العبودية المختارة للكاتب Étienne de La Boétie. عمل نشر في عام 1549 وكتب في اللغة الحديثة من قبل أدولف ريشاستيليت. ويكيبيديا.

هناك كراس صغير لا يتجاوز 36 صفحة بعنوان ” مقالة في العبودية المختارة” لكاتب فرنسي عاش في القرن السادس عشر اسمه إيتيان دي لابويسيه*. ترجم هذه المقالة مصطفى صفوان للعربية مع تعريف بالكاتب وهومش في النهاية للمترجم، وكتب محمد الرميحي تقديماً جميلاً له. يسمي الرميحي هذا الكراس بأنه رسالة في الانعتاق الانساني. ويضيف “لا يفوت القارئ الفطن عند القائه نظرة عامة على الرسالة، أن ثمة علاقة واضحة بين الأفكار التي سطرها الكاتب وبين ما يجري حولنا في الفضاء العربي اليوم”. أضيف على ما قاله أن المسألة تتجاوز الفضاء العربي لتشمل كل المجتمعات الشرقية الاسلامية بما في ذلك المجتمع الكردي. يصدق الرميحي عندما يقول أن الكتب ليس بحجمها، فهناك معيار أهم من الحجم، وهو بقاءها عبر العصور، ويقصد بذلك بقاء الفكر الوارد في هذه الكتب. من الواضح أن أية علة في المجتمعات البشرية والتي سبق أن كاتباً ما شخصها، ولم تُحل هذه العلة واستمرت عبر العصور سيبقى ما كتبه هذا الكاتب عن تلك العلة فكراً حياً عبر العصور. بمجرد أن تُحل هذه العلة في مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي لن تعود للأفكار التي شخصها الاستمرارية، وكأن مهمة هذه الأفكار تنتهي عندئذ. وهكذا فالأفكار الحية هي الأفكار التي تجسد قضايا لم تحل بعد.

عندما ننظر إلى الاستبداد في شرقنا، نسارع إلى صياغة رجل قوي، سوبرماني يتحكم بالشعب ويجبره على الاستعباد. لكن دي لابويسيه يقول شيئاً آخر نغفل عنه: ” كيف أمكن هذا العدد من الناس، من البلدان، من المدن، من الأمم أن يحتملوا أحياناً طاغية واحداً لا يملك من السلطان إلا ما أعطوه ولا من قدرة على الأذى إلا بقدر احتمالهم الأذى منه، ولا كان يستطيع إنزال الشر بهم لولا إيثارهم الصبر عليه بدل مواجهته”. 32

لو نرجع إلى بدايات أغلب الطغاة نجدهم أناساً عاديين، يخافون ويترددون مثل غيرهم. ينهزمون من أمام من هو أقوى منهم. يحنون رؤوسهم له. بل ممكن القول أن خطابهم وسلوكهم يختلف كلياً عما يصبحون عليه بعد حصولهم على السلطان. أغلب الطغاة بدأوا، وهم يُظهرون الخير لمجتمعاتهم، تربطهم مع رفاق دربهم صداقات قوية. ومن تم يبدأ الطاغية بالصعود في سلم الطغيان درجة درجة. يزيح المعارضين وأصدقاءه السابقين من أمامه فرداً فرداً. يجري ذلك أمام صمت المجتمع، وكأن المسألة لا تعنيه. بل يصفق الدهماء له بحماس. لو جابهه الناس منذ البداية، ولم يرضخوا لبوادر استبداده، لبقي حاكماً عادياً، وربما خيّراً. ” أهي حكمة؟ – يقول دي لابويسيه- أن ينقلوه من حيث كان يسدي الخير إليهم إلى حيث يصبح الشر في مقدوره؟”. 33

عندما ننظر إلى خضوع أمة لاستبداد طاغية، سواء أكان استبداداً عاماً، أو استبداداً دينيا أو مذهبياً أو قومياً، لا نندهش لأفراد هذه الأمة قبول هذا الظلم. بل نجد أن أغلبية الأمة تختلق تبريرات سياسية أو قانونية لهذا الظلم. تنحدر الحالة النفسية لديها إلى أسوأ من حالة الطاغية نفسه. تصبح الحرية لديها حالة شاذة. وترى عزاءها في تعميم المستبد العبودية على الجميع. عندئذ يشعر الطاغية ببدايات انتصاره وصحة سلوكه الاستبدادي. يصل إلى قناعة بأن هذه الأمة لا غنى للعبودية لها. فهي لا تبدي أية احتجاج على الظلم السائد. لا تدرك أن تسليم مصيرها لطاغيتها هو الحالة الشاذة. فهي على قناعة أنها لا تستطيع أن تكون سيدة على حياتها. الأمة التي لا يخشى قادتها منها كما يخشى منها الأعداء هي ليست أمة حية، بل حشد من الناس لا تماسك بينهم سوى أن الطاغية هو الذي يجعلهم يتآلفون مع بعضهم بعضاً من خلال الظلم العام. يؤكد كاتب الكراس أن هذه الحالة استمرت عبر التاريخ القديم ” الشعوب هي التي تترك القيود تكبلها، أو قل إنها تكبل أنفسها بأنفسها”. 35

يبدو أن شعوباً على هذه الشاكلة لم تغادر بعد حالة التجمع الحيواني. فهي لا تعرف حقوقها. لا تفكر خارج تفكير طغاتها. إنها لا تدرك أن الحرية حق طبيعي يجب الكفاح من أجلها وعدم التنازل عنها، ليس تجاه الأعداء فحسب، بل تجاه المستبدين من لحمها ودمها. فالطغاة عبر التاريخ البشري “نهبوا شعوبها وطمعوا بالأكثر، وكلما خدمهم الشعب ازدادوا جرأة واستقووا”. 36

يستخلص دي لابويسيه حقيقة مرة حين يقول:” كل هذا الخراب، هذا البؤس وهذا الدمار يأتيكم لا على يد أعدائكم، بل يقيناً على يد العدو الذي صنعتم أنتم كبره، والذين تمشون إلى الحرب بلا وجل من أجله، ولا تنفرون من مواجهة الموت بأشخاصكم في سبيل مجده”. 37

يا لها من حقيقة مرة. ففي الشرق لا مجد لأي شعب. كل المجد للزعيم، كل النصر للزعيم. وإذا مات، تبكي الأمة كلها عليه. بل تشعر أنها فقدت أباها. فقدت ذلك المستبد والطاغية الذي عمم العبودية سواسية على الجميع. ولسان حالها يقول من أين نجد طاغية جديد يستعبدنا.

هل كان بإمكان هذا الزعيم أن يحقق ما حقق اعتماداً على قوته وشجاعته وتفكيره لولا الشعب الذي سانده وضحى من أجله دون أن يفكر بقضاياه. العقل الجمعي لهذه الشعوب لا يملك موضوعاً يدور تفكيره حوله سوى شخصية الزعيم، سلوكه اليومي، سلوك أفراد عائلته. كيف يأكل ويشرب، كيف يلاعب أولاده، كيف يظهر مع السيدة الأولى زوجته أمام الناس. إنها حالة من الاغتراب عن الذات والتماهي في الزعيم. يسانده الشعب في مشاريعه الخاصة دون تردد. بينما هو، يصف شعبه بالشجاع عندما يتواطأ تجاهه ويرضخ لعبوديته طوعاً، ويصفه بالجبان حين لا يتحمس لمشاريعه. إنه شمس الشرق، والأب الخالد. وفي الحالتين يصفق الشعب له بحماس. ” كيف يقوى عليكم ، يقول دي لابيسيه: “إن لم يقو بكم؟ كيف يجرؤ على مواجهتكم لولا تواطؤكم معه؟”. 37 ليس هو الذي يخون الشعب في هذه الحالة، بل الشعب هو الذي يخون نفسه. يفقد الحساسية بالألم، وهذا دليل على مرض مميت أصاب هذا الشعب. 38

لو نظرنا إلى أي شعب في الشرق الأوسط، نجده خاضعاً لهذه العبودية المختارة. هو الذي اختار عبوديته بنفسه. الشعب السوري، على سبيل المثال، نسي معنى الحرية منذ زمن الوحدة السورية – المصرية عام 1958. لم يعد هناك بين أفراد الشعب من فكّر بالحرية. كان الجميع يفكرون بنموذج آخر من العبودية. فلم يؤدي الانفصال عن مصر إلا لعبودية البعث. يشمل هذا التوجه أغلب الساسة والمثقفين إذا لم نقل جميعهم. خلال السنوات الست الماضية وجدنا كيف داس كبار المثقفين السوريين على كتاباتهم السابقة وخيروا الشعب بين عبودية قائمة وعبودية قادمة. ولعل أبرزهم الدكتور برهان غليون والدكتور عبد الرزاق عيد والدكتور صادق جلال العظم والدكتور عبد الباسط سيدا وميشيل كيلو، والقائمة ليست قصيرة. يستوقفني هنا في المقدمة صادق جلال العظم صاحب أجرأ كتاب في نقد الدين في سوريا “نقد الفكر الديني”، حين تحول إلى طابور المعارضة السورية، وأخذ يتناغم مع التيارات الاسلامية السياسية. صفق الثائرون للعبودية التي دعا هؤلاء إليها ببلاهة. العلة ليست فيهم فحسب، بل في الشعب بالدرجة الأولى. “إنه لأمر يصعب على التصديق أن ترى الشعب متى تم خضوعه، يسقط فجأة في هاوية من النسيان العميق لحريته. إلى حد يسلبه القدرة على الاستيقاظ لاستردادها، ويجعله يسرع إلى الخدمة صراحة وطواعية حتى ليهيأ لمن يراه أنه لم يخسر حريته، بل كسب عبوديته”.42

قامت الثورة السورية عام 2011. لكن هل كان هذا الشعب فعلاً يريد التخلص من الاستبداد والتمتع بالحرية والديمقراطية والكرامة؟ لو كان الأمر كذلك فلماذا انخرط في صفوف الكتائب الاسلامية الجهادية التي بشرت بطغيان أبشع من استبداد النظام الذي ثاروا عليه. ومن خلال هذه الكتائب سرعان ما بادروا إلى نهب الناس المدنيين، أهدروا كراماتهم، قطعوا رؤوسهم أمام الكاميرات، سبَوا النساء واغتصبوها جهاراً. أليس هؤلاء هم الذين فجروا الثورة ضد الظلم؟ فكيف انحدروا إلى هذا المسلك الحيواني؟

ربما حالة تاريخية لا نستطيع تغيرها في شرقنا. فالشعوب التي تعودت على العبودية لا تفكر بالحرية. لا يوجد في عقلها الباطني سوى نموذج طغاتها. بغض النظر عن العديد من ملابسات الحالة الكردية في العراق، فكل الساسة الحاكمون في بغداد وأربيل كانوا يوماً رفاق النضال في خندق واحد ضد استبداد صدام. كانوا يتوقون إلى الحرية والديمقراطية والحقوق العادلة. لكن أولئك الحلفاء السابقون افترقوا في لحظة السلطة، تحولوا من الحلفاء إلى الأعداء. حكام بغداد اليوم لم يستطيعوا أن ينتجوا سوى ما أنتجه صدام حسين. إنهم يكررون شعاراته ونهجه وموقفه من الشعب الكردي في كردستان العراق. يقول دي لابويسيه أن من طبيعة الانسان أن يكون حراً، ولكن من طبيعته أيضاً أن يتطبّع بما نشأ عليه. 46 لم يحدث التغيير في الشرق بتغيير الحكام. عندما سقط نظام الشاه الايراني توقع أغلب الساسة والمثقفين في الشرق الأوسط وفي العالم أن الشعب الايراني الذي أسقط الشاه بشجاعة وبطولة، سيطوي صفحة الاستبداد ليتمتع بالحرية. لكن هذا الشعب الذي خلع استبداداً سرعان ما لبس استبداداً دينياً مذهبياً أسوأ بكثير من استبداد الشاه. هل كان هذا الشعب يريد الحرية عندما ثار على الشاه؟ وإذا كان الجواب نعم، فلماذا سقط في استبدادية ولي الفقيه بإرادته. لقد ولد ونشأ هذا الشعب، مثل بقية شعوب الشرق، على العبودية. وكل ما قام به خلال ثورته العظيمة بدّل عبودية بعبودية أخرى. اليوم كل شيء يمر من بين ذقون آيات الله الكثة. فلائحة الكتب الممنوعة في ايران ليست أقل مما هي عليها في السعودية. وايران خميني أشهر دولة في العالم بالإعدامات.

يرى دي لابويسيه أن السبب الأول الذي يجعل الناس يسيرون طواعية نحو الاستعباد هو كونهم يولدون رقيقاً وينشؤون كذلك. فالناس يسهل تحولهم تحت وطأة الطغيان إلى جبناء مخنثين.49 كشفت لنا الثورة السورية حالات غريبة من خلال الشخصيات المنشقة عن النظام السوري. كانت هذه الشخصيات من عبيد النظام، وكلهم كانوا جبناء ومخنثين في دائرة الزعيم وشجعان وأبطال على الشعب. كانوا يمارسون الاستبداد أكثر مما يفكر به زعيمهم. كانوا غرقى في الفساد المالي والاداري. والأهم من ذلك، كانوا يحمون النظام بشجاعة فريدة من الشعب. وبعد الانشقاق أخذوا يتكلمون بكلمات أخرى، وكأنهم لم يولدوا من رحم النظام. أخذوا يصفون أسيادهم بأبشع المفردات. يتكلمون عن الحرية والديمقراطية والعدالة بطريقة رومانسية. هذه المفردات التي لا توجد أصلاً في نشأتهم وتربيتهم وقواميسهم. من كان جزءاً من بنية النظام الاستبدادي لا يمكن أن يفهم الحرية ويتعامل مع الآخرين على أساسها. يقول كاتبنا: ” القريب من الطاغية، في الحقيقة، لا يعني شيئاً آخر سوى البعد عن الحرية”.59 كيف لهؤلاء الذين هم أبعد الناس من الحرية وكانوا يركعون للزعيم طوعاً من أجل المال والنفوذ، كيف لهؤلاء الذين فقدوا ذواتهم أن يكونوا رموزاً للحرية؟

إنها كارثة الشرق..! استبدال المستبد بمستبد آخر. والعيش باطمئنان في “عبودية مختارة”. من أين جاءت هذه السيرورة المشؤومة؟ لماذا لا تنجب أمم الشرق سوى الطغاة؟ ربما السبب الجوهري يكمن في أن هذه الأمم لا تعي ذاتها بعد.

المانيا 1/10/2017

* اعتمدت على النسخة الالكترونية للكتاب.