤتمر باريس بالمناطق الواقعة في آسيا الصغرى حتى الفرات (أي كردستان وديار بكر والموصل إضافة إلى ما وراء القفقاس ومرو وهوى )[8].وهذا فحواه أن الدولة الفارسية تجاوزت الدولة التركية في مطالبها الخاصة بكردستان،  إذ كانت تريد  كردستان بأسرها،  الأمر الذي حدا بالمؤتمر إلى رفض حتى مجرد الاستماع إلى الوفد الإيراني[9]  نفسه.

ونظراً لتعارض، بل وتناقض المطامح القومية مع المطامع الاستعمارية،  وتباين وجهات النظر بخصوص رسم الحدود، واستشفاف إرادة الشعوب، ورغبة في إيجاد صيغة من التوفيق المقبول بين مختلف الفرقاء، اقترح ويلسن – الرئيس الأمريكي آنذاك – تشكيل لجنة دولية مهمتها دراسة الوضع ميدانياً في المناطق التابعة للدولة التركية، وذلك بغية التعرف عن كثب على أحوالها ورغبات شعوبها،  ومن ثم تقديم المقترحات بشأن المستقبل، وخاصة ما يتصل منها بمسألة الانتدابات.

رفضت فرنسا إرسال وفدها إلى اللجنة المقترحة، بينما عبرت بريطانيا عن عزمها على المشاركة، لكنها اقتدت لاحقاً بفرنسا رغبة منها في كسب ودها في ما يتصل بمطامعها في فلسطين وميسوبوتاميا. وهكذا لم يبقَ في اللجنة سوى الوفد الأمريكي الذي ضم كلاً من هنري كنغ وتشارلز كراين،  (قامت اللجنة في العاشر من حزيران ولغاية 23 تموز بزيارة فلسطين وسورية (مع لبنان ) وكيليكية لإجراء استفتاء للسكان،  وقد سلم في 28 آب تقرير لجنة كنغ – كراين إلى الوفد الأمريكي في باريس )[10].

واستناداً إلى هذا التقرير – الذي تضمن مقترحات شتى  تناولت مختلف الأوضاع في المنطقة،  نركز هنا على ما يخص منها المسألة الكردية – قدّم عضو الوفد الأمريكي في مؤتمر باريس البروفسور البرت ليبي مذكرة تضمنت برنامجاً لحل القضية الكردية،  جاء فيها (أنه يجب منح الأكراد المنطقة الجغرافية الطبيعية بين أرمينيا المقترحة في الشمال، وميسوبوتاميا في  الجنوب، وبين الفرات ودجلة على الحدود الغربية وبين الحدود الفارسية من  الشرق ويجوز منح هذه الأراضي الواقعة تحت حكم انتدابي صارم الإدارة الذاتية لإعدادها للاستقلال أو لاتحاد فيدرالي مع جارتها على أساس اتحاد له إدارة ذاتية واسعة )[11].

لكن هذا التوجه لم يكن ينسجم مع الأطماع البريطانية والفرنسية في نفط ميسوبوتاميا وكردستان، بالإضافة إلى رغبتهما  في إيجاد حاجز أمنى بين مستعمراتها في كل من سورية وميسوبوتاميا ( التسمية التي كانت تطلق في وثائق الحلفاء على المنطقة الواقعة جنوبي ولاية الموصل – العراق ).

ولما تأكدت المطامع البريطانية شيئاً فشيئاً بالنسبة إلى ولاية الموصل، كان الرد الفرنسي واضحاً، وتمثّل ذلك في المذكرة التي بعث بها كليمنصو إلى رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الحين لويد جورج، بتاريخ 2 كانون الأول عام 1919 وجاء فيها: (بما أن الأمر يتعلق بفرنسا فان إعطاء الموصل كتعويض أمر ضروري يلح عليه البرلمان الفرنسي والصناعة الفرنسية بنفس القدر،  بإقامة المساواة التامة في استثمار المصادر النفطية في ميسوبوتاميا وكردستان.. وتعطى لهذه المسألة أهمية كبيرة نظراً لفقدان النفط تماماً في فرنسا وحاجة البلاد إليه )[12].

وهكذا استمر إجراء المباحثات،  وتبادل المذكرات إلى حين عقد مؤتمر سان ريمو عام 1920 الذي بدأ أعماله في 19 نيسان بمناقشة مسائل عدة من بينها المسألة الكردية،  وبناء على اقتراح من لويد جورج، تم الاعتراف في هذا المؤتمر بمصالح إيطاليا الخاصة في جنوب الأناضول،  وبمصالح فرنسا في كيليكية وفي الجزء الغربي من كردستان المتاخم لسورية،  وحتى جزيرة ابن عمرو ( جزيرة بوطان )، وبمصالح بريطانيا إلى الشرق من نهر دجلة[13].

مهّد مؤتمر سان ريمو بصورة فعلية للتوقيع على معاهدة سيفر من ضواحي باريس في 10 آب عام 1920. في سيفر حصل الشعب الكردي ( على الاعتراف العالمي بالدولة )[14]. وقد حظيت المسألة الكردية على العموم بأهمية خاصة، وقد تمثل ذلك في تناولها ضمن الفصل الثالث ” كردستان ” المواد 62-64 في الجزء الأساسي من المعاهدة بعد فصلي ” القسطنطينية ”  و”المضائق “[15].

إلا انه بدا واضحاً منذ البداية أن بريطانيا لم تكن راضية بمعاهدة سيفر التي لم تضع النقاط على الحروف تماماً في ما يتصل بمخططاتها الاستعمارية، ورغبتها في السيطرة على نفط المنطقة،  ومن ثم التحكم بطريق الهند.وقد كان يقابل عدم الرضا هذا تباين وجهات نظر أركان الإدارة البريطانية بخصوص ملامح مستقبل المنطقة،  لذلك ارتأى ونستون تشرشل – الذي كان قد تسلّم للتو منصب وزير المستعمرات بدلاً من منصب وزير الحربية – عقد مؤتمر خاص لتناول قضايا الشرق الأدنى. وقد انعقد هذا المؤتمر في القاهرة في 12 آذار عام 1921 بمشاركة رؤساء الإدارة البريطانية في العراق، وفلسطين، وشرق الأردن،  ومصر وكبار الضباط في القوات البريطانية المسلحة المتمركزة في الشرق الأوسط وكذلك خبراء مهرة من شبكة الاستخبارات الإنكليزية مثل لورانس،  ونوئيل،  والرئد يانغ ، وغيرترودبيل، وغيرهم )[16].

تداول المشاركون في المؤتمر مختلف المسائل ذات العلاقة بتوجهات السياسة البريطانية في الشرق الأدنى وقد حظيت المسألة الكردية باهتمام لافت للنظر في المناقشات،  وقد كان مصدر ذلك الاهتمام هو انبعاث رائحة النفط من منطقة الموصل، وقد  اختلفت آراء المشاركين حول كيفية التعامل مع قضية الموصل،  لكنها تمحورت جميعها حول أهمية المنطقة بالنسبة لبريطانيا،  وضرورة إيجاد صيغة من العلاقة معها تقطع الطريق على الدولة التركية التي كانت تريد من ناحيتها فرض سيطرتها على كردستان،  رغبة منها في الاحتفاظ بالورقة الكردية لنفسها،  تمهيداً لابتلاعها بصورة نهائية إذا تسنَّى لها ذلك. بينما كانت الإدارة البريطانية تريد هي الأخرى   من جهتها استباق الأمور، ووضع فرنسا أمام الأمر الواقع الذي من شأنه إلزامها بالموافقة النهائية على ضم الموصل إلى منطقة الإنتداب البريطاني. وهذا ما عبّر عنه تشرتشل بدعوته إلى ضرورة التقارب بين العراق وكردستان تحت إشراف المندوب السامي البريطاني، ليكونا مستقبلاً دولة واحدة خاضعة لبريطانيا،  وأعلن (( أن ثمة تشابهاً تاماً بين وظائف الحاكم العام في جنوب أفريقيا ( بالنسبة لاتحاد جنوب أفريقيا وروديسيا ) والمندوب السامي البريطاني بالنسبة لميسوبوتاميا وكردستان ))[17].

وقد كانت المعاهدة الأنكلو- فرنسية التي جرى التوقيع عليها في باريس في 23 كانون الأول 1920 –  قد مهدت لهذه الخطوة، إذ اتفقت الدولتان البريطانية والفرنسية بموجبها على تحديد حصتيهما من أراضي الانتداب في كل من سوريا والعراق، ( واعتباراً من هذا التاريخ بدأ اسم كردستان الجنوبية الغربية بالظهور،  وذلك أن الحدود الجديدة ضمت جزءاً من الأراضي الكردية إلى سورية )[18](17). لكن الوليد الجديد لم يكن قد اكتمل بعد،  الأمر الذي اقتضى إجراء عملية قيصرية ثانية في إطار مؤتمر لندن الذي انعقد في الفترة ما بين 21 شباط ولغاية 14 آذار عام 1921. والأمر الذي أثار الانتباه في هذا المؤتمر هو أن وزير خارجية المجلس الوطني التركي الكبير سامي بك ترأس الوفد التركي الموحد الذي كان يمثل كلاً من حكومة مصطفى كمال في أنقرة،  والإدارة العثمانية في استنبول،  وهذا ما كان في حد ذاته مؤشراً في غير صالح المسألة الكردية. إذ انه دل على وجود رغبة لدى الحلفاء في الوصول إلى توافق مصلحي يرضي كل طرف ضمن الإمكانيات المتاحة،  وهذا ما كان بطبيعة الحال على حساب الطرف الأضعف.

جرت في إطار المؤتمر المذكور سلسلة من المناقشات،  خصت مستقبل الأوضاع في المناطق غير التركية التي كانت خاضعة للدولة العثمانية. وقد استأثرت المسألة الكردية باهتمام كبير في المداولات،  نظراً لموقع كردستان الفاصل بين مناطق النفوذ والانتداب في كل من إيران، والعراق،  وسوريا،  وتركيا،  فضلاً عن مجاورة كردستان لأراضي روسيا السوفيتية آنذاك، العدو المنتظر.

