أرسلان طاش:تاريخ الموقع وطوبوغرافيته(1)

أرسلان طاش*

ترجمة: أحمد حسن**

مقدمة

أرسلان طاش (أي” الأسد الحجري “) قرية كردية كبيرة، تقع ضمن منطقة الجزيرة العليا، في سهل سروج، على بعد تسعة كيلومترات جنوب شرقي محطة عرب پينار(على سكة قطار بغداد)، وهي تدين باسمها لأسدين ضخمين، أحدهما منتصب، والأخـــــــر مقـــــعي، وقد ورد ذكرهما للمرة الأولى في بعثة ” تشيسني ” عام 1850م.

ويعود الفضل في لفت الانتباه إلى الأهمية الأثرية الكبيرة لهذا الموقع إلى “حمدي بك” الذي زاره في حزيران عام1883 م. ففي عام 1899 م أبلغ ” ليون هوزي” أكاديمية النقوش والفنون الجميلة، في جلسة18 أب، رسالة يطلعنا فيها المدير السامي للمتحف السلطاني العثماني على الملاحظات التي سجلها حول هذا الموقع في عام 1883 م ويذكر لقيتينثمينتين، عُثر على إحداهما عام1886م،وعلى الأخرى عام 1899 م. وهما عبارة عن لوحين منقوشين تّم نقلهما إلى متحف اسطنبول بعد فترة وجيزة من العثور عليهما. والرسالة الآنفة الذكر منشورةفي(Comptes Rendus, 1899 p.617 et suivantes)،مع صورة فوتوغرافية لنقش ضعيف البروز، مصدرها اللقية التي تم العثور عليها عام 1899 م وتمثل فارسا يقف خلف عربة ملكية.

وفي عام 1920م قدّم الكولونيل ” نورمان” إلى متحف اللوفر تمثالا مقطوع الرأس كان قد عثر عليه في مقتلة، على بعد أربعة كيلومترات شمال غربي أرسلان طاش، ولم يجانب الكولونيل الصواب في تخمينه أن مصدر (Syria، II، p. 202) التمثال هو موقع أرسلان طاش، انظر

(Syria, II) وفي عام1921م كتب ” م. بوتيه ” عن هذا التمثال في

ص203-206 واللوحة رقم26. وتم نقل تمثال مشابه إلى أورفه حيث شاهده البارون ” فون أوبينهايم ” والتقط صورة له عام 1912 م ونشرها على الفور. وقد أعاد نشرها مع صور لمنحوتات أخرى من أرسلان طاش في تحت عنوان AltorientalischeStudien Bruno Meissner إحدى مقالاته

” Eineunbekannte Statue ausdemSeruj “.

وفي عام 1925 م قام السادة ” بيردريزيت” و ” شلومبرغر” و ” سيريغ ” بزيارة أرسلان طاش برفقة النقيب ” بيكيه بيللورس ” حيث دوّنوا ملاحظات هامة تؤكّدعلى الأهمية الأثرية للموقع؛انظر رسالةبيردريزيت ” إلى السيد ” دوسو”، المنشورة في “بيردريزيت ” إلى السيد ” دوسو”، المنشورة في ”

Syria, VI, p. 299 et suivantes.

وفي العام ذاته ظهرت مقالة تحت عنوان تماثيل ” تغلاتبلاصر” الثالث في أرسلان طاش

Die Relief Tiglat –pilesers III.ausArslanTasch.

وهي بتوقيع ” ايكهاردأونجر” وتعتبر أول عمل إجمالي حول أرسلان طاش. أما الألواح المنقوشة التي نقلت من هذا الموقع إلى اسطنبول فقد عرضت بالكامل في متحفها، منسوبة بذكاء إلى ” تغلاتفلاصر” الثالث. وقد استعان الكاتب بوثائق نقلها ” أرنولد نولدكه”، الذي زار أرسلان طاش بتشجيع منه في حزيران عام 1917 م، ليقدّم إيضاحات مفيدة حول طبوغرافية الموقع ووضع المنحوتات التي أشير إلى وجودها فيه، مرفقة بمخططات وصور فوتوغرافية.