لم يتوصل مؤتمر لندن إلى شيء محدد سوى إبراز ضرورة النظر في معاهدة سيفر. لكن الذي حدث هو قيام بكير سامي بك بإبرام جملة من الاتفاقيات مع عدد من ممثلي الدولة المشاركة،  وذلك على هامش أعمال المؤتمر. وما يهمنا هنا يتمثّل في الاتفاقية التي عقدها مع وزير خارجية فرنسا آنذاك بريان. تلك الاتفاقية التي اتسمت بطابعها العسكري ، السياسي ، الاقتصادي. وحصلت فرنسا بموجبها على اعتراف بالنفوذ في كيليكية وجنوب شرق الأناضول , مقابل الحد من تواجدها  العسكري هناك ؛ كما تضمنت الاتفاقية في الوقت عينه ( رسم الحدود التركية السورية )[19]. ولعله ليس من الصعوبة بمكان  ( أن نلاحظ أن هذه الاتفاقية سواء من حيث جانبها الجغرافي أم السياسي- الاقتصادي، قد مسّت المناطق الكردية في سوريا، (وأصبحت المسألة الكردية وللمرة الأولى موضوعاً مباشراً للمفاوضات التركية – الفرنسية، وحصل الفرنسيون على  إمكانية التغلغل في المناطق الكردية الواسعة الغنية )[20].

هنا نستطيع القول: بأن الملامح شبه النهائية لحدود كردستان سوريا، أو المناطق الكردية في سورية قد بدأت تتضح شيئاً فشيئاً. فبعد أن تحددت تخومها الشرقية نتيجة الاتفاق الإنكليزي – الفرنسي،  ها هي حدودها الشمالية ترسم بموجب الاتفاق المبدئي بين كل من بريان وبكير سامي بك، ذاك الاتفاق  الذي مثّل في واقع الحال مسودة معاهدة الصلح التركية – الفرنسية، معاهدة فرانكلين بويون[21] التي تم التوقيع عليها في أنقرة بتاريخ 20 تشرين الثاني عام 1921،  وهي المعاهدة التي أكدت بصورة لا غبار عليها سقوط معاهدة سيفر،  وأنهت حالة الحرب بين فرنسا وتركيا،  كما أنها تضمنت تخلياً فرنسياً عن نظام سيفر، وأقرت باعتراف فرنسا بحكومة أنقرة الكمالية، بالإضافة إلى ما تقدم، تم الاتفاق بموجب هذه المعاهدة على رسم الحدود بين تركيا وسورية، وأصبحت أنطاكية تابعة لتركيا، بينما باتت اسكندرونة تابعة لسوريا مع إجراءات خاصة.

إلى جانب ذلك،  انسحبت فرنسا من كيليكية ( ومن المناطق الواقعة إلى الشمال من الحدود التركية – السورية، وبقيت سكة حديد بغداد الهامة من الناحية الاستراتيجية والممتدة من تشوبان بك ” محطة الرعي”  وحتى نصيبين داخل الحدود التركية. ونالت تركيا حق نقل المعدات العسكرية عبر الخط الحديدي الذي يمر في الأراضي السورية )[22].

وفي المقابل حصلت فرنسا على امتيازات في جنوب شرق الأناضول. وقد كان لهذه المعاهدة تأثير مباشر على القضية الكردية بصورة عامة،  إذ أنها (أبعدت إحدى أعضاء دول الحلفاء الرئيسة من نظام سيفر، وبالتالي حكمت على معاهدة سيفر نفسها وموادها الكردية بفشل محتوم )[23].

لكن التأثيرات التراجيدية لهذه المعاهدة كانت محلياً أوضح للعيان،  إذ قضت بخلخلة بنيوية في المجتمع الكردي في المنطقة،  وفصلت عرى القرابة بين الأسر،  كما أحدثت خلخلة كبرى في أوضاع المنطقة على مختلف الصعد،  خاصة على الصعيد الاقتصادي، إذ باتت المناطق التي ألحقت بسورية معزولة عن مراكزها الاقتصادية،  الأمر الذي أثر بصورة سلبية في نموها الاقتصادي اللاحق، وحتى في توازنها المجتمعي، ومستواها الثقافي والتعليمي، وعلى صعيد امتلاكها للوعي المديني، إذا أن المناطق الريفية الزراعية منها والرعوية هي التي أصبحت في الجانب السوري، بينما ظلت المراكز الحضرية والمدن الكبرى في الجانب التركي.

لقد مست هذه المعاهدة بصورة مباشرة كردستان الجنوبية الغربية (وأقرّت بصورة نهائية السيطرة الفرنسية على جزئها السوري. ووطدت المواقع العسكرية والسياسية لحكومة الكماليين في المناطق الجنوبية من كردستان تركيا، وفي آن واحد أصبحت لدى تركيا إمكانية تحسين مواقعها العسكرية – الاستراتيجية وبشكل ملموس على حدود كردستان الجنوبية )[24].

كما أعطت المعاهدة المذكورة دفعة حيوية للحكومة الكمالية التي أعدت نفسها في ظل الأوضاع الدولية المستجدة للمطالبة بإلغاء معاهدة سيفر، وهي التي كانت قد ألزمت الدولة التركية بضرورة الموافقة على الاعتراف بالدولة الكردية حسب المواد 62، 63، 64  من القسم الثالث من المعاهدة المذكورة ، وذلك إذا عبّر الشعب الكردي عن رغبته في إقامة مثل هذه الدولة. لكن الصورة الآن قد تغيّرت ، فتركيا التي كانت الخصم التقليدي لروسيا القيصرية ، كانت قد تحولت في عهد مصطفى كمال إلى صديق لروسيا السوفييتية. أما على الصعيد الداخلي، فقد كانت مسألة السلطة قد حسمت لصالح مصطفى كمال الذي ألغى في 1 تشرين الثاني عام 1922 السلطنة ، ومعها حكومة الباب العالي ، في حين كان الخليفة عبد المجيد الذي ترك وشأنه كمجرد رمز ديني ينتظر نهايته. وهكذا غدت حكومة الكماليين حكومة المجلس الوطني التركي الكبير، سيدة وحيدة من دون منازع، تتحكّم في مجمل أوضاع البلاد. وبعد مرور عام ، أعلنت أنقرة في تشرين الأول عام 1923 عاصمة رسمية للجمهورية التركية ؛ ( وفي أوائل آذار عام 1924 ألغيت الخلافة )[25]. هذه المعطيات، بالإضافة إلى تلك الخاصة بكل من بريطانيا وفرنسا، مهدت السبيل لعقد مؤتمر لوزان عام 1923، الذي تجاهل مسألة الدولة الكردية….

وهكذا فتحت صفحة مأساوية بالنسبة للواقع الكردي أرضاً وشعباً، فعلى صعيد الأرض قسمت كردستان إلى أربعة أجزاء بعد أن كانت مقسمة إلى جزئين قبل الحرب، وعلى صعيد الشعب، توزع الشعب الكردي بين أربع دول ذات أنظمة اجتماعية اقتصادية ، ثقافية، سياسية مختلفة، الأمر الذي أحدث شروخاً عميقة في الجسد الكردي، وأدى إلى تباين نوعي في مستوى النمو والوعي، وما كان يزيد في مأساوية الوضع هو اتفاق الدول الأربع وإصرارها على إلغاء الشخصية الكردية القومية بشتى السبل، بدءاً من الكلام المعسول الفضفاض الخالي من أي مضمون واقعي، وانتهاء بالكيماوي، والأنفال وإعلان الجهاد على “الأكراد الكفار “.

لكن الوضع بالنسبة لكردستان سوريا كان هو الأكثر إيلاماً، إذ ألحقت بموجب الاتفاقية الإنكليزية- الفرنسية الخاصة بالحدود العراقية – السورية، والاتفاقية الفرنسية – التركية بشأن ترسيم الحدود التركية – السورية،  ثلاث مناطق كردية بسوريا الكيان السياسي الحديث،  هذه المناطق  تبدو منفصلة بعضها عن بعض إذا ما نظر إليها المرء من الجنوب، لكنها من الشمال والشرق ترتبط بصورة عضوية بكردستان تركيا وكردستان العراق،  الأمر الذي يؤكد مرة أخرى   مدى اعتباطية التقسيم الاستعماري للمنطقة،  والبعد الكارثي للنتائج التي ترتبت عليه،  هذه النتائج المتفاقمة حتى يومنا هذا.

 

 

مصطلح المناطق الكردية في سوريا/كردستان سوريا يشمل المناطق التالية: الجزيرة، كوباني (عين العرب)، عفرين.

1-الجزيرة: وهي المنطقة الكردية الأكبر في سوريا،  ترتبط إلى الشرق بكردستان العراق،  وإلى الشمال بكردستان تركيا. كانت المنطقة الكردية في القسم العلوي منها تابعة لولاية ديار بكر، وفي ما بعد لولايتي دياربكر وماردين[26]. يسكنها نحو مليون كردي، إلى جانب المكوّنات الأخرى، مثل العرب، السريان، الكلدان ، الأرمن، والآشوريين. هذا في حين أن الكرد هم أقلية في الجزيرة السفلى بالنسبة إلى العرب. وفي سبيل المحافظة على الطابع الأقوامي في المنطقة من قبل الحكومات السورية المتعاقبة،  كان الإصرار الدائم على الربط الإداري بين الجزيرة العليا ومناطق واسعة من الجزيرة السفلى، لتكوّن في المحصلة المنطقة الإدارية المعروفة بمحافظة الحسكة.

المدن والبلدات الكردية الرئيسة في الجزيرة من الشرق إلى الغرب هي:

1-ديريك: وهي اليوم مركز المنطقة التي تعرف رسمياً بالمالكية، وهي تضم ناحية ÇILAXA (الجوادية ) وتل كوجر GIRÊ KOCERA  (اليعربية )، بالإضافة إلى QERE ÇOX والرميلان ،  حيث حقول النفط الشهيرة في أقصى الشمال الشرقي من سورية. كما ترتبط بديريك أكثر من 150 قرية كبيرة نسبياً،  مقارنة مع القرى الأخرى   في الجزيرة. حالياً تعرف ديريك رسمياً – كما أسلفنا – بالمالكية،  وهو الاسم المعرب الذي أطلق عام 1957. ومن الجدير بالذكر هنا أن مركز المنطقة انتقل إلى ديريك عام 1936،  وقبل هذا التاريخ كانت قرية عين ديور السياحية الشهيرة على ضفة دجلة الغربية هي المركز، بينما كان القضاء يسمى حينئذ قضاء دجلة[27].

كانت المنطقة قبل التقسيم ورسم الحدود تتعامل اقتصادياً مع جزيرة بوطان ، والموصل ، وزاخو . إلا أنه بعد التقسيم بدأت حكومة الانتداب تركز على ديريك التي تستمد اسمها من دير مسيحي صغير،  ما زال هيلكه العام قائماً إلى ا ليوم. ولكن في أواخر الخمسينات ارتأى مدير المنطقة – الذي يبدو انه كان من أسرة عدنان المالكي – أن يعرّب الاسم،  فاقترح ذلك على السلطات المختصة،  وكان الاسم الجديد المالكية بموجب المرسوم 346- 24أذار/مارس 1957، وهذا الاسم لا يستخدم سوى في المعاملات الرسمية،  في حين أن المواطنين يتداولون فيها بينهم الاسم الأساسي. تتميز منطقة ديريك بطابعها الهضابي،  وتربتها الخصبة،  إلى جانب أمطارها الغزيرة،  وهي تعد من منطقة الاستقرار الأولى،  وفق المصطلحات التي تستخدمها دوائر الزراعة السورية. بمعنى أن الزراعة البعلية فيها مضمونة. الثروة المائية في المنطقة لابأس بها،  خاصة إذا وضعنا في اعتبارنا وجود نهر دجلة،  بالإضافة إلى الوديان الأخرى. طبيعة المنطقة تجمع بين خصائص السهل والجبل. عدد الكرد في المنطقة يقدر بحوالي 200 ألف نسمة، حوالي ثلثهم في مركز المنطقة، والباقي في القرى التابعة لها[28].

مساحة المخطط التنظيمي لمدينة ديريك هو 250 هكتار.

إلى الغرب من ديريك بحوالي 70 كم تقع بلدة تربه سبيي التي خضع اسمها للتعريب مرتين. المرة الأولى كانت حينما ترجم اسمها إلى العربية حرفياً، فغدا “قبور البيض”،  الأمر الذي لم يشف غليل المسؤولين عن التعريب الأول، فاتفقوا فيما بينهم على أن يكون الاسم الجديد للبلدة هو القحطانية. عدد سكان تربه سبيي والقرى التابعة لها حوالي 70 ألف، منهم حوالي 20 ألف في مركز البلدة،  في حين أن الباقي يتوزعون على القرى التابعة لها.

إلى الغرب من تربه سبيي بحوالي 30 كم تقع مدينة القامشلي،  العاصمة الإقليمية الفعلية لمنطقة الجزيرة. يضم مركز المدينة حوالي 300 ألف نسمة (25)، أما القرى التابعة لها فهي تضم أكثر من 150 ألف.نسبة السكان الكرد في المدينة هي في حدود 70 في المائة، أما النسبة الباقية فتضم االسريان والعرب،  بالإضافة إلى المكونات الأخرى   مثل الأرمن والكلدان والآشوريين…

مدينة القامشلي حديثة نسبياً، أنشأها الفرنسيون لسد حاجة المنطقة إلى مركز إداري، تجاري بعد عملية رسم الحدود التي فصلت منطقة الجزيرة عن الجزيرة بوطان ونصيبين،  بالإضافة إلى ماردين.

وقد استمدت المدينة اسمها من نبات القاميش – قامر (القصب) الذي كان يغطى ضفاف نهر جغجغ الذي يقسم المدينة إلى قسميها الشرقي والغربي. تعد مدينة القامشلي عقدة المواصلات الأساسية بين منطقة الجزيرة والمناطق الداخلية،  إذ فيها بالإضافة إلى المطار، ومحطة القطار الجديدة التي تربطها بدمشق واللاذقية، مروراً بدير الزور والرقة وحلب. إلى جانب المحطة القديمة التي كانت تربطها سابقاً بحلب وبغداد بوساطة سكة خط قطار الشرق السريع، وهي التي أصبح القسم الأكبر منها تابعاً لتركيا بموجب الاتفاقية الفرنسية – التركية المشار إليها سابقاً.

تعتبر القامشلي المركز التجاري والصناعي الأهم في منطقة الجزيرة، كما أنها فضلاً عن ذلك تضم أهم المراكز الصحية في المنطقة. ونظراً لحيوية المدينة بالنسبة إلى الكرد،  استقرت فيها قيادات الفروع الأمنية في محافظة الحسكة ، على الرغم من أن الحسكة هي مركز المحافظة وليست القامشلي.

القامشلي مدينة مهملة،  شأنها في ذلك شأن المدن الكردية الأخرى، سواء في محافظة الحسكة أو في محافظة حلب،  لدرجة أن المرء يدرك منذ الوهلة الأولى مدى البون الشاسع في التعامل بين المناطق الكردية والأخرى   العربية داخل سورية. هذا رغم أن المناطق الكردية، خاصة الجزيرة،  هي التي تمد الاقتصاد السوري بثروات أساسية تمثل عماد الاقتصاد الوطني، ونخص بالذكر: النفط والحبوب بأنواعها، والقطن، فضلاً عن المنتوجات الزراعية الأخرى، إلى جانب الثروة الحيوانية.

تتبع منطقة القامشلي ثلاث نواحي هي: عامودا، تربه سبيي تل حميس. بالإضافة إلى اكثر من 200 قرية بينها قرى كبيرة مثل: تل معروف التي كانت إلى وقت قريب المركز الأقوى للطريقة النقشبندية في المنطقة. مساحة المخطط التنظيمي لمدينة القامشلي 2000 هكتار[29].

إلى الغرب من القامشلي، بحوالي 30كم تقع مدينة عامودا التي تبعد في اتجاه الغرب حوالي ثمانية كيلومترات عن أوركيش/تل موزان عاصمة الحوريين[30]. المدينة التي يعود تاريخها المثبت في ذاكرة المعمرين إلى اكثر من ثلاثة قرون،  إذ هناك أسر كثيرة  في المدينة يعدد المسنون فيها أسماء أجدادهم حتى الرقم الثامن والتاسع وربما العاشر أحياناً. كما أن مقابر المدينة تشهد على تاريخها، إذ يعود تاريخ مقبرتها الحالية إلى عام 1929 وهو العام الذي توفي فيه الملا عبيد الله “سيدا” وكان أول من دفن فيها، في حين أن المسنين لا يعرفون شيئاً عن بدايات المقبرة الأقدم. من المعالم الأثرية في المدينة، تلها الشهير Girê Shermola وجامعها المعروف في المنطقة بأسرها، إذ كانت تتبعه مدرسة دينية، تخرج منها منذ بدايات القرن العشرين وحتى منتصف الستينات العشرات من حملة الإجازة العلمية في الفقه والشريعة وعلوم التفسير، فضلاً عن النحو والصرف والبلاغة والمنطق، بلغت هذه المدرسة أوج ازدهارها في العشرينات من هذا القرن تحت إشراف المرحوم العالم ملا عبيد الله هيزاني “سيدا”. حيث كان يتوافد طلبة العلم من مختلف مناطق كردستان على المدرسة ونذكر من طلاب هذه المدرسة المرحوم العالم ملا عبد الحليم إسماعيل الذي كان ضليعاً في المذاهب الفقهية الإسلامية الأربعة،  وكان معروفاً لدى العلماء المسلمين في العديد من الدول الإسلامية.كما أن الشاعر الكردي الشهير جكرخوين “ملا شيخموس ” هو نفسه من بين طلبة هذه المدرسة. هذا بالإضافة إلى كل من ملا عبد اللطيف إبراهيم، وملا شيخموس قرقاتي رحمهم الله جميعاً. عدد سكان منطقة عامودا حوالي 150 ألف نسمة، بينهم نحو 50 ألف في المدينة نفسها، أما البقية فهم يتوزعون على البلديات والقرى التابعة لها وعددها في حدود 150 قرية. نسبة الكرد في منطقة عامودا هي 98 بالمائة، أما البقية فهم عرب ومكونات أخرى. ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن تل عامودا اصبح في الجانب التركي من الحدود،  وذلك بموجب الاتفاقية الفرنسية – التركية السالفة الذكر. في حين أن الطريق التي كانت تربط عامودا بماردين أصبحت غير سالكة بفعل التقسيم، علماً بأن هذه الطريق ما زالت تعرف حتى الآن بين السكان بطريق المدينة Riya Bajêr كما توجد طرق أخرى   تسمى:

Riya Darê. أي طريق داري التي كانت تربط بين عامودا وقرية داري الشهيرة بآثارها التاريخية القديمة،  وهي تقع اليوم نتيجة التقسيم في الجانب التركي من الحدود. تستمد عامودا حيويتها من كونها المركز الإداري التجاري للمنطقة الزراعية الخصبة التي تحيط بها. ففيها توجد المحلات التجارية التي تلبي حاجة المستهلكين، بالإضافة إلى الورشات الصناعية التي تخدم القطاع الزراعي، وتسد الحاجات المنـزلية.

إلى الغرب من عامودا تقع بلدة الدرباسية التي تبعد عنها 26 كم، وهي ناحية مرتبطة بمنطقة رأس العين.سابقاً كانت قرماني هي مركز الناحية. تقع في مواجهتها درباسية فوق الخط كما يسميها سكان المنطقة Dirbêsiya Serxetê.وهي الواقعة في الجانب التركي من الحدود بموجب اتفاقية رسم الحدود. يفصل بين المدينتين الخط الحديدي، والألغام المزروعة على الحدود. منطقة الدرباسية زراعية في المقام الأول، وهي موطن العشائر الكيكية التي قسّمت ما بين تركيا وسوريا. ويبلغ تعداد سكان المنطقة حوالي 150 ألفاً، منهم حوالي 30 ألفاً في مركز الناحية والقرى الملاصقة لها، مثل: تليلون وجطلي وكربتلي،  أما الباقي فيتوزع بين اكثر من 100 قرية تابعة لمركز الناحية. ترتبط البلدة مع عامودا بطريق موازية لسكة الحديد. كما ترتبط بطريق مع مدينة الحسكة التي تقع إلى الجنوب منها حوالي 70 كم، ومع مدينة رأس العين التي تقع إلى الغرب منها بمسافة 70كم. نسبة الكرد في منطقة الدرباسية حوالي 80 % أما البقية فهم عرب ومكونات أخرى مثل السريان.

Serê Kanyê سري كاني (رأس العين ):هي إدارياً مركز المنطقة، كانت مرتبطة سابقاً قبل ترسيم الحدود بويران شار Wêran Şhehir .تتمركز فيها أسرة إبراهيم باشا ذات الدور الكبير في المنطقة أيام السلطة العثمانية، خاصة في عهد السلطان عبد الحميد. فقد كانت المنطقة الممتدة حتى جبل عبد العزيز مسجلة كمراعٍ باسمها، أما نفوذها الحيوي فقد شمل مساحات أبعد من ذلك.تشتهر منطقة رأس العين بينابيعها التي تعد مصدر الخابور، ومن هنا كان اسمها سري كاني، هذا الاسم الذي عرّب حرفياً فغدا رأس العين.إلا أن غزارة ينابيع المنطقة قد انخفضت في السنوات الأخيرة بنسبة كبيرة، وذلك نتيجة المشاريع المائية التركية  الكبيرة، والحفر العشوائي للآبار الارتوازية.. عدد سكان المنطقة أكثر من 150 ألف نسمة، منهم حوالي 40 ألفاً في مركز المدينة، أما الباقي فيتوزع على القرى التابعة وعددها يربو على المائة. توجد في المنطقة ثروة مائية جارية هامة، تتمثل في نهر الخابور، بالإضافة إلى الينابيع الكبريتية، هذا إلى جانب الثروة المائية الباطنية.المنطقة زراعية في المقام الأول، وزراعتها مروية بصورة أساسية. أهم محاصيلها: الحبوب والقطن، إلى جانب الأشجار المثمرة.وفضلاً عما تقدم، تشتهر المنطقة بطابعها الأثري إذ تضم المنطقة تل حلف الشهير الذي يعد فخاره واحداً من أبرز ما تم العثور عليه من فخار العصور القديمة، وبه يؤرخ لمرحلة هامة من مراحل التاريخ ما قبل المكتوب. كما أن المنطقة كانت ذات أهمية خاصة في عهود الميتانيين والحثيين والأقوام التي أتت من بعدهما، ويشار هنا إلى تل فخيرية الذي يعتقد حتى الآن بأنه يضم موقع عاصمة الميتانيين واشوكاني[31].

وأخيراً نأتي إلى مركز المحافظة، الحسكة المدينة التي بدأ الاهتمام بها في عهد الفرنسيين، وكبرت بصورة ملحوظة في السنوات الأخيرة،  عدد السكان في منطقة الحسكة حوالي 500 ألف نسمة. المنطقة تضم الحسكة المدينة، ومجموعة من النواحي والبلديات مثل: تل تمر، تل براك، الشدادة، الجبسة،  مركدة، بالإضافة إلى أكثر من 150 قرية. نسبة الكرد في المدينة نفسها حوالي 40 بالمائة، أما النسبة الباقية فهي تضم العرب والسريان والآشوريين والأرمن والكلدان والجاجان… القرى التي تقع شمال مدينة الحسكة تتصف بطابعها الكردي، في حين أن نسبة الكرد تقل بصورة ملحوظة في القرى الواقعة إلى الجنوب والشرق من المدينة. المدينة حديثة نسبياً وقد اهتمت بها الحكومة بصورة لافتة للنظر على حساب مدينة قامشلي، المدينة الأكبر والأهم بالنسبة لموقعها. مساحة المخطط التنظيمي للحسكة  هو 800 هكتار. تشتهر المدينة بنهر الخابور الذي يجري في وسطها، لكنه مع الأسف تأثر بالجفاف إلى حد بعيد.تعد الحسكة المركز الإداري للمنطقة، وقد حرصت الحكومات المتعاقبة باستمرار على اعتماد المركزية الإدارية الصارمة في تسيير المعاملات. وكانت في الوقت ذاته حازمة أمام مطالبة الأهالي بضرورة إحداث محافظة القامشلي، أسوة ببقية المحافظات الأخرى المستجدة مثل طرطوس والرقة، علماً أن اتساع المنطقة وأهميتها الاقتصادية، يستلزمان مثل هذا التقسيم الإداري. فابن ديريك مثلاً عليه أن يسافر مسافة 200كم من اجل الحصول على توقيع إداري أو ما شابه. لكن السلطات كانت متشددة في رفضها هذا المطلب على الرغم من مشروعيته ومعقوليته، انطلاقاً من هواجسها الشوفينية التي تريد قطع الطريق بصورة نهائية أمام إحداث محافظة يكون الكرد فيها الأغلبية السائدة بصورة لا تدع المجال لأي شك، وذلك تحسباً لأية احتمالات مستقبلية.

أما المنطقة الكردية السورية الثانية  فهي منطقة كوباني، التي استمدت اسمها من اسم الشركة الألمانية التي أنشأت خط قطار السريع عام 1912،  ولكنه – الأسم- غدا لاحقاً عين العرب في إطار سياسة التعريب المتبعة نحو المناطق الكردية. وقد سألت بنفسي العديد من المسنين في المنطقة أثناء زياراتي العديدة لها عن حكاية هذه التسمية الأخيرة،  وما أجمعوا عليه هو أنه كان يوجد في المنطقة نبعان: الأول كان يسمى كانيا مرشدي أي نبع مرشد، (مرشد بينار بالتركية)، في حين سمي الثاني بكانيا عربا – نبع العرب، (عرب بينار بالتركية)،  لأن العرب الرحل كانوا يأتون صيفاً مع مواشيهم إلى المنطقة من بوادي الرقة وكان النبع مصدر مياههم،  وهذا معناه أن سكان المنطقة الكرد هم الذين أطلقوا اسم عين العرب على نبع يقع ضمن منطقتهم هم. وما عرفته من أولئك المسنين أن الشيوخ العرب في تلك الفترة كانوا يقرون بالوضع، ويعترفون بكون برية كوباني تابعة للمنطقة الكردية منذ البدايات.  المنطقة كانت تابعة سابقاً لأورفة،  ولكن بعد تقسيم الحدود أصبحت كوباني مركزاً للمدينة الحديثة.  المنطقة تابعة إدارياً لمحافظة حلب، وكانت كذلك خلال العهد العثماني[32]. تضم المنطقة حوالي 300 ألف نسمة،  بينهم اكثر من 70 ألفاً في مركز المدينة، بينما البقية تتوزع على نحو 200 قرية تابعة لها. تفصل بين كوباني والجزيرة  تل أبيض التي يسكنها مزيج من العرب والكرد والمكونات الأخرى، وهناك العديد من العديد من القرى الكردية بين كوباني وتل أبيض، وبينها وبين الرقة،.لكن كلتا المنطقتين ” الجزيرة وكوباني ” ترتبطان مع المناطق الكردية في تركيا،  وتلتقيان من خلالها،  الأمر الذي يؤكد مرة أخرى مدى قساوة وتعسفية التقسيم.

تقع مدينة كوباني/ عين العرب إلى الشرق من نهر الفرات على مسافة 30 كم. والمنطقة بصورة عامة هي امتداد لسهل سروج الذي يقع اليوم في الجانب التركي. تشتهر المنطقة بزراعة الحبوب خاصة الشعير. وكذلك القطن والأشجار المثمرة مثل المشمش واللوز والفستق الحلبي.

وأخيراً نأتي إلى منطقة عفرين التي استمدت اسمها من نهر عفرين. منطقة عفرين كانت المنطقة تابعة إداريا في السابق لكلس مركز القضاء التي بقيت بموجب التقسيم بموجب الاتفاق الفرنسي- التركي في الجانب التركي. في عهد الانتداب الفرنسي تم تشكيل قضاء جديد باسم كرداغ/جبل الكرد، وذلك بموجب القرار رقم 33، تاريخ- 4-أيلول/سبتمبر 1922، وكان يضم في ذلك الحين اربع نواحي هي: “1- الحمام. 2. قاطمة. 3- راجو. 4- بلبل”[33]. تتشكل منطقة عفرين في يومنا الراهن من سبع نواح هي: عفرين المركز، شران، معبطلي، بلبل، راجو،  جنديرس، شيخ الحديد. بالإضافة إلى حوالي 400 قرية ونحو 160 مزرعة. يقدر عدد سكان منطقة عفرين بنحو 500 ألف نسمة.. المنطقة جبلية،  تجمع بين مناخ الجبل والمتوسط لقربها من البحر.

وتجدر الإشارة هنا إلى العديد من سكان المنطقة هاجر منها إلى القسم الشمالي من كردستان التابع حالياً لتركيا، في حين أن قسماً آخر لا يستهان به توجه نحو مدينة حلب بحثاً عن فرص عمل أفضل، وذلك نتيجة واقع الإهمال الذي تعاني منه المنطقة، شأنها في ذلك بقية المناطق الكردية الأخرى. تشتهر منطقة عفرين بالزيتون والزيت الكرديين، بالإضافة إلى الأشجار المثمرة خاصة الفستق الحلبي، والمشمش،  والعنب،  إلى جانب الخضروات والحبوب والبقوليات،  كما أن طبيعة المنطقة خلابة ساحرة،  تمتلك إمكانيات سياحية كبيرة، فضلاً عن كنوزها الآثارية خاصة في منطقتي كفر جنة والنبي هورو[34].

المجتمع الكردي السوري في أصوله مجتمع ريفي- عشائري  زراعي مع بؤر حضرية إذا صح التعبير. وذلك نتيجة واقع التقسيم الذي حصل في المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى كما أسلفنا من قبل. ولكن الواقع الجديد دفع بسكان المنطقة إلى الاستقرار الزراعي بصوة أشمل، كما أدى في الوقت ذاته إلى ظهور تجمعات سكانية جديدة، سرعان ما تحولت إلى مدن، حلت مكان المدن التي ظلت في الجانب التركي وذلك لتلبية احتياجات المنطقة من جهة، وتلبية متطلبات سلطات الانتداب الفرنسية الأمنية والإدارية منها والاقتصادية. ولكن الطابع العشائر ظل له وزنه لبعض الوقت.

ومع تطبيق الاصلاح الزراعي أيام الوحدة السورية- المصرية 1958، وتعاظم حجم المدن المستحدثة، تراجعت أهمية العشيرة على صعيد الدور الموجه في المجتمع. وحلت محلها الأسرة الكبيرة، أو نظام العائلات، خاصة في المدن التي ظلت ظلت على علاقة وثيقة مع الريف. إذ أن غالبية سكانها كانوا يمتلكون الأراضي الزراعية في القرى المحيطة، بل كان قسم كبير منهم يمتلك البيوت أيضاً، ويتنقلون بصورة دورية بين القرية والمدينة. وهذا ما أدى بدوره إلى سيادة العلاقة الاجتماعية المحافظة في تلك المدن. كما أن الريف المحيط بات أكثر انفتاحا نتيجة التواصل المستمر مع المدن.

المجتمع الكردي بصورة عامة مجتمع متدين محافظ، ولكنه غير متزمت، ويتجلى ذلك في حالة الاختلاط بين الجنسين في المناسبات الاجتماعية والمواسم الزراعية والحياة العامة، وحتى في العمل السياسي. ربما الصورة تختلف من منطقة إلى أخرى، ولكن الاتجاه العام غير المتشدد هو السائد. ولعله من اللافت هنا أن نلاحظ خلو المجتمع الكردي تقريباً من ظاهرة الإسلام السياسي. وبالتوافق مع هذا التوجه، يتسم المجتمع الكردي بانفتاحه على أتباع جميع الأديان والمذاهب الأخرى. واحترامه لدور العبادة الخاصة بهم، واحترام المناسبات والطقوس الدينية الخاصة بهم. بل هناك مشاركة اعتيادية في الكثير من هذه المناسبات.

هذا مع العلم أن الغالبية الساحقة من كرد سورية هم من المسلمين السنة، ومن المذهب الشافعي تحديداً. هناك أقلية محدودة من أتباع المذهب العلوي في منطقة عفرين. وأقلية محدودة من أتباع الديانة الايزيدية في مناطق قبور البيض/تربة سبيي والحسكة وعامودة ورأس العين/ سري كانيي وعفرين.

يحتفل الكرد السوريون بمناسباتهم الدينية والقومية، خاصة عيد نوروز، الذي يعتبر بداية السنة الكردية الجديدة، ويصادف موعد الانقلاب الربيعي 21 أذار/مارس.

الشعور بالهوية القومية لافت وقوي لدى الكرد السوريين، وما يعززه أكثر يتمثّل في سياسات الاضطهاد المزودج التي مارسها النظام السياسي، خاصة في مرحلة البعث بحقهم. ومن هنا نلاحظ الانتشار الواسع للأحزاب الكردية ومنظمات المجتمع المدني والفعاليات المجتمعية التي تأخذ بالمنحى القومي.

أما على صعيد النشاط الاقتصادي والوضع المعيشي، فالزراعة بفرعيها المروي والبعلي هي العمود الفقري للاقتصاد في مختلف المناطق الكردية، إلى جانب الثروة الحيوانية. أهم المزروعات هي الحبوب بأنواعها التي تشتهر بها منطقة الجزيرة، والقطن، والسمسم والكمون والخضروات والفواكه، والزيتون الذي تشتهر به منطقة عفرين. أما القطاع الزراعي فهو يقتصر على المشاغل والورش الصغيرة التي توفر مستلزمات الانتاج الزراعي بالدرجة الأولى، إلى جانب الاحتياجات المنزلية. وهناك قطاع خدمات مقبول نسبياً، يخدم العملية الانتاجية، ويقدم الخدمات للمواطنين على مختلف المستويات. لا توجد مشاريع اقتصادية كبرى خاصة أو حكومية في المناطق الكردية. ومن هنا كان ذاك الثقل للطبقة الوسطى التي حافظت على التوازنات المجتمعية، وأسهمت في الحفاظ صيغة من الاعتدال في المواقف والآراء.

غير أن هذه الصورة في مجملها قد تغيرت كثيراً في وقت الراهن في ظروف الثورة والمتغيرات التي حدثث في المناطق المعنية. هناك حالة هجرة مخيفة، خاصة بين الجيل الشاب، الأمر الذي أدى إلى خلخة قوية في البنية المجتمعية. كما أن ظروف الحرب أفرزت مجموعة من الفئات التي استفادت من واقع الحرب، مقابل تراجع الوضع المعيشي لغالبية السكان، الأمر الذي دفع بالكثيرين نحو الهجرة سواء الهجرة الخارجية أو الداخلية نحو الأرياف[35]. 

 

جرت العادة بين جمهور من الدارسين للتاريخ الكردي  العام– انطلاقاً من دوافع يُشك في جدارتها العلمية– على تناول المجتمع الكردي بصورة عامة بوصفه مجرد قبائل تعيش على الرعي والزراعة الموسمية غير المستقرة. فهم لا يشيرون من قريب أو من بعيد إلى الحياة المدينية في المجتمع الكردي. ولا يتحدثون عن المدارس الدينية الكردية التي يعود تاريخها المعروف لدى المسنين من أبناء المنطقة إلى ثلاثمائة عام على الأقل.كما يتحاشى هؤلاء عن قصد في معظم الأحيان تناول الاستقرار الزراعي الكردي منذ القديم، هذا فضلاً عن تطور النشاط التجاري بين الأكراد، وإتقانهم مختلف الحرف، فضلاً عن اهتمامهم الجاد باكتساب المعارف العلمية، إلى جانب الإسهام الفاعل في التنظيمات السياسية والاجتماعية، والإصرار على الاحتفاظ باللغة الكردية السليمة، والسعي من اجل تطويرها من خلال الأدب والنقد، وما إلى ذلك   على الرغم من جميع المحظورات.

كل هذا يترك جانباً، بغية إفساح المجال أمام وجهة نظر لا أساس لها من العلمية فحواها أن المجتمع الكردي هو مجرد جملة من القبائل المتخاصمة، المتصارعة التي لم تستقر بعد،  كما انها عاجزة عن تحمل أية أعباء إدارية، أو مستلزمات المجتمع المدني المعاصر الضرورية.

ومن اجل التغطية على هشاشة هذه الآراء المتهافتة أصلا، يعود أصحابها إلى مرجع قديم مشكوك في علميته ومصداقيته،  يتحدث عن الكرد في القرن الثامن العشر أو ربما قبله، ليمارسوا نهجاً انتقائياً، يختارون بموجبه ما يتناسب وتوجهاتهم غير العلمية.. لذلك ليس غريباً أن نجد ثبتاً كاملاً لدى هؤلاء بأسماء العشائر الكردية،  التي ينسبون إليها ما يحلولهم من صفات. متناسين أن هذه العشائر قد باتت منذ وقت طويل مجرد ذكرى لا دور لها في الحياة الواقعية بتشعباتها اليومية،  خاصة على الصعيد السياسي، إذ تضم التنظيمات السياسية أبناء مختلف العشائر التي كانت. فهؤلاء وجدوا أن الرابطة القومية أعم واشمل من أية رابطة أخرى،  لذلك التزموها، وعملوا من أجلها. وفيما يخص المناطق الكردية في سورية ،  يلاحظ ان سكانه عرفوا الاستقرار الزراعي منذ القرن الثامن عشر على الاقل،  وذلك استناداً إلى المعطيات المتوفرة حالياً،  خاصة ذاكرة الاجيال.كما انهم اتقنوا جميع الحرف، ولعل الورشات الصناعية الموجودة بكثرة في سائر المدن والبلدات الكردية،  إلى جانب العدد الهائل من خريجي الجامعات، والكتاب، والأدباء،  والفنانين بالمعنى الأوسع لهاتين الكلمتين الأخيرتين، لعل كل ذلك يستحق إعادة النظر في زعم قبلية المجتمع الكردي الذي يتكئ عليه بعضهم بقصد التنصل من ضرورة الاعتراف بحقوق هذا الشعب، وذلك عبر التشكيك في وجوده أصلاً.

 

ينطلق العديد ممن يتناولون المسألة الكردية في سورية من موقع رغبوي انكاري في كتاباتهم وتصريحاتهم من الزعم القائل: بأن ظهور الكرد في سورية (( كان نتيجة هروبهم من الظلم التركي، فوجدوا في سورية ملاذاً آمناً،  وكرماً عربياً،  كان الأحرى بهم الاعتراف بفضله، لكنهم اختاروا التنكر بكل معانيه،  وطالبوا بما ليس لهم؛  خاصة حديثهم عن وجود جزء من كردستان في سورية )).

قبل كل شيء، لا بد من الملاحظة ان هؤلاء يركزون على الجزيرة وحدها،  وكأنهم يريدون الترويج لزعم مفاده ان الوجود الكردي في كردستان سورية ينحصر في هذه المنطقة وحدها،  من دون كوباني وعفرين، اللتين تضمان نحو من 800 ألف كردي، فضلاً عن القرى الكردية الكبيرة في منطقة الباب وإعزاز وحلب[36]،  والتواجد الكردي الكبير في مدينتي حلب ودمشق، وريف دمشق، ومعظم إن لم نقل جميع المحافظات السورية. أما في ما يتصل بموضوع الهجرة، فهؤلاء يتجاهلون عن سوء نية واقع المنطقة قبل الحرب العالمية الاولى وبعدها.. فهؤلاء يختزلون التاريخ والجغرافيا والحقوق الكردية المشروعة  بمزاعم لا تتطابق مع الوقائع، ولا تمثل أساساً لأية مقاربة موضوعية من شأنها الإسهام في معالجة المشكلة.

وباعتبار أن موضوع هجرة الكرد إلى سورية يتكرر كثيراً، وهناك من يربط بين تلك الهجرة والمخططات الاستعمارية ، فسنتناوله بشيء من التفصيل بغية التوضيح.

تعرض  الكرد أثناء الحرب العالمية الاولى 1914-1918،  في المنطقة الممتدة من الحدود الروسية إلى بدليس، لضغط مزدوج من قبل الجيش الروسي المقتحم من جهة،  والجيش التركي الذي كان يرهق السكان من جهة ثانية،  فقد كان هذا الأخير يجند الرجال ويسيطر على كل شيء في سبيل الحرب، إزاء هذا الوضع الصعب والمعقد، اضطر الناس في  المنطقة المشار إلى ترك قراهم وممتلكاتهم إنقاذاً لارواحهم، فتحركوا في جميع الاتجاهات. قسم محدود من هؤلاء توجه نحو الحنوب،  وهم في ذلك كانوا يبحثون عن ملاذ آمن ضمن حدود وطنهم الذي لم يكن قد قسم بعد. فاستقروا في المدن والقرى الكردية إلى الشمال والجنوب من سكة  القطار الشرق السريع التي تفصل اليوم بين تركيا وسورية في منطقة الجزيرة – أنجزت هذه السكة في عام 1912- لكن استقرار هؤلاء لم يستمر طويلاً،  إذ أن البنية الاجتماعية لم تستوعبهم، بل ظلوا بالنسبة لها مجرد عناصر هامشية تحوم حول المجتمع، ولا تجد سبيلاً أمامها لتتحول إلى عنصر يأخذ دوره ضمن شبكة العلاقات  الاجتماعية التي كانت قائمة حينذاك، رغم اشتراكهم في المنبت القومي نفسه.  وما ترتب على ذلك تمثل في التعامل معهم على صعيد الاعتبار الاجتماعي بوصفهم أدنى مرتبة من سكان المنطقة الأصليين، وهذه مسألة معروفة، نجد نماذج لها في مختلف مناطق الأزمات، نشير هنا على سبيل المثال لا الحصر إلى وضعية اللاجئين الفلسطينيين بعد عام 1948 في كل من سورية ولبنان ومصر،  كما نشير إلى النازحين السوريين من الجولان اثر حرب 1967 والمهجرين اللبنانيين أثناء الحرب الأهلية اللبنانية 1975-1990 لذلك عاد القسم الأكبر من هؤلاء إلى مناطقهم، إلى بيوتهم واملاكهم بمجرد انتهاء الحرب، نتيجة عدم قدرتهم على التكيف مع المناخ الجديد،  وصعوبة تحملهم للنظرة الدونية من قبل أبناء جلدتهم الكرد الذين لم يكن الوعي القومي بمفهومه المعاصر قد تأصل بينهم بعد بما يكفي. إلى جانب ذلك،  كان معظم هؤلاء المهاجرين قد تركوا وراءهم أراضي خصبة،  وبيئة اعتادوها على مختلف المستويات،  خاصة الاجتماعية والمناخية منها. وفي المقابل لم يجد هؤلاء في المنطقة وسيلة إنتاج مناسبة، تمكنهم من تأمين مصدر معيشي مناسب. لذلك ارتأوا العودة لدى أول فرصة سنحت لهم. مجموعة صغيرة محدودة العدد هي التي بقيت، وذلك بفعل ظروف كل أسرة،  لكنها كانت تمتلك كامل مشروعية في البقاء،  إذ ان هجرتها كانت داخلية، ضمن إطار وطنها، شأنها في ذلك شأن هجرة العرب بين الأقطار العربية. لكن هذه المجموعة ذاتها فوجئت في ما بعد بعملية التقسيم في العشرينات من القرن الماضي،  هذا التقسيم الذي كان في البداية ضبابياً، إذ استمر الناس في التنقل عبر طرفي الحدود من دون أي تدقيق حقيقي،  ولكن مع الوقت اشتدت الإجراءات، وباتت المسألة اكثر ضبطاً وحزماً، لذلك فضل قسم من هذه المجموعة العودة إلى منطقته الأولى، بعد أن أدرك ان الصلات بينه وبين ذوي القربى ستنقطع نهائياً أن استمر في البقاء.  الكثير من هؤلاء كانوا يمتلكون الجنسية السورية، لكنهم استغنوا عنها وعادوا أدراجهم إلى قراهم، ولم يكونوا في أي يوم من الأيام عناصر ” مؤامرة استعمارية كبيرة تهدد عروبة الجزيرة العليا المحاذية للحدود مع تركيا ” –الكردية أصلاً- كما يحلو لأصحاب العديد من الكتابات اللا مسؤولة الترويج له. ويستطيع أي مهتم “قادر ” أن يعود بنفسه – فيما إذا سمح له – إلى السجلات المدنية في مدن الجزيرة، ليتأكد بنفسه من عدد هؤلاء الذين غادروا ممن امتلكوا الجنسية السورية بطرق مشروعة، كونهم كانوا في المنطقة قبل تأسيس الدولة السورية.

أما الادعاء الأخر القائل بان الكرد في سوريا هم من أولئك الكرد الذي لاذوا بسوريا في منتصف العشرينات،  على اثر إخفاق ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925،  فهو أمر مردود،  لان العدد الذي وصل إلى سورية من الكرد في هذا التاريخ كان محدوداً للغاية،  معظمهم كانوا من الفعاليات السياسية المثقفة، التي توجهت إلى أبناء شعبها في المناطق الكردية السورية، كي تلتقط أنفاسها،  وتعد العدة لعمل جديد. وهذا ما أقدمت عليه حقيقة. لذلك عاد القسم الأكبر من هؤلاء لاحقاً ليستشهد أو ليعتقل، في حين أن قسماً آخر استفاد من العفو الذي أصدره الحزب الديمقراطي التركي لدى استلامه السلطة في أنقرة عام 1950 ومن هؤلاء ( أفراداً ينتمون إلى قبيلة جيتو وخليكا سلان )[37].

وبمناسبة الحديث عن ثورة الشيخ سعيد بيران نعيد إلى الأذهان الدور الفرنسي المناهض لتلك الثورة، فنقل ( الجيش التركي بواسطة السكة الحديدية من أنقرة إلى ديار بكر عبر سورية لم يكن ممكناً لولا مساعدة الفرنسيين، وعلينا ألا ننسى أن سورية كانت آنذاك مستعمرة فرنسية. ولو كانت فرنسا قد منعت الجيش التركي من المرور عبر سورية لربما نجحت ثورة الشيخ سعيد. أو لربما أتيحت لها فرصة تسجيل نصر على الأقل )[38].

وحينما قدم العديد من رجالات الثورة إلى سورية كان مستوى الوعي القومي قد تقدم نسبياً،  وذلك بفعل تطور الأحداث المتلاحقة بعد الحرب العالمية الأولى؛ وشعور الناس بان أموراً كبيرة يجري ترتيبها من حولهم. لذلك استقبلوا القادمين بترحاب خاص، وقدموا لهم ما كان في مقدروهم من تسهيلات. إلا أن هؤلاء لم يكن في ذهنهم البقاء مطلقاً ، بل كانوا يتطلعون نحو انتفاضات جديدة تعيد الحق إلى أصحابه ، نذكر من هؤلاء الأمير جلادت بدرخان الذي ظل حتى أواخر أيامه يحلم بوطن كردي , ويعمل من أجله بمختلف السبل.

أما الهجرة الثالثة التي يجري الحديث عنها أحياناً فهي التي كانت إلى لبنان عبر سوريا في الثلاثينيات والأربعينيات. إذ اضطر عدد من الكرد تحت وطأة الاضطهاد نتيجة السياسة الكمالية في تركيا ، وبفعل الظروف المعيشية الصعبة في تلك الفترة، إلى ترك قرارهم والبحث عن وضع أفضل ، فتحركوا جنوباً نحو منطقة الجزيرة علّهم يجدون هناك استقراراً نسبياً ، ريثما تنجلي الأمور في منطقتهم. ومعظم هؤلاء كانوا ينتمون بصلة القرابة إلى الكرد القاطنين هناك. الغالبية العظمى من مجموعة المهاجرين هذه كانت من منطقة جبال أومريان التي كانت قد أنهكتها المصاعب المعيشية ، إلى جانب الاضطهاد الحكومي، والخلافات المستمرة بين الآغوات ، تلك الخلافات التي كانت تؤدي بالمنطقة إلى الدوران في حلقة عنف لا نهاية لها ،, فنزل هؤلاء إلى ” بن ختي ” تحت الخط ، بصورة اعتيادية ، وكانت حركتهم نحو الجنوب قبل التقسيم مألوفة وأكثر سهولة. إلا أن أقامتهم لم تدم طويلاً في منطقة الجزيرة ، لذلك اختاروا التوجه إلى لبنان حيث كانت الظروف المعيشية تبدوا أفضل ، وإمكانيات الحصول على عمل ما كانت أكبر[39].

المسألة الكردية أوالقضية الكردية – وهو المصطلح المستخدم من قبل الأحزاب السياسية الكردية- في سوريا هي حصيلة تفاعل نتائج التقسيم الاعتباطي الذي تعرضت له منطقتنا بعد الحرب العالمية الأولى مع عجز الحكومات السورية المتعاقبة، خاصة في مرحلة حكم البعث الطويلة نسبياً، من التأسيس لمشروع وطني سوري، كان من شأنه طمأنة كل المكونات السورية، عبر الاعتراف بخصوصياتها، وحقوقها، خاصة حقها في المشاركة الفاعلة في الحكم ومؤسسات الدولة، والاستفادة من مشاريع التنمية، وامتلاك الفرصة العادلة لتطوير ثقافتها وفعاليتها المجتمعية، واستخدام لغتها في التعليم والنشر ووسائل الإعلام. فقد استمر النظام البعثي، خاصة في المرحلة الأسدية، في عناده واصراره على رفض الاعتراف بالوجود الكردي في سورية، متجاهلاً حقائق التاريخ والجغرافيا، ولم يكتف بذاك الرفض الايديولوجي اللاتاريخي، بل طبق كل المشاريع العنصرية التي كان يريد من خلالها تحقيق صيغة من المواءمة بين تطلعاته العقائدية والواقع العياني على الأرض. ونشير هنا على سبيل الذكر لا الحصر إلى مشاريع الحزام والإحصاء والتعريب القسري، والقوانين والمراسيم الخاصة بالمناطق الكردية.

وكل ذلك أسهم في تعقيد الوضعية، ولكن بقيت القضية قائمة فاعلة من دون أي حل.

وفي يومنا الراهن باتت هذه القضية تطرح بحدية ضبابية لافتة في ضوء المتغيرات الجديدة. وباتت ورقة يستخدمها الآخرون لبلوغ مأربهم بمنأى عن الكرد والسوريين عموماً.

ولكن في جميع الأحوال تبقى القضية الكردية في سوريا قضية وطنية سورية اساسية رغم أبعادها الإقليمية والدولية. وحلها الأمثل لن يكون إلا عبر المشروع الوطني السوري المتكامل الذي يطمئن الجميع، ويعزز اجراءات الثقة بصورة واقعية لا مجاملاتية خاوية. مشروع يعترف بالحقوق والخصوصيات، ويقطع مع المقاربات العقيمة التي كانت حتى الآن. فالمسالة في جوهرها ليست مسألة الأحقية والأقدمية، بل هي مسألة المكون السوري الثاني من جهة الحجم السكاني الذي كان باستمرار موضوعاً للنبذ والقهر والتغييب والصهر.

 

لقد تم التوصل بين حكومة المجلس التركي الكبير والجمهورية الفرنسية إلى ضرورة عقد اتفاقية فيما بينهما. وقد كلف لإنجاز هذا الأمر عن المجلس الكبير وزير الخارجية والنائب السيد يوسف كمال بك. وعن الجمهورية الفرنسية الوزير السابق السيد هنري فرانكلين بويون. وقد منحا كامل الصلاحيات من اجل إنجاز هذا الموضوع.

بعد المداولة ومقارنة الوثائق، اتفق السيدان المشار إليهما على المواد التالية:

يؤكد الطرفان المشاركان في هذه الاتفاقية على انه بمجرد التوقيع عليها سيتم إبلاغ الجيش والمؤسسات المدنية والمواطنين بالمستجدات المترتبة عليها.بناء على هذه الاتفاقية، سيقوم الطرفان بإطلاق سراح أسرى الحرب، والمساجين، من المواطنين الفرنسيين أو الأتراك، من قبل الجانبين.

يتكفّل الطرف الذي يقوم بإطلاق سراح السجناء الموجودين لديه بنفقات إيصالهم إلى أقرب نقطة من موقع تسليمهم إلى الطرف الآخر. ويشمل مفعول هذا الاتفاق جميع السجناء، سواء من المحكومين أو الموقوفين، وبغض النظر عن مدة محكوميتهم أو مدة بقائهم في السجن.

  • ستقوم القوات الفرنسية بعد التوقيع على هذه الاتفاقية، بناء على المادة الثامنة منها، بالانسحاب إلى جنوب الخط الحديدي (خط قطار الشرق السريع)، في حين أن القوات التركية تنتقل إلى شمال الخط المذكور وذلك في غضون شهرين على الأكثر.
  • ستتكون هيئة مشتركة تتألف من الطرفين، يناط بها مسؤولية اتخاذ القرارات بخصوص تحديد المناطق التي سيتم الانسحاب منها، وتلك التي سيتم الاستقرار فيها، وذلك ضمن المدة الزمنية المشار إليها في المادة الثالثة.
  • بعد استقرار كل طرف في الأراضي المخصصة له، سيعلن الطرفان العفو العام.
  • تلتزم حكومة المجلس التركي الكبير بمراعاة حقوق الأقليات الواردة في الميثاق الوطني التركي. وذلك استناداً إلى ما اتفق عليه من مبادئ تتناول حقوق الأقليات، بين دول الحلفاء وخصومهم.
  • فيما يتعلق بمنطقة اسكندرونة، سيكون هناك نظام إداري خاص. وسيكون في استطاعة المواطنين من أصول تركية الاستفادة من جميع الطاقات بغية تطوير ثقافتهم، وستحظى اللغة التركية هناك بمكانة رسمية.
  • سيتم رسم الخط الوارد ذكره في المادة الثالثة كما يلي: يبدأ خط الحدود من خليج اسكندرونة من نقطة تقع جنوب بانياس، ويتجه نحو ميدان اكبس (محطة القطار تبقى في الجانب السوري، بالإضافة إلى المنطقة المحيطة بها).

وبموجب هذا الخط ستبقى نقطة دسو (هكذا ورد الاسم في النص التركي) في الجانب السوري، في حين أن كاربنا وكلس ستكونان في الجانب التركي (في منطقة ميدان اكبس). ثم يتجه الخط الحدودي نحو الجنوب الغربي حيث يلتقي مع محطة الراعي. بعد ذلك يسير مع سكة القطار (قطار الشرق السريع). وستبقى هذه السكة من محطة الراعي إلى نصيبين في الجانب التركي؛ ومن هناك يسير الخط المذكور على الطريق التي توصل بين نصيبين وجزيرة ابن عمرو، ليصل إلى دجلة. ستكون نصيبين إلى جانب جزيرة ابن عمرو بالإضافة إلى طريق التي تربط بينهما في الجانب التركي. ولكن من حق الدولتين (الموقعتين) الاستفادة من الطريق المشار إليها على قدم المساواة. أما بالنسبة للمحطات الرئيسة والفرعية الواقعة ما بين محطة الراعي ونصيبين، فهي تعتبر جزءاً من سكة الحديد نفسها، لذلك ستكون لتركيا.

بعد التوقيع على هذه الاتفاقية، ستتشكل لجنة تضم ممثلين من الطرفين، مهمتها رسم خط الحدود بين الدولتين، وذلك في غضون شهر.

  • سيعد قبر سليمان شاخ جد السلطان عثمان (مؤسس الإمبراطورية العثمانية) المعروف بالمقبرة التركية في قلعة جابر أرضاً تركية، بالإضافة إلى المنطقة المحيطة به. وسيكون من حق تركيا وضع الحراس ورفع العلم التركي هناك.

10- توافق حكومة المجلس التركي الكبير على التنازل عن جميع امتيازاتها بخصوص استثمار خط القطار من بوزاني إلى نصيبين، بالإضافة إلى جميع المؤسسات التابعة لها، الموجودة في ولاية أضنة، إلى جانب سائر امتيازات العمليات التجارية وما يتصل منها بالاستخدام، على أن تسلمها إلى شركة فرنسية توافق عليها الحكومة الفرنسية.

من حق الدولة التركية أن تنقل قواتها العسكرية على خط قطار الشرق السريع في المنطقة الواقعة ما بين ميدان اكبس ومحطة الراعي. (الخط يقع ضمن الأراضي السورية). وفي المقابل، من حق سورية أن تقوم بنقل قواتها العسكرية من محطة الراعي إلى نصيبين على الخط الحديدي نفسه، وذلك على القسم الواقع ضمن الأراضي التركية. ولن تكون هناك من حيث المبدأ أية فوارق بين الطرفين من جهة تعرفة استخدام هذه السكة والخطوط المتفرعة عنها. (أي لن يكون هناك امتياز لطرف على حساب الطرف الأخر). وإذا ما اقتضت الضرورة بتجاوز هذا المبدأ؛ فسيكون حينئذ من حق الدولتين العمل بما تتفقان عليه في ما بينهما، والتحقق منه. ولكن في حال عدم الاتفاق على المبدأ المشار إليه، سيتصرف كل طرف وفق ما يراه مناسباً.

11- بعد التصديق على هذه الاتفاقية، ستقوم تركيا وسورية، بتشكيل لجنة مشتركة مهمتها وضع اتفاقية جمركية بين الطرفين، على أن يتم تحديد شروط ومدة تطبيق الاتفاقية المقترحة من قبل اللجنة المعنية. ولكن الى حين التوصل إلى اتفاقية من هذا القبيل، سيتمتع الطرفان بحرية الحركة المعفاة من الرسوم الجمركية.

12- سيتم تقسيم مياه نهر قويق بين حلب والمناطق الواقعة إلى الشمال منها في الجانب التركي، وذلك بما يراعي حقوق الطرفين ويرضيهما.

13- سيكون من حق السكان المستقرين وأنصاف المستقرين الاستفادة كالسابق من المراعي وتملكها على جانبي خط الحدود المشار إليه في المادة الثامنة. ومن اجل تأمين مستلزمات الانتفاع المذكور، سيكون بإمكان هؤلاء الانتقال عبر طرفي الحدود بحرية مع قطعان حيواناتهم وأدواتهم وآلاتهم ومنتجاتهم، بالإضافة إلى ما يحتاجون إليه من بذار، من دون أن يدفعوا أية رسوم جمركية، أو تلك التي تخص المراعي. وسيدفع هؤلاء الضرائب لتلك الدولة التي يتبعونها (بصورة رسمية) من دون دفعها للدولة الأخرى (التي ينتقلون إليها بصورة مؤقتة).

20 أكتوبر 1921

أنقرة على نسختين

يوسف كمال YUSUF Kemal

هنري فرانكلين بويون Henri Franklin Bouillon

المصدر: حسن بيركي ديلان: سياسة تركيا الخارجية، 1929-1939 الترجمة من التركية الى الكردية: احمد فريد، ومن الكردية إلى العربية: عبد الباسط سيدا. مخطوط.

ملاحظة: تمت الموافقة على هذه الاتفاقية في 18 شباط 1926. وقد وقع على التصديق من الجانب التركي توفيق رشدي آراس. ومن الجانب الفرنسي السفير الفرنسي في اسطنبول. وفي اليوم عينه صادق كل من تركيا وبريطانيا والعراق على اتفاقية مماثلة فيما بينهم ، وذلك بخصوص الحدود بين تركيا والعراق.

نورد فيما يلي نص المواد الثلاثة التي ضمنها معاهدة سيفر، وهي تلك المواد التي تناولت وضع وآفاق الشعب الكردي آنذاك. وقد اعتمدنا النص العربي الذي أورده زهير عبد الملك في كتابه: الأكراد وبلادهم كردستان بين سؤال وجواب، السويد 1999، ص 160-161. وذلك بعد مقارنته مع النص الإنكليزي الذي اعتمده

Maxime, R, in: Chliand. G. (ed.) 1980 People without Country, The Kurds and Kurdistan, translated by Michael Pallis, London. PP43-43

 

المادة 62- تتولى هيئة، تتخذ مقرها في اسطنبول، مكونة من ثلاثة أعضاء تعينهم حكومات كل من بريطانيا وفرنسا وايطاليا، التحضير، أثناء الأشهر الستة الأولى التي تعقب تنفيذ هذه الاتفاقية، لوضع خطة لمنح حكم محلي للمناطق التي تسكنها غالبية من الأكراد والتي تقع إلى شرق الفرات والى جنوب الحدود الأرمنية التي ستحدد فيما بعد، والى شمال الحدود بين تركيا وسورية وبلاد ما بين النهرين، وعلى النحو المحدد في المادة 27 من القسم الثاني (2و3). وفي حالة عدم توافر إجماع في الآراء بصدد أي قضية، يحيل أعضاء الهيئة المذكورة كل إلى حكومته.

ينبغي أن توفر الخطة ضمانة كاملة لحماية الآشوريين والكلدانيين والجماعات العرقية أو الدينية الأخرى في المنطقة.

ولهذا الغرض  ستزور المنطقة هيئة مكونة من ممثلي بريطانيا وفرنسا وايطاليا وبلاد فارس والأكراد لكي تتولى تحديد أي تعديل – إن وجد- ينبغي إدخاله على الحدود التركية أينما تلتقي مع الحدود الفارسية وذلك على النحو الموضح في هذه المعاهدة.

المادة 63: توافق الحكومة العثمانية من الآن على قبول وتنفيذ القرارات التي تتخذها الهيئتان المقرر تشكيلهما في المادة 62 أعلاه خلال ثلاثة اشهر من تاريخ إخطارها بتنفيذ تلك القرارات.

المادة 64: وإذا ما طلب السكان الأكراد في المناطق المحددة في المادة 62 في غضون سنة واحدة من تاريخ تنفيذ هذه الاتفاقية من مجلس عصبة الأمم وأعربت غالبية سكان تلك المناطق عن رغبتها في الاستقلال عن تركيا، وإذا ما ارتأى المجلس أن هؤلاء السكان مؤهلون للاستقلال وأوصى بمنحهم إياه، توافق تركيا من الآن على قبول مثل هذه التوصية، وتتنازل عن جميع حقوقها و امتيازاتها في تلك المنطقة. وستكون تفاصيل هذا التنازل موضوعاً لاتفاقية خاصة تعقد فيما بين تركيا والدول الحليفة الكبرى.

وإذا تم التنازل، لن تعترض الدول الحليفة الكبرى إذا ما سعى الأكراد الذين يقطنون في ذلك الجزء من كردستان والذي يقع حالياً ضمن ولاية الموصل لأن يصبحوا مواطنين في الدولة الكردية المستقلة حديثاً.

  1. جميل كنه: نبذة عن المظالم الفرنسية، الجزء الأول. مطبعة الوطن العربي، حلب 1967
  2. حسن بيركي ديلان: سياسة تركيا الخارجية، 1929-1939 الترجمة من التركية الى الكردية: احمد فريد، ومن الكردية إلى العربية: عبد الباسط سيدا. مخطوط.
  3. طاهر سازان، أسماء الأماكن العثمانية، من منشورات المديرية العامة لأرشيف الدولة التركية، أنقرة 2006 . (بالتركية) ترجمة محمد علي، مخطوط،
  4. م. س. لازاريف وآخرون: تاريخ كوردستان 1999. ترجمة د. عبدي حاجي دار سبيريز، دهوك 2006.
  5. م. س. لازاريف: المسألة الكردية (1917-1923). ترجمة د. عبدي حاجي، دار الرازي، بيروت 1991.
  6. د. محمد عبدو علي: جبل الكرد- دراسة تاريخية اجتماعية توثيقية. 2003. (من دون جهة ومكان النشر).

المراجع 

  1. أحمد شريف مارديني: محافظة الحسكة – دراسة طبيعية، تاريخية، بشرية، اقتصادية، تحولات وآفاق مستقبلية. دمشق 1986.
  2. أحمد محمد أحمد: أكراد لبنان وتنظيمهم الاجتماعي والسياسي. مكتبة الفقيه، بيروت – لبنان 1995.
  3. د. أحمد محمد خليل: سياحة في ذاكرة جبل الكرد “كرداغ”. دار الزمان- دمشق بالتعاون مع مؤسسة سما- دبي. ط1 2010.
  4. سماعيل بيشكجي: كردستان مستعمرة دولية. ترجمة زهير عبدالملك. السويد 1988.
  5. جرنوت فيلهلم: الحوريون- تاريخهم وحضارتهم. ترجمة وتعليق: د. فاروق اسماعيل، دار جدل، حلب ط1، 2000.
  6. علي عبدالله كولو: التوزيع الإداري للمناطق الكردية في سوريا. مركز اسبار.

http://www.asbarme.com/ar/articles/دراسات-سورية/568814816198518/التوزيع-الاداري-للمناطق-الكوردية-في-سوريا/

  1. – محمد جمال باروت: التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية- أسئلة وإشكاليات التحوّل من البداوة إلى العمران الحضري. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. بيروت، ط1 2013.

[1] . حول هذه المعارك والمعارك الأخرى بين الصفويين والعثمانيين، والمعاهدات التي كانت بينهم التي لامست مباشرة الموضوع الكردي راجع:

م. س. لازاريف وآخرون: تاريخ كوردستان 1999. ترجمة د. عبدي حاجي دار سبيريز، دهوك 2006. ص 80-82.

[2] . م. س. لازاريف: المسألة الكردية (1917-1923). ترجمة د. عبدي حاجي، دار الرازي، بيروت 1991. ص 146.

[3] .  المصدر نفسه، ص 145-146.

[4] . المصدر نفسه، ص 150.

[5] . المصدر نفسه، ص 150.

[6] . المصدر نفسه، ص 150.

[7] . لويد جورج: حقيقة مفاوضات الصلح، الجزء الأول، ص 206. نقلاً عن لازاريف: المسألة الكردية. المعطيات السابقة نفسها. ص153.

[8] . لازاريف: المسألة الكردية. المعطيات السابقة نفسها. ص 153.

[9] . المصدر نفسه، ص 153.

[10] . المصدر نفسه، ص 156.

[11] . المصدر نفسه، ص 158.

[12] . المصدر نفسه، 164.

[13] . المصدر نفسه، 174.

[14] . المصدر نفسه 203.

[15] . المصدر نفسه، ص 204-205. للاطلاع على نص هذه المواد راجع الملحق.

[16] . المصدر نفسه، ص 212.

[17] . المصدر نفسه، ص 214.

[18] . المصدر نفسه، ص 264.

[19] . المصدر نفسه، ص 270.

[20] . المصدر نفسه، ص 270.

[21] . للاطلاع على نص هذه المعاهدة راجع الملحق.

[22] . لازاريف: المصدر السابق نفسه. ص 274.

[23] . المصدر نفسه. ص 274.

[24] . المصدر نفسه. ص 274.

[25] . المصدر نفسه. ص 274.

[26] . للمزيد حول هذا الموضوع، ووفقاً لما ورد في الأرشيف العثماني، راجع:

Tahir Sezen, OSMANLI YER ADLARI, T.C. BAŞBAKANLIK DEVLET ARŞİVLERİ GENEL MÜDÜRLÜĞÜ, , Yayın Nu:21, Ankara- 2006

طاهر سازان، أسماء الأماكن العثمانية، من منشورات المديرية العامة لأرشيف الدولة التركية، أنقرة 2006 ، ترجمة محمد علي، مخطوط، ص 319.

[27] . أحمد شريف مارديني: محافظة الحسكة – دراسة طبيعية، تاريخية، بشرية، اقتصادية، تحولات وآفاق مستقبلية. دمشق 1986. ص 220.

[28] . الأرقام المعتمدة هنا تقريبية، تستند إلى الأرقام الرسمية، إلى جانب آراء العديد من المهتمين. أما بالنسبة إلى الأرقام الرسمية فيلاحظ أنها تكتفي بإبراز عدد أولئك المسجلين فقط على لوائح المدينة، من دون أن تراعي الوجود الوقعي لأعداد غفيرة من سكان المناطق الريفية التي هاجرت إلى المدينة لأسباب مختلفة. من جهة ثانية، لابد من الإشارة إلى أن الأرقام الرسمية لا تأتي على ذكر الكرد “الأجانب” هؤلاء الذين ترتفع نسبتهم في منطقة ديريك- المالكية إلى حد كبير، وذلك مقارنة ببقية مناطق الجزيرة.

[29] . هذه المعطيات مستمدة من واقع المنطقة قبل الثورة السورية. وقد تغيرت هذه المعطيات كثيراً في المدة الأخيرة نتيجة واقع الهجرة سواء الخارجية منها أم الداخلية.

[30] . حول تاريخ ومكانة أوركيش راجع:

جرنوت فيلهلم: الحوريون-  تاريخهم وحضارتهم. ترجمة وتعليق: د. فاروق اسماعيل، دار جدل، حلب ط1، 2000. ص 33-34.

[31] . راجع: جرنوت فيلهلم، المعطيات السابقة نفسها. ص 62-63.

[32] . راجع حول هذا الموضوع:

طاهر سازان: المصدر السابق نفسه، المعطيات نفسها. ص 289 و ص 458.

الوثيقة رقم 231 من المجلد 344، 30 أب/اغسطس 1913.

[33] . جميل كنه: نبذة عن المظالم الفرنسية. الجزء الأول، مطبعة الوطن العربي، حلب 1967، ص4.

[34] . للمزيد من الإطلاع على واقع منطقة عفرين بمختلف جوانبه التفصيلية راجع:

د. محمد عبدو علي: جبل الكرد- دراسة تاريخية اجتماعية توثيقية. 2003. (من دون جهة ومكان النشر)

[35] . للمزيد حول الواقع الاجتماعي والمعيشي للسكان في المناطق الكردية راجع:

1- د. محمد عبدو علي: جبل الكرد- دراسة تاريخية اجتماعية توثيقية. 2003. ( من دون جهة ومكان النشر).

2- د. أحمد محمود الخليل: الشخصية الكوردية. مطبعة الموكرياني. ط1 اربيل 2013.

3- د. أحمد محمد خليل: سياحة في ذاكرة جبل الكرد “كرداغ”. دار الزمان- دمشق بالتعاون مع مؤسسة سما- دبي. ط1 2010.

4-  محمد جمال باروت: التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية- أسئلة وإشكاليات التحوّل من البداوة إلى العمران الحضري. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. بيروت، ط1 2013.

[36] . للاطلاع على أسماء القرى الكردية في منطقتي الباب وأعزاز يمكن العودة إلى:

علي عبدالله كولو: التوزيع الإداري للمناطق الكردية في سوريا. مركز اسبار.

http://www.asbarme.com/ar/articles/دراسات-سورية/568814816198518/التوزيع-الاداري-للمناطق-الكوردية-في-سوريا/

[37] . اسماعيل بيشكجي: كردستان مستعمرة دولية. ترجمة زهير عبدالملك. السويد 1988. ص 306.

[38] . المرجع نفسه. ص 55.

[39] . للمزيد حول هذا الموضوع راجع:

أحمد محمد أحمد: أكراد لبنان وتنظيمهم الاجتماعي والسياسي. مكتبة الفقيه، بيروت – لبنان 1995.

 

 

 

 

 

 

المواضيع المشابهة