وفي شهر أيار من عام 1927 م، توقفت مرتين في أرسلان طاش بصحبة ” دارو ” المأسوف عليه، مرة عندما كنت في طريقي إلى ” رأس العين ” لرؤية البارون ” أوبينهايم ” وسط حفرياته، ومرة عندما كنت عائدا من هناك. وكنت قد أشرت إلى بعض الملاحظات التي دونتها في

(La Revue d’Assyriologie, XXIV, p. 147 et suivantes ; Syria, X, p.188, note 1).

ومنذ ذلك الحين اختفت قطعتان منقوشتان من بين القطع التي كنا قد حددنا مواضعها: أهم قطعة منها سنكتب عنها أدناه وفق رشم [طبع بحروف بارزة]. وهي قطعة منحوتة أتيحت لي فرصة الحصول عليها لصالح متحف اللوفر أثناء مرورنا الثاني بأرسلان طاش، وتشكّل جزءا من تمثال عثرنا عليه أثناء تنقيباتنا في العام التالي لتلك الزيارة. وقد تمّ نقل هذه القطعة (اليد اليسرى للتمثال) من متحف اللوفر عام 1928 م إلى متحف حلب حيث يعرض التمثال حاليا بشكل كامل (هذا التمثال يشبه تماما تمثالي مقتلة وأورفه، إلّا أنّه ليس مقطوع الرأس).

وفي عام 1928 كلّفني متحف اللوفر بمباشرة التنقيب في أرسلان طاش، وقد حصلت من صديقي الأب ” دورم ”

على إذن للأب ” باروا “، من المدرسة التوراتية في القدس، بمرافقتي. وكذلك انضم إلينا السيد ” جورجدوسان”، الأستاذ في جامعة ” لييج ” وفي المؤسسة الجامعية فيبروكسل. وعلى الأرض تلقينا المساعدة الوفية من السيد “دارو ” الذي كان يمثّل قسم الآثار في حلب، والذي أذن له السيد ” فيروللو” مدير القسم بالمشاركة في بعثة التنقيب هذه. وقد استمرت البعثة من 13 آذار إلى 2 تموز. ولما اقتضت الظروف أن أعود إلى فرنسا في نهاية شهر نيسان، تركت إدارة التنقيبات للأب ” باروا ” الذي ظلّ خلال شهر حزيران وحيدا مع السيد ” دارو ” في أرسلان طاش،بعد أن رحل عنهما السيد ” دوسان ” ملبّيا نداء الواجب المهني الجامعي في لييج. وخلال فترة تولّي الأب ” باروا ” مسؤولية الورشة، تمّ اكتشاف القسم الأكبر من مجموعة القطع العاجية الجميلة التي سنأتي على ذكرها بالتفصيل.

أما البعثة الثانية فقد استمرت من 27 أيلول إلى 21 كانون الأول. يؤسفني أني لم أتمكّن، في بعثة الخريف هذه، أنّ أعمل مع مساعدي الممتازين الذين كانوا معي في بعثة الربيع. وقد عملت في بعثتي هذه برفقة السيد ” موريس دونان ” الذي قدّم لي بخبرته كمنقّب مساعدة قيّمة. وشاءت السلطة العسكرية أن تفصل عن بعثتنا، من 28 تشرين الأول إلى 21 كانون الأول، السيد ” أندريه تروتان”، التلميذ النحّات في مدرسة الفنون الجميلة، والذي كان حينها تابعا لقطار المعدّات العسكرية رقم 135. فإلى السيد تروتان يعود الفضل في وضع مخططات القصر و” بيت العاجيات ” والمعبد الآشوري.

إن جميع المخططات المنشورة في العمل الحالي موجّهة وفق الشمال المغناطيسي. ويمكن أن نقّدر الانحراف وقت إعداد المخططات ب 2,22 درجة شرقا.

وبالنسبة لتكاليف بعثة الربيع، فقد تكفّل صندوق المتاحف الوطنية بقسم منها، والقسم الأخر تكفّلت به أكاديمية النقوش والفنون الجميلة (صندوق كليرك). أما تكاليف بعثة الخريف فقد كانت بالكامل على حساب وزارة المعارف العامة.

في هذا الكتاب نقدّم نتائج بعثتي التنقيب هاتين. ورأينا أنه من المفيد أن نضيف إلى النقوش البارزة التي استخرجناها، تلك الموجودة في متحف اسطنبول. وأرجو في هذا المقام أنّ يتفضل مدير متحف اسطنبول،

السيد خليل بك، بقبول شكري وامتناني، فنحن مدينون له بالصور الفوتوغرافية التي نعيد نشرها في هذا الكتاب.

وفي الختام، أعرب عن امتناني الكبير للسيد دوسو على ما قدّمه لنا من فائدة عظيمة طوال فترة التنقيب.

باريس، تموز 1930

ف. تورو دانجان.

 

1-تاريخ الموقع وطوبوغرافيته

 

يعتبر سهل سروج من المناطق الخصبة التي تحدّ شمالا منطقة ميزوبوتاميا الصحراوية الأقرب إلى نهر الفرات. تروي هذا السهل مجاري مائية تتحد لتشكّل نهر قره موخ، الرافد اليميني لنهر البليخ[1]. إنّ قرية أرسلان طاش الواقعة في الزاوية الجنوبية الغربية من سهل سروج الفسيح،لا تبعد إلّا حوالي 30 كم عن نهر الفرات الذي تفصله عنها عتبة وعرة بعض الشيء وقليلة الارتفاع. انظر خريطة المنطقة التي وضعها ” ج. دارو”(ا لشكل 1)[2].

سكان أرسلان طاش أكراد، وأراضيها خصبة جدا وتنتج غلالا وافرة من القمح والشعير، يصدّر قسم كبير منها. كما يزرع فيها القنّب والذرة البيضاء قرب المجاري المائية المفرّعة إلى تحويلات كثيرة. وعلى بعد حوالي كيلومتر واحد باتجاه الجنوب نصل إلى منطقة قاحلة متشكّلة من تلال بازلتية، تمهّد للبادية الحقيقية التي نبلغها بعد مسيرة أقل من يوم. في بداية موسم المطر ترسل قطعان الماشية إلى الداخل،وقد تصل إلى الرقة أيضا، وتعاد في فصل الربيع. وخلال فصل الصيف تنصب الخيام حول القرية، فيترك قسم من السكان أكواخهم المخروطية

المقعّرة المبنية باللبن، ويمضون تحت الخيام أحرّ شهور السنة.

تفيد النقوش الآشورية التي ننشرها، أنّ الاسم القديم للموقع هو حداتو. هذا الاسم نجده في كتاب يوم القيامة الآشوري لولاية حرّان تحت شكل حَ دَ أت تِ[3]. وليس لدينا أي سبب يحملنا على الاعتقاد بأنه كان لهذا الموقع أهمية خاصة قبل وصول الآشوريين. لا شك أنه كان كما اليوم بلدة ريفية.

حداتو على الطريق الكبير الذي يصل عبره الآشوريون إلى الفرات وسوريا. هذا الطريق كان يمرّ بـ” غوزانا”(تلحلف)وحرّان ويصل إلى تل برسيب (تل أحمر) على نهر الفرات (انظر بهذا الخصوص مجلة

Syria, X, p.188

كان هذا الطريق يتجنّب البادية ويحاذيها. وكان على الجيوش الآشورية أن تجد مصادر للمؤونة على طول هذا الطريق. بين حرّان وتل برسيب، كان الطريق معلّما بتلين رئيسين هما: ” بندرخان ” قرب ” كول تبة ” (على سكة قطار بغداد) و ” تل حاجب ” على بعد 3كم شرقي أرسلان طاش. في بندر خانيتفرّع الطريق إلى فرعين: فرع يتجه إلى الجنوب الغربي نحو قلعة نجم التي كان فيها في عهد الخلفاء جسر على الفرات يعرف بجسر منبج. هذا الطريق هو الأكثر استقامة للذهاب من حرّان إلى منبج، لكنه لا يخلو من المساوئ،إذ يجب عبور منطقة صحراوية بمعظمها، تقع بين بندر خان وقلعة نجم، ولا شك أنّ هذا هو السبب الذي كان الآشوريون لأجله يفضّلون الطريق الذييمرّ من تل برسيب.

كانتحداتو، إبّان الاحتلال الآشوري، محطة توقف وموقعا عسكريا للجيوش الآشورية. ويبدو أنّ إقامة الآشوريين فيها لم تصل إلى ذروة أهميتها إلا في عهد تغلاتبلاصر الثالث. فعندما جلس هذا الملك على العرش، كان أحد اهتماماته الأولية-على ما يبدو -إعادة السلطة الملكية إلى مسارها الصحيح بعد أن انحرفت عنه خلال حكم الملوك الذين سبقوه ابتداء منشلمنصر الرابع. في عهد هؤلاء الملوك الضعفاء تمتّع حكّام المقاطعات باستقلالية كبيرة عن السلطة المركزية. فمثلا، أصبح شمشيإيلو حاكم حرّان السيد المطلق تقريبا في مقاطعته،وهذا ما تشهد عليه نقوش أسود تل برسيب الرائعة[4].

لمعالجة هذه الأوضاع قام تغلاتبلاصر بتقسيمالمقاطعات القديمة[5]؛ فعلى سبيل المثال جعل من تل برسيب، التي كانت – كما يبدو-تابعة لمقاطعة حرّان قبل مجيئه، مقرّ ” بيهاتو” [منطقة؟] (انظر النقش الذي ننشره أدناه، ص86).

بالإضافة إلى ذلك، أنشأ على غرار بعض العظماء ممن سبقوه، من أمثال آشورناصربال الثاني وشلمنصر الثالث، قصورا ملكية في جميع أنحاء إمبراطوريته. ولا شك في أنّ تغلاتبلاصر لم يكن يستطيع الإقامة في هذه القصور إلا لفترات قصيرة ومتباعدة، لكنها – أي القصور-كانت على مرّ الزمان رمزا للحكم المركزي الحاضر الغائب في أعين الأهالي والموظفين الآشوريين على حد سواء.  تشير حوليات هذا الملك، التي وصلت إلينا بصورة متجزأةجدا، إلى أنّه بنى العديد من هذه القصور: وهكذا نقرأ في السطر الثامن وما بعده: ” فوق تل كامري الذي يدعى هوموت، بنيت مدينة؛ من أساسها إلى أعلاها بَنَيتها؛ شيّدت فيها قصرا، مكانا لإقامتي؛ أطلقت عليها (على هذه المدينة) اسم كار آشور.” وفي مقاطع أخرى من الحوليات، مبتورة لسوء الحظ،

. (cf. II 21 et 225)[6] ثمة تلميحات إلى تشييد أبنية أخرى من النوع ذاته

لا شك أنّ قصور تغلاتبلاصر كانت عديدة في المقاطعات. وقد كشفت حفريات تل أحمر عن احداها، لا بدّ أنّه شيد على أنقاض قصرشلمنصر الذي كان قد بني في المكان ذاته منذ قرن مضى. وسنرى أنّ أرسلان طاش تقدّم مثالا في غاية الكمال لأحد قصور هذا الملك العظيم في المقاطعات.

بسقوط إمبراطورية نينوى، فقدت مدينة حداتو أهميتها التي كانت تستمدها فقط من الوجود الآشوري فيها. ومع هذا، يبدو أنها استردت بعضا من ازدهارها فيما بعد، وما يشهد على هذا هو ذلك القصر الإغريقي الشرقي الصغير الذي اكتشفنا بقاياه فوق أنقاض القصر الآشوري.

كان من الممكن، قبل ضربة المعول الأولى، أن نستنتج من ارتفاع الأرض وتوضّع بقايا المنحوتات إشارات حول مخطط المدينة القديمة. وكما يتّضح من المخطط العام الذي ننشره هنا، فإنّ الهضبة الاصطناعية التي تغطّي المدينة القسم الأكبر منها تأخذ شكلا أقربإلى هلال بين قرنيه من ناحية الشرق حفرة تجمعت فيقعرها مياه آسنة.

تمتد هذه الهضبة على رقعة فسيحة من الأرض، ولا يظهر ارتفاعها على نحو ملموس إلاّ عند القرن الشمالي حيث ينهض تل بارز جدا، يقارب ارتفاعه السبعة أمتار وليس فوقه أي مسكن حديث. كان من الواضح أنّ البناء الرئيسي لا بدّ أن يكون موجودا تحت هذا التل. ومن ناحية أخرى، فقد تمّ استخراج ثورين في القرن الجنوبي للهلال سنة1927[7]، وقد شكّل وجودهما هناك علامة على مدخل بناء آخر. وكما يظهر للعيان فإن بقايا هذا البناء تغطيها مجموعة البيوت الحديثة التي تشكّل حيّا معزولا في الجهة الشرقية. أخيرا أمكن تحديد موضع بابين للسور القديم، أحدهما في الشرق تمّ الاستدلال عليه عن طريق الأسدين اللذين تمت الإشارة إلى وجودهما منذ أمد طويل، والآخر في الغرب تمّ تحديد مكانه عبر أجزاء أسود بازلتية أخرى.

سندرس على التوالي البناءين اللذين تمّ إخراجهما عبر حفر التل، ذاك الذي عثرنا على بقاياه بالقرب من الثورين وكذلك سور المدينة الذي تتبّعنا محيطه على نحو خاص.

 

 

2-المعبد الإغريقي الشرقي

 

كانت المعلومات التي حصلنا عليها بعد يومين من وصولنا إلى الموقع (في 15 آذار) تشير إلى أنّ التل الرئيسي الواقع في شمالي القرية هو مصدر تمثال ” مقتلة ” وتمثال آخر مشابه له، كان قد نقل إلى أورفه[8]. نخمّن أنّه تمّ العثور على هذين التمثالين على عمق حوالي 3م من قمة التل. كنّا قد قررنا على الفور إجراء سبر في قمة التل. اخترقت حفرتنا طبقات اختلطت فيها كسرات من الآنية الهلنستية بحطام وبقايا أحدث منها عهدا؛ فعلى الجدار الغربي للحفرة كانت تظهر بشكل واضح طبقات جدار من اللبن، يتجه شمالا وجنوبا ثمّ يشكل في الشمال زاوية مع الغرب وعلى عمق حوالي 2,60 م، كانت هذه الزاوية تستند على كتل كبيرة من الحجارة الكلسية الليّنة المقصّبة.

بعد أن رصدنا هذه الملاحظات، قررنا أن نباشر حفر التل من الجهة الجنوبية الشرقية وفي مستوى أدنى من أساس البناء الذي عثرنا عليه في حفرة السبر. كان البدء بالحفر من هذه الجهة في صالحنا، فقد مكّننا ذلك من إخلاء بقايا البركة الكبيرة في قاعدة التل.

ومنذ اليوم الأول للتنقيب، كانت معاول عمالنا تصطدم على يسار الورشة بألواح بازلتية تشكّل أرضية عرفنا فيما بعد أنها فناء القصر الآشوري الذي سنأتي على وصفه في الفقرة التالية (شرقي الباب الذي يفضي إلى القاعة 21 على المخطط).

مع اقتراب نهاية الشهر، وصل التنقيب إلى الزاوية الجنوبية للجدار الذي كشفت حفرة السبر النقاب عنه، وعلى بعد نحو 10أمتار إلى الغرب اكتشفنا حجارة مماثلة تستند عليها زاوية أخرى للبناء ذاته. إنّ إزالة الركام عن الواجهة الشرقية منحتنا الوسيلة لكي نتأكّد أنّ أرضية هذا البناء-المشار إليها بحجارة مرصوفة وتنطلق منها شظايا الحجر الكلسي الأبيض-تعلو بشكل واضح على بقايا الأرضية التي اكتشفناها حتى هذا الحين. في الخامس من شهر نيسان، وعلى بعد 3,80 م شمالي الزاوية الجنوبية (النقطة “a” من المخطط المستنسخ في الشكل رقم 2) وعلى مستوى هذه المصطبة اكتشفنا حجرا بازلتيا مزودا في وسطه بلسان مربّع؛ هذا الحجر الذي يتجاوز رصف اللبن لم يكن سوى الجزء السفلي لتمثال مقطوع الرأس، مشابه تماما لتمثالي مقتلة وأورفه، ومقلوب على ظهره في سماكة الجدار المتهدّم. وإلى الشمالمباشرة، كان ثمة قاعدة تمثال بازلتي هابطة قليلا نحو الجنوب، وقد كانت في الأصل موضوعة في مستوى المصطبة. في اليوم التالي اكتشفنا رأس هذا التمثال على بعد 1,15 م جنوبي المكان الذي وجدنا فيه الجسم وفي مستوى أخفض منه قليلا.  وفي أية ظروف تمّت إعادتها إلى مكانها. لقد اكتمل التمثال الآن وسنأتي على وصفه.

لقد كشفت لنا نهاية التنقيب أنّ المبنى الصغير الذي وضع أمامه هذا التمثال كان المعبد الإغريقي الشرقي الذي بني على أنقاض المعبد الآشوري. والظاهر أن بناة هذا المعبد قد استخدموا تماثيل أخذوها من مكان المعبد الآشوري.

يقدّم الشكل رقم-2-مخططا لهذا المبنى كما يلي: غرفة مستطيلة(A)عرضها أكبر من ارتفاعها، تتقدّم مقدِسا[9](B) ذا أبعاد أصغر، نصل إليه عبر سلّم مؤلّف من درجتين. والجدران الضخمة لهذا البناء مبنية باللبن المصنوع من طين مسوَدٍ كثيف ومضغوط. تلتصق اللبنات مع بعضها بواسطة ملاط قوامه طين أفتح لونا،ويبلغ طول اللبنة الواحدة حوالي 50 سم وسماكتها 13 سم. بينما تبلغ السماكة الوسطية للجدران 2,10 م، أي أربع لبنات متجاورة. الزوايا الخارجية لهذا المبنى تمّ تدعيمها عند الأساس بكتل كلسية رقيقة مقصّبة بعض الشيء.

إنّ المبنى موجّه بصورة صحيحة بما يكفي (قيمة الانحراف هي 5 درجات شرقا بالنسبة إلى الشمال الحقيقي): في وسط الواجهة الشرقية التي يبلغ طولها 13, 4 م توجد البوابة الكبيرة البالغ عرضها 4,25 م. أما الجدار الشمالي فهو الأكثر حفاظا على قوامه إذ يبلغ ارتفاعه 2,50 م فوق الأرضية القديمة. وهذا الجدار أقصر بشكل ملحوظ من ذاك المقابل له في الجنوب: 9,90م مقابل 10,30 م. إنّ مخطط المقدِس يبدي أكثر من مثال على هذا التفاوت:

ارتداد الزاوية الشمالية: 1,95 م.

ارتداد الزاوية الجنوبية: 1,50 م.

الجدار الشمالي للمقدِس: 6,30 م.

الجدار الجنوبي للمقدِس: 6,10 م.

الجدار الغربي للمقدِس: 9,90 م.

لم تعد النسب الداخلية مرضية والدرج الذي يوصل بين القاعتين انحرف إلى الشمال انحرافا طفيفاً.

إنّ هذا الدرج البالغ عرضه 4,40 م والذي يستند إلى أساس مطمور مؤلّف من درجتين، ارتفاع إحداهما 40 سم وارتفاع الأخرى 34 سم، وهذه الدرجة الأخيرة مزودة بنتوءات زخرفية. يفضي الدرج إلى رواق ركائزه الداعمة المزيّنة بأعمدة مندرجة تضيّق الممر الذي يوصلنا إلى المقدِس بحيث يصبح عرضه 2,60 م. هذه الأعمدة المشذّبة فقط بالبرغال[10] لم يكتمل العمل فيها على الأرجح، إذا حكمنا عليها من خلال آثار ضربات النحات التي ما تزال بادية للعيان. إنّ الحجر المستخدم في كل هذا البناء هو الحجر الكلسي الليّن المشبع بملح البارود.أما الكتلة الداخلية فهي مكوّنة من حشوة سيئة من الحصى والردوم.

الشكل رقم (2)

وقد قام المحتلون اللاحقون بتضييق بوابة المقدِس عبر نقل حجارة مأخوذة من الركائز الداعمة للرواق. (انظر اللوحة 16، رقم 1). أحد هذه الحجارة يحمل علامة خطّها أحد العاملين بالمقطوعية على شكل دلتا[11] يونانية ضلعها الأيسر يتجاوز الذروة بقليل. على الأرجح ينبغي أن ننسب إلى هؤلاء المحتلين إصلاح الجدار الغربي للمقدِس بكتل بازلتية يوجد بينها قاعدة اسطوانية لساق عمود يبلغ طولها22سم وثخانتها 55 سم.

إنّ الشكل رقم 3 يصوّر الكتلة المركزية (C). موضع هذه الكتلة بالنسبة للمبنى الآشوري الذي بنيت فوقه مشار إليه بالحرفd على مخطط القصر المنكّت [مخطط مرسوم بالنقط]. يغطّي المعبد القاعة رقم 22 بأكملها تقريبا وجزءا من الممر رقم 23 والزاوية الشمالية الغربية للفناء.

الشكل 3

 

إنّ أرضية القاعة الأولى، المتشكّلة من التراب وشظايا الحجر الكلسي الأبيض الناتجة عن تشذيب حجارة الدرج، تعلو أرضية القصر الآشوري بمقدار 1,65 سم بينما تنخفض أساسات الجدران عنها بمقدار 85 سم. هذه الجدران تستند جزئيا على جدران القصر المذكور التي شكّلت كتلها الصلصالية الحمراء أساسا صلبا متينا. وسنرى من خلال الصورة المستنسخة في اللوحة (16، رقم 2) تداخل وتشابك هذين المبنيين. هذا المشهد مأخوذ من الزاوية الشمالية الغربية لفناءالقصر (اللوحة29): نرى فيه بوضوح الجدار الشمالي للمعبد (الذي يمكن التعرّف إليه من خلال اللون الغامق لللبنات المستخدمة) متداخلا مع الجدار الآشوري الذي شقّ لهذه الغاية.

في الزاوية الشمالية الغربية للقاعة الأولى(في النقطة b من المخطط، الشكل رقم 2)، وفي مستوى درج المدخل توجد قاعدتان اسطوانيتان لعمودين مخدّدين من الحجر الكلسي، يبلغ قطر كل منهما 55 سم كما يبلغ طول إحداهما 1,07 م وطول الأخرى 96 سم.

بجوار هاتين القاعدتين وفي مستوى أعلى، وجدنا جرنا مخروطيا متّسع الفوهة من البازلت المصقول(اللوحة 15، رقم12؛ ارتفاعه 22 سم، قطره من الأعلى 23سم ومن الأسفل 15,5 سم، قطره الداخلي 18سم، وارتفاعه الداخلي 12سم). ربما تعود هذه القطعة الجميلة إلى العهد الآشوري. وقد استخرجنا من بين الأنقاض التي كانت تسّد الباب جزءا من تمثال صغير من الحجر الكلسي الأبيض شبيه بذاك الذي استخدم في بناء الرواق: كان هذا التمثال، على ما يظهر، تقليدا غير متقن للتمثال الآشوري الذي أتينا على ذكره أعلاه؛ ولم يبق منه إلاّ الجزء العلوي من الجذع والذراعان اللتان تمسكان بطبق ذي حواشي مقابل الصدر (اللوحة15، رقم 15؛ ارتفاعه19سم وعرضه24سم وسماكته22سم). وكان إلى جانب هذا التمثال أسد صغير مقعي، منحوت من البازلت على نحو رديء (اللوحة14، رقم 14؛ طوله19,5سم وارتفاعه 14سم)[12]. لم يكن أي من هذه الأشياء في بيئته.

إنّ أسلوب بناء الدرج والرواق وزخرفتهما يدلّان على أنّ المعبد لا يمكن أن يكون سابقا للسيطرة الإغريقية على الموقع. ومع هذا فإنّ مخطط المعبد ليس إغريقيا، إذ يتميّز هذا المخطط بصورة خاصة بالزيادة في العرض: الجانبان العريضان لكلّ من الغرفتين اللتين تشكّلان المعبد متوازيان مع واجهته وليسا متعامدين عليه.وهذا تقليد شرقي عريق حافظ عليه البابليون دائما. وفي بلاد الآشوريين استمر هذا التقليد في العمارة الدنيوية، أمّا العمارة الدينية فقد ظهرت فيها منذ وقت مبكر جدا أمثلة على المخطط الذي يتميّز بالزيادة في العمق. انظر بهذا الخصوص

(ANDRAE, Der Anu-Adad-Tempelm, p.80 ss.)

جدير بالملاحظة أنّ أبعاداللبنات تقلّد مقياسا بابليا هو الذراع البالغ 449ملم، أمّا الذراع الآشوري فهو أقصر منه قصرا بيّنا (انظر أدناه، ص35).

ينتمي إلى مستوى المعبد ذاته مبنى صغير(D) ذو طابع محدّد بشكل سيئ، يقع هذا المبنى على بعد 11م باتجاه الغرب. لم يبق منه إلاّ بعض الكتل الكبيرة المقصّبة التي تشكّل ثلاثة من أضلاع مستطيل؛ يرتفع أساسها بمقدار 95 سم عن بلاط أرضية الفناء الأمامي للقصر الآشوري.

في الشمال، وفي الجزء الأعلى من التل نجد آثار جدران مبنية باللبن شبيهة بجدران المعبد، لكنها تقع في مستوى أعلى بقليل. انظر مثلا اللوحة (17، رقم 2)، حيث تمثّل الصورة الجزء الجنوبي من القاعة رقم 25 من القصر: نميّز فوق الجدار الآشوري خمس طبقات من القرميد، تنتمي إلى مبنى معاصر للمعبد.

إنّ الآثار الفخارية المكتشفة في السويّات العليا من التل تحدّد تقريبا عمر جملة المباني هذه: أقدم هذه القطع من نوع الفخار الإيطالي المجلي الذي شاع استعماله في العالم القديم خلال القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد، أما بعضها الآخر، الأحدث عهدا، فهو عبارة عن كسرات حمراء عليها زخارف بارزة يمكن أن نعيدها إلى

الشكل رقم 5 (مصغّر بنسبة1/2) الشكل رقم 4(مصغّر بنسبة 1/2)

 

عهد قريب من ميلاد المسيح. وعلى عمق1-2م في تربة القصر، تمّ العثور على تمثال صغير لإيروسوبسيشيه (اللوحة 15، رقم 16: ارتفاعه 19,5 سم)، وقد نسب السيد ” بوتييه ” هذا التمثال، الذي يعود إلى القرن الأول أو الثاني قبل الميلاد إلى ورشة من آسية الصغرى. هذه الإشارات الزمنية يؤكّدها نحو عشرة مصابيح من الفخار وفق النموذج الهلنستي، تمّ العثور عليها في السويات العليا ذاتها:

الشكل 6 (مصغّر بنسبة 1/2)

 

أغلب المصابيح المذكورة ليس لها عرى ومزيّنة بجرّة فوق العنق[13] (انظر مثلا الشكلين رقم 4 ورقم 5)، لاثنين

منهما نتوء صغير بمثابة العروة،ولأحدهما شكل بيضوي تقريبا، وعنقه بالكاد متضيّق مما يعطي جسمه شكلا متطاولا (الشكل رقم 6).   مصباح واحد فقط مزوّد بعروة (الشكل رقم 7).

الشكل رقم 8 (1/2)                                    الشكل رقم 7 (1/2)

 

أمّا المصباح الظاهر في (الشكل رقم 8) فقد تمّ العثور عليه خلال سبر أُجريَ في التل (B) الواقع شرق التل الرئيسي[14].

 

 

[1] – يحسن السكان استخدام مياه هذه الأنهار الصغيرة بحيث لا يصل أي قسم منها إلى نهر قره موخ في موسم الجفاف، فنراه دائم الجفاف.

[2]– وضعت هذه الخريطة بوساطة: 1-مخطط في قياس الأرض، انطلاقا من القاعدة الموضوعة في أرسلان طاش بالتقاطع مع جميع النقاط المحمولة؛ 2-مخطط خطوط السير على البوصلة، كل خط محسوب مرتين (ذهابا وإيابا).

*-صفحات من كتاب ARSLAN-TASH تأليفF.THUREAU-DANGIN و A. BARRIOS و G. DOSSINو MauriceDunand، باريس، منشورات Librairie Orientaliste Paul Gunther، 1931.

** مترجم و باحث كردي سوري.

1- CF. JOHNS, AN Assyrian Doomsday Book, n°6, I, 44.

[4]-CF.Revue d’Assyriologie, XXVII, p.11ss.-

[5] – انظر بهذا الخصوص

Die Provinzeinteilung des assyr. Reiches.

 

[6] – انظر أيضا نقوش اللوح الطيني 1-44.

[7] – Revue d’Assyriologie، XXIV، p.148، note 1.Voir.

[8] – بخصوص هذين التمثالين انظر المقدمة، ص1 وما بعدها.

[9] – المقدِس هو مكان يوضع فيه تمثال الإله في عبادة الرومان والإغريق، ويدعى أيضا بمقصورة الرب. المترجم

[10] – البرغال هو أداة التقصيب والبرغلة في البناء. المترجم

[11] – دلتا =Δ (الدال) هو الحرف الرابع من الأبجدية اليونانية. المترجم

-[12] طبعا كانت هذه التحفة ثقيلة الوزن: تزن 7,240كغ.

[13]– أحدها مزيّن بإكليل من اللبلاب.

[14]– لم يسفر هذا السبر عن شيء مهم. ولم نعثر فيه على أية آثار سابقة للعهد الهلنستي. والجدير بالملاحظة أنّ الجزء الشرقي من هذا التل يغطي السور القديم